الخميس، 14 سبتمبر 2023

 الحبيب المصطفى  «  ٨٣  »

السيرة المحمدية العطرة 

( سماع الجن للقرآن ).


رجع صلى الله عليه وسلم من الطائف متجها إلى مكة ، ولم يلق من أهل الطائف أي خير ، ولكنه لقي من الله كل الخير ... وهو مازال بطريق الرجوع إلى مكة ، 

وصل إلى مكان يقال عنه :

{بطن نخلة} أو {وادى نخلة} ، وهو قريب من مكة ، (على مسافة ٤٣ كيلو مترًا) ..  جلس هناك يتدبر أمره .. كيف يدخل مكة الآن؟؟..

كما ذكرنا من قبل ، أرسل سادة ثقيف رجل على فرس ، ليخبر قريش أن محمدا جاء إليهم للطائف كى يستنصر بهم ؟

 [[ وفي عُرف العرب هو ذهب يستنصر ثقيف على قريش .. فأصبح الآن في نظر قريش عدو وهو في حكم المحارب ] .

___________________________

جلس يتدبر أمره فهداه الله ، فأرسل زيد بن حارثة إلى رجل اسمه {{ عبدالله بن أريقط}}

يعمل [[خادم عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه ]] ..

فجاء عبدالله إلى النبي صلى الله عليه وسلم عند وادى نخلة ، 

فطلب منه النبي أن يذهب إلى المُطعَم بن عدي ، [[ هذا الاسم مر علينا ، هو أحد الرجال الخمسة الذين قاموا بنقض الصحيفة ، وكانوا سببا فى إنهاء حصار شعب أبى طالب ]] .. وهو أيضا ابن عمومة النبي ، يلتقي به عند جده عبد مناف [[ يعني يوجد بينهم صلة بالدم ]] ..

لكنه وقف مع قريش زمن الحصار ضد أبناء عمه ، وهو سيد قومه .. أرسل إليه عبد الله يبلغه : أن محمد بن عبد المطلب يريد أن يدخل مكة في جوارك ، على أن تجيره حتى لا تعتدي عليه قريش ..

___________________________

ممكن البعض يسأل : نحن المؤمنين تعلمنا التوكل على الله ، كيف يحدث أن يدخل نبينا إلى مكة بجوار مشرك ، ولم يتوكل على الله ليحميه ؟؟.. 

الجواب ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرّع وقدوة حسنة لجميع المسلمين ، أعمالهُ تشريع فهو المصدر الثاني بعد كتاب الله ..

 المصدر الأول فى التشريع : القرآن ..

والمصدر الثاني : السنة بمراتبها الثلاثة 

١ - قول الرسول صلى الله عليه وسلم .. 

٢ - فعله .. 

٣ - إقراره ..

 [[ الإقرار هو سكوته عن شيء ، مثل قصيدة عمه أبي طالب لقريش يوم الحصار ، لو كان في شعر أبي طالب كذب أو افتراء ، لما سكت النبي صلى الله عليه وسلم ]] ..


كما يجب ألا ننسى أن أى فعل يقدم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ، يكون بوحى من السماء (( إن هو إلا وحى يوحى )) .. هذا بالإضافة للقاعدة الشرعية المعروفة : (( الضرورات تبيح المحظورات )) ..

__________________________

فمع يقينه الكامل صلى الله عليه وسلم ، بنصر الله عز وجل ، فإنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم حرص على الأخذ بالأسباب قدر ما يستطيع ، فدخول مكة دون حمايةٍ يعني القتل بشكلٍ مباشر ، ومن ثَمَّ فلا بُدَّ من البحث عن وسيلةٍ لتأمين هذه الحماية ، وليس في هذا تعارضٌ مع اليقين في نصر الله ، بل هذا من أسباب نزول هذا النصر وتحقيقه ، وكلَّما بذل العبد جهدًا أكبر كانت فرصة نصره وتأييده أعظم وأقرب ..

ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟؟!!

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم واقعيًّا لأبعد درجة ، فقرَّر أن يدخل في إجارة رجلٍ من أهل مكة ، وقانون الإجارة قانونٌ محترمٌ في مكة ، نعم يقوم على تطبيقه مشركون ، لكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعامل بقوانين المجتمع المشرك ما دامت لا تتعارض مع شرع الله عز وجل ، وما دام لا يُقَدِّم تنازلًا من دينه أو عقيدته في نظير الاستفادة من هذا القانون ، وهو درسٌ في غاية الأهميَّة لكل مسلم كى يحذو حذوه ...

___________________________

عندما قام عبد الله بإبلاغ  المطعم بن عدي ، رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام ..

قال المطعم لعبد الله : قل لمحمد فليأتي ، فقد قبلت أن يدخل إلى جواري .. 

[[ لما أرسل النبى زيد بن حارثة إلى عبد الله ، وأثناء غيابه ، قام صلى الله عليه وسلم يصلي وهو ما زال فى وادى نخلة ، فاستمع نفر من الجن إلى القرآن ... سوف نؤجل الحديث في هذا الموضوع ، إلى ما بعد دخول الرسول إلى مكة ]] .. 


مضى النبي ودخل دار المطعم بن عدي ، فإستقبله وأكرم ضيافته ، ولما أشرقت الشمس ، أخذ المطعم بن عدي سيفه ، وقال لأولاده الستة احملوا سلاحكم .. 

وقال له : قم يا محمد .. 

فتقدم المطعم وجعل اثنين من أولاده عن يمين النبي ، واثنين عن يساره ، واثنين خلفه ، حتى وصل الكعبة .. فنظرت قريش إلى المطعم سيد نوفل ، وهو يحيط هو وأولاده بمحمد ، فجن جنونهم ، واعتقدوا أنه قد دخل في دين محمد ، فأمر أولاده أن يحيطوا المطاف .. 

وطاف صلى الله عليه وسلم بالكعبة ، فقام أبو سفيان بكل هدوء إلى المطعم وقال : 

يا مطعم أمُجير أم تابع ؟؟

 قال : بل مُجير .. 

قال أبو سفيان : نعم قد أجرنا من أجرت ، ولما أتم النبي الطواف ذهب إلى داره ، وعلمت قريش أن المطعم قد أجار محمد .. ومن اقترب من محمد يريد أن يؤذيه ، فقد أعلنها حرب على عبد مناف كلهم ..

[[ نتقدم قليلا بالسيرة لنأخذ العبرة والمثل ]] ..

ظل صلى الله عليه وسلم حافظاً لجميل المطعم بن عدي ، وموقفه معه ، حتى بعد موته على الكفر  قبل غزوة بدر بسبعة أشهر ، فقد مات المطعم على شركه  .. فلما أسر المسلمون في غزوة بدر سبعين من المشركين ،

 قال صلى الله عليه وسلم {{ لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني (طلب الشفاعة) في هؤلاء لتركتهم له }} .. 

حتى {{ أبا البختري بن هشام }} .. هل تذكرونه [[ الذي ذكرت لكم قصته يوم نقض الصحيفة ، كان أحد الرجال الخمسة .. ومن قبلها ضرب أبو جهل بعظمة البعير وشج رأسه ، حينما حاول منع حكيم من إدخال الطعام للمحاصرين ، وقال له ما رأيت في العرب رجل لئيم مثلك ]] ..

كان أبو البختري لا يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم في مكة أبدا ، مع انه مشرك .. 

في معركة بدر ، وكان البختري في صف المشركين .. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ، 

{{من لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله }} ..

هذه أخلاق نبينا صلى الله عليه وسلم ، يحفظ الجميل .. 

____________________________________________________________

نرجع إلى وادى نخلة ..

 قبل دخول النبي إلى مكة ، لما أرسل زيد بن حارثة إلى عبد الله ليستدعيه ، جلس صلى الله عليه وسلم ليستريح ، وراحة النبى ليست فى النوم أو الاسترخاء ،  ولكنها فى الصلاة وقراءة القرآن (طبعا الصلاة الإبراهيمية ، وقيل أنها كانت ركعتان فى الصباح وركعتان فى المساء .. فلم تكن الصلاة كما نصليها الآن قد فرضت بعد) ... فوقف صلى الله عليه وسلم يصلي ، ويقرأ القرآن وهو محزون ، وكان يظن أنه وحيدا فى هذا المكان ، وهذا صحيح بالنسبة للإنس ، لكنه ليس صحيحا بالنسبة للجن .. 

__________________________________________________________________

تجلى الله عليه وأراد أن يجبر قلبه .. [[ المعنى : إذا كانت الطائف قد رفضت دعوتك يا رسول الله ، سأصرف إليك نفر من الجن ليدخلوا في هذا الدين ]] ..

صدر الأمر الإلهى ، أن يسوق الله إلى وادى نخلة ، أمراء من الجن من نينوى ، بلد في العراق ، بلد نبي الله يونس بن متى ..  ذكرناها من قبل [[ بلد عداس ]] .. وقيل من بلد تسمى نصيبين عند تركيا ..

ساقهم الله إلى وادى نخلة ، فلما استمعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يقرأ القرآن في صلاته ، وكان عددهم سبعة وقيل تسعة .. 

تعجبوا من القرآن ورونقه وجماله ، وقالوا لبعضهم : أنصتوا لنسمع .. ثم قالوا : والله إنه ليس بقول جن ولا بشر ، فأنطق الله شجرة ، كانت بجانب النبي صلى الله عليه وسلم ، أن في المكان أمراء من الجن من نينوى ، يستمعون إليك وأنت تقرأ القرآن .. فقال أميرهم وإسمه {{ زوبعة }} : سأذهب وأسأل هذا الرجل .. إبقوا مكانكم كي لا نُفزع الرجل ، [[ حتى لا يخاف ]] .. فتشكل على صورة آدمي ، ثم تقدم للنبي صلى الله عليه وسلم ...


يتبع ...

الأنوار المحمدية 

 صلى الله عليه وسلم

ماهى ( ليله الجن) كما ورد ذكرها فى القرآن الكريم  ؟ 


‏في إحدى الليالي جاء أحد الجانّ للنبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يدعوه إلى أعالي جبال مكة لملاقاة قومه من الجنّ ، فوافق النبي وخرج معه أحد الصحابة في ليلة عظيمة سميت بـ : 

( ليلة الجن ) 


فماذا حدث في هذا الليلة بالتفصيل ؟ 


‏في سورة الجنّ شرح الله سبحانه وتعالى لنا قصة إسلام الجانّ :

كان الجنّ قديماً تصلهم أخبار السماء ، فكانوا يتسلقون فوق بعضهم البعض حتى يصلون إلى السماء السابعة ، فيسمعون الأخبار ويعلمون بعض الأمور ، فيأتوا للكهنة والسحرة من البشر ويعطوهم هذه الأخبار .


‏لكن بعد أن بعث الله النبي عليه الصلاة والسلام للعالمين بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله باسمه وسراجاً منيراً ، ونزل عليه الوحي ، انقطعت أخبار السماء تماماً عن هذه المخلوقات النارية ، فجُنَ جنون إبليس وأعوانه ، وانتشروا بكل أقطار الأرض باحثين عن سبب انقطاع الأخبار عنهم فجأةً ؟!!!


‏حتى وصل نفراً منهم إلى سوق عكاظ ، وشاهدوا النبي وهو يصلي وخلفه أصحابه وهو يجهر بالقرآن ، لينير بهذا القرآن قلوب مخلوقات خلقها الله من أشد منطقة بالنار ..

﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴾


فلما سمعوا القرآن آمنوا به وذهبوا إلى قومهم يقولون لهم : 

﴿ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيم ﴾


‏وكان هؤلاء الجن هم ( جنّ نصيبين )

هؤلاء الذين أسلموا بعد سماعهم للقرآن ، ويعتبرون من صحابة رسول الله من الجنّ .


وبعد أن أسلموا كانوا بحاجة أن يتعلموا الدين على أكمل وجه ، فأمر الله نبيه أن يقرأ عليهم القرآن ويعلمهم ويلاقيهم في أعالي جبال مكة .


‏وعندما جاء اليوم الموعود أتاه أحد الجنّ ليخبره بأن قومه بانتظاره ، فقام النبي عليه الصلاة والسلام وقال لأصحابه : 

" إني قد أُمرت أن أقرأ على إخوانكم من الجنّ ، فليقم معي رجل منكم ، ولا يقم رجل في قلبه مثقال حبة خردل من كِبرْ "


‏فقام معه الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود ، فانطلق معه والخوف كان يملأ قلب ابن مسعود ، كونه سيرى أمر لم يرَ أحد مثله من قبل !!!

‏فوصلوا إلى أعالي جبال مكة ..

واختلف الرواة فمنهم من قال : أن اللقاء كان بالحجون

ومنهم من قال : بأن اللقاء كان بأعلى جبل حراء

لكن المتفق عليه أنها بأعالي الجبال

والجبال بشكل عام من الأماكن التي تسكنها الجنّ وتفضلها ، بالإضافة إلى الصحاري والمناطق الخالية من البشر .


‏وعندما وصلوا هناك خطَّ النبي عليه الصلاة والسلام خطاً لعبد الله ابن مسعود وقال له : " لا تخرج منه أبداً فإنك إن خرجت هلكت "


بمعنى أنه النبي رسم خط بالأرض حتى لا يتجاوزه عبدالله بن مسعود مهما حصل وقال له : (لا تخرج منه، فإنك إن خرجت لم ترني ولم أرك إلى يوم القيامة)


‏ثم انطلق النبي عليه الصلاة والسلام للجانّ ، فشاهد إبن مسعود مشهداً مهيباً

يقول : غشي النبي عليه الصلاة والسلام أسودة عظيمة ( بمعنى ظلام مخيف ) ، واختفى من أمامه حتى لم يعد يرى منه شيء ولا يسمع منه شيء ، فخاف ابن مسعود على النبي لكنه سمع صوت عصا النبي وهي تضرب الأرض والنبي يقول لهم : إجلسوا.


‏ابن مسعود يقول رأيت رجالًا سود مستثفري ثياباً بيض ( بمعنى رجالًا بشرتهم سوداء وعليهم ثياباً بيضاء ) 

ويمشون ويقرعون الدفوف كما تقرع النسوة ، وكان يرى كائنات تشبه النسور تهوي وتمشي مع قرع الدفوف ، ومع مرور الوقت بدأ يشاهد ابن مسعود الجنّ وهم يتطايرون !!


‏يقول : طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين ، حتى بقي منهم رهطٌ ( بمعنى بقي منهم عدد أقل من العشرة ) ، فلصقوا بالأرض ، حتى لم يعد يراهم ابن مسعود أبداً ..


واستمر النبي عليه الصلاة والسلام عندهم يعلمهم الدين ويقرأ عليهم القرآن ، وينهاهم عن المنكرات ، واستمر يفعل ذلك حتى الفجر !!


‏فصلى بهم النبي عليه الصلاة والسلام الفجر ، وبعد أن انتهى من الصلاة جاء له رجلان من الجنّ يسألان النبي عن المتاع ؟

فأمر لهما بالروث والعظم طعاماً ولحماً ، والبعر طعاماً لدوابهم ، ونهى النبيُّ أن يُستنجى بعظمٍ أو روثة ، لأنه طعام الجنّ ( العظم والروث ، والبعر لدوابهم ) 

ومن هذا الحديث عرفنا أن للجن دواب كما للبشر دواب والله أعلم عن أشكالها وهيأتها !!


‏ابن مسعود كان يصف هذه الليلة ويقول أنها من أرعب الليالي التي مرَّ بها في حياته كلها ، لدرجة أنه ظل واقفاً في مكانه ولم يجلس طوال الليل ، خوفاً من أن يجلس فيتجاوز الخط سهواً فتتخطفه الجنّ ويختفي إلى قيام الساعة !!

كون الخط الذي رسمه النبي ليس مسموح لأي إنسي أن يتجاوزه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلّم .


‏ثم ذهب هؤلاء الرهط لقومهم ونشروا الإسلام بين الجان أجمع ، ومن يومها أصبح الجانُّ مقسومين بين مسلم وكافر .


وحسب الروايات فإن النبي عليه الصلاة والسلام شاهد الجنّ على هيأتهم الحقيقية التي خلقهم بها الله

أما ابن مسعود فمختلف ، والأرجح انه لم يشاهدهم على هيأتهم الحقيقية .

هذا والله اعلى واعلم

الحبيب المصطفى  «  ٨٤  »

السيرة المحمدية العطرة

 (مبايعة الجن للنبي صلى الله عليه وسلم )

___________________________

تشكل زوبعة بشكل آدمي ، ثم تقدم للنبي صلى الله عليه وسلم  فسلم عليه ، وقال : 

سمعتك تقرأ كلاما ، لا هو من كلام الجن ولا الإنس ، وأنا أمير من الجن ومعي إخوتي وقفوا بعيدا ، كي لا يفزعوك ( قيل أنه كان عددهم ٧ وقيل٩ ) ..

فقال له صلى الله عليه وسلم : ادعوهم فليأتوا .. فلما حضروا ، وسلموا على الرسول ، دعاهم صلى الله عليه وسلم إلى الله ..

فأسلموا ووعدوا الرسول ، بأن يخبروا قومهم ، ويحضروهم إليه ، كي يبايعوه على الإسلام ، ثم انطلقوا إلى أهلهم ..


قال تعالى فى سورة الأحقاف :

{{ وإذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ  *  قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ  *  يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ }} 

صدق الله العظيم ،،


 وفي سورة الجن قال الله تعالى : {{ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدا }} صدق الله العظيم ،،

___________________________

في اليوم التالي ، وبعد دخوله إلى مكة برفقة المطعم بن عدى ، وبعد رجوعه إلى بيته ... كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيته ، فجاءه {{ زوبعة }} أمير الجن الذين بايعوه ، واستأذن النبي بالدخول ، ودخل على هيئة آدمي ، وقال : 

يا رسول الله .. إنا دعونا قومنا كما أمرت واستجابوا لله ورسوله ، وها هم قد قدموا جميعا إليك من نينوى ( وقيل من نصيبين وهى بلد بعيدة عند تركيا ) ، يريدون مبايعتك ، كل قبائل العراق من الجن حضرت .. فقال له صلى الله عليه وسلم : أين هم ؟؟.. 

قال : تركناهم عند جبل الحجون ، [[ أهل مكة يعرفون هذا الجبل .. وفيه مقبرة مكة ، مقبرة الحجون ]] ..


 قال له صلى الله عليه وسلم : أمكثوا في الحجون ، وأنا سآتى إليكم .. 

[[ تخيلوا قبيلة من الجن .. جن العراق كلهم ، أو العراق وتركيا ، لو دخلوا مكة لهجت قريش كلها ]] ..

___________________________

فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحجون ..

[[ وفي هذه القصة روايتان : الأولى أن هذه الليلة خرج وحده وكان عددهم يقارب الألف .. والثانية كان لهم عودة وكان عددهم عشرون ألف ، وخرج معه عبدالله بن مسعود .. وسنأخذ برواية عبد الله بن مسعود ، لأنه قد أخرجها مسلم في صحيحه ]] 

قال ابن مسعود : خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا اقتربنا من الحجون ، 

فخط لي رسول الله برجله ، خط في الأرض وقال : 

اجلس هنا ولا تتجاوزه [[ أي لا تتحرك من هذا المكان لأن عالم الجن غير عالم الإنس ]] ..

ولا تحدثنّ شيئا حتى آتيك لا يروعنك [[ أي لا تقوم بعمل أي شيء حتى أرجع إليك ، حتى لا يخوفنك وترى منهم اشياء لا تستطيع أن تتحملها ]] .

وتقدم صلى الله عليه وسلم إليهم ، فاستقبله رؤساء الجن ، وأخذ يصافحهم وجلس إليهم ..

يقول ابن مسعود وهو يصف المنظر للصحابة ، قال : ثم جاءت أفواجهم كأنها سحاب ، قال كأنهم الزط [[ الزط أي ليس عليهم ثياب ، وقيل مخلوقات سود وطوال القامة ]] .. حتى اقتربوا من رسول الله ، فحجبوه عني وازدحموا عنده ، فلم أعد أراه .. قال تعالى : 

{{ وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً }} .. (لبدا أى كادوا يكونون على محمد جماعات بعضها فوق بعض) .. ازدحمُوا على رسول الله ليسمعوا منه .. 

يقول ابن مسعود : 

وأمضى الليل كله معهم حتى الفجر ، وسمعته يقرأ عليهم القرآن .. وأنا لا أرى إلا سواد ، فوقه سواد ، فوقه سواد ، حتى حجبوا ما بيني وبين رسول الله إلى السماء .. 

___________________________

فلما كان الفجر سمعت لهم أزيز وأصوات ، وأخذوا ينقشعون كأنهم سحابة تتلوها سحابة .. 

وبايعوا الرسول على الإسلام ، وسلم عليه أمراء الجن وودعوه ، ووقف الأمير عمرو .. 

[[ عمرو هو أمير من الجن ، سأذكر قصته لاحقا ]] ..

وقف الأمير عمرو ممسكاً بيد النبي صلى الله عليه وسلم ، لا يريد أن يفارقه ..

[[  وكأن عمرو  تعلق بمحبته صلى الله عليه وسلم ، وكان عمره {{ ٨٠٠ سنة }} .. الجن تعيش أطول من الإنس ]] ..

فقال له صلى الله عليه وسلم : اذهب يا عمرو فإن الله سَيَمدّ في عمرك ، وتموت في أرض فلاة [[ أى تموت بالصحراء ]] ، ويدفنك خير رجل في أمتي آنذاك ..

___________________________

يقول ابن مسعود : حتى إذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ، سمعته يحدث أقوام لا أراهم .. 

يقول لهم : لكم كل عظم وروث ، 

فلما تقدم مني رسول الله مددت يدي كي أصافحه ، فمد يده فوجدت يده حارة جداً [[ تماما مثلما تضع يدك على شيء حار  ، يلسع إيدك ، فتسحبها بسرعة ]] ..

فقلت بأبي وأمي أنت يارسول الله ، ما هذا ؟!! 

قال : من مصافحتى إخوانك من الجن ، فإنهم مخلوقون من نار .. {{ وخلق الجان من مارج من نار }} ..

___________________________

فقال ابن مسعود : يارسول الله .. سمعت أزيز ، وسمعت أصوات ، 

 قال له صلى الله عليه وسلم :  أما تلك الأصوات فسلامهم عليّ ، وهم يودعوني مرتحلين إلى بلادهم .. قال : سمعتك تقول لهم ، ولكم كل عظم وروث ..

فقال له : أخبرتهم بعد إسلامهم ، أنه لا يحل لهم أن يعتدوا على طعام مسلم فيأكلوا منه .. فقالوا يا رسول الله ، يضيق بنا الرزق .. [[ يعني يصير صعب علينا نلاقي أكل ]] .. فقلت لهم : لكم كل عظم وروث ، أما كل عظم ، فلكم أن تجدوه مكسو لحم كما كان .. [[ نحن نرمي العظام بعد الأكل وعالم الجن لا نراه ، ولا نرى ما يأكلون ، أما في عالمهم هذا العظم يكسوه الله لحما ، كى يأكله إخواننا من الجن .. وكل روث تعود علف لدوابهم ، والروث هنا لا يقصد به غائط الحيوان ذو الحافر ، ولكن بقايا النخالة ، وقشر الخضار والفواكه الذى نلقى به فى القمامة ، وكمثال قشر البطيخ ، يجعلها الله في عالمهم طعاما لدوابهم ]] ..

وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم بتشريع بعد ذلك ..

 قال صلى الله عليه وسلم {{ إذا قضى أحدكم حاجته ، فلا تستنجوا بعظم ولا روث فإنه طعام إخوانكم من الجن }} .. أى لا نلوثه ، ونتركه على نظافة ..

___________________________

حذارى من التعامل مع أى مشعوذ دجال .. هؤلاء القوم من الجن هم قبائل ، ولو أراد الرسول أن يستعين بالجن على قريش ، لهجت قريش كلها كبيرها وصغيرها ، جني واحد يدخل حي يدمر عيشتهم كلها ..

 الجن عالم مخلوقين من نار ، ونحن مخلوقين من ماء وطين ، عالمين مختلفين ..

المشعوذ الذي يقول لكم معي جني مسلم ، أو تعالى أفتحلك المندل ، واعملك حجاب .. ما هم بفتاحين ولا فتح الله عليهم ، ولا فتح على كل جني يتعامل معهم .. الجن المسلم ملتزم لا يتدخل ولا يتعامل مع الإنس ، [[ لا يتعامل مع الجن إلا إنسان شيطان مثلهم ]] .. أنا لا أنكر المس ، فقد ذكره الله في كتابه الكريم عن آكل الربا .. قال تعالى :


{{ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ }} ..

ومن ينكر المس ، اقول له تابع السيرة ، فقد ذُكر المس في أكثر من موقف .. ونذكركم أن قريش قالوا لرسول الله في المفاوضات : إذا كان الذي يأتيك طائف من الجن طلبنا لك العلاج ..

فلو كان المس خرافة ، لما أقره النبي صلى الله عليه وسلم ، فهو لا يسكت على خرافة ، لم نجد حديث نبوي واحد ينفي مس الجن للإنس .. والجن لا تعلم الغيب ولا يملكون لأنفسهم الخير ،

 [[ لما دجال يقولك خذ هذه الورقة احرقها أو هذا الحجاب ضعه تحت مخدتك .. هذا شرك بالله ، وتصبح مثلك كمثل قريش ، أنت إذا تعاملت معهم ، أشركت بعبادة الله ، لأنهم لا يملكون لك ، ولا لأنفسهم ضرا ولا نفعا ]] .. الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستعن بهم على الإطلاق ، وأخذ بالأسباب الطبيعية ..  

__________________________

نعود لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم مع أمير الجن {{ عمرو }} ..

عمرو جني من الأمراء السبعة أو التسعة ، الذين كانوا أول من بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم ، في وادى نخلة ..

وكان عمره {{ ٨٠٠سنة }} ،

 أخبره رسول الله بعد لقاء الحجون ، أن الله سَيَمُدّ في عمره ، ويموت في أرض فلاة ، ويدفنه خير رجل من أمته في ذلك الزمن .. ومضت الأيام والسنين الطويلة ، حتى خلافة عمر بن عبد العزيز .. وكان عمر بن عبد العزيز ، في طريقه إلى الحج ، فرأى زوبعتان فى الهواء .. [[ الزوبعة ، هى الهواء الذي يلف ويدور بسرعة ، فيثير التراب والغبار ، ويرتفع على هيئة عامود .. كثير من الناس ، يرونه خاصة فى الصحراء ، ولا يعلمون ماهو .. هو مسير الجن وإلتقائهم فى مشادة أو عراك ناتج عن خصومة بينهم ]] ..

رأى عمر زوبعتان في الصحراء ، التقتا ثم انكشفت عنهما حية ضخمة ميتة .. فعرف عمر بفراسته .. {{ إتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله }} .. عرف بفراسته ، أنها ربما قتيل من الجن بعد عراك .. وإكراماً لها لأنها من خلق الله ، شق من عمامته قطعة من قماش ، ولفها بها وحفر بالتراب ودفنها .. 

ثم مضى فى طريقه ..

___________________________

ولما كان الليل ، سمع منادي ينادي : {{ جُزيت خيراً يا ابن عبد العزيز .. والله الذي لا إله إلا هو ، لقد سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول لعمرو .. تموت في أرض فلاة ، ويدفنك في ذلك الزمن خير رجل في أمتي }} ..

قال عمر بن عبد العزيز : من أنت يا عبدالله ؟ 

قال : أنا من إخوانك المؤمنين ، من الجن ممن بايع بالحجون ، وهذه الأفعى التي دفنتها ، هي : {{ عمرو .. وهو أمير من الجن }} .. أسلم على يدي النبي في وادى نخلة ، ونزل فيه قرآن يتلى إلى يوم القيامة .. 

صلى الله وسلم عليك يا رسول الله يا صادقاً بالوعد ..

____________________

يتبع إن شاء الله ، الإسراء والمعراج .. 

الأنوار المحمدية 

صلى الله عليه وسلم

 هذا الحبيب  «  ٧٩  »

السيرة المحمدية العطرة

 ( الطائف ، الجزء الأول - مقدمة ).

___________________________

نحن الآن في السنة العاشرة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد قلنا أن هذا العام أطلق عليه النبى عليه الصلاة والسلام {{عام الحزن }} ..

وهو العام الذى توفى فيه عم النبي أبو طالب ، وزوجته خديجة رضي الله عنهما ..

___________________________

 تكالبت الأحزان على النبي صلى الله عليه وسلم وزادت عليه همومه وتضاعفت بوفاة أم المؤمنين 

خديجة رضي الله عنها ، وعمه أبي طالب ، فـخديجة كانت خير ناصر ومعين له - بعد الله تعالى - وعمه كان يحوطه ويحميه ، ويحبه أشد الحب ، وضاعف من حزنه صلى الله عليه وسلم أنه مات كافراً !.

وتستغل قريش غياب أبي طالب

 فتزيد من إيذائها للنبي صلى الله عليه وسلم ، وتضيَّق عليه ، فضاقت مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد به الحال ، حتى فكر في أن يتخذ أسلوبا آخر في دعوته ، لعله أن يجد قبولا ... وذلك بعد أن تأكد له ، أن تربة مكة لم تعد صالحة لرمي بذور الدعوة فيها ، فأراد أن يدعو إلى الله في مكان آخر .. فاختار الطائف ،،

___________________________

لماذا اختار النبي صلى الله عليه وسلم الطائف ؟.

لأن الطائف هي المدينة الثانية في الجزيرة العربية بعد مكة ، وتعتبر مركز تجاري ، ومركز كثافة سكانية ، ولها مكانة في قلوب العرب ، وقبيلة ثقيف التي تحكم الطائف هي أكبر قبيلة في الجزيرة بعد قريش .. وأيضا لأن أخواله من جهة أمه من الرضاعة ، كانوا من بنى ثقيف ، فكان متأملا منهم الاستجابة والحماية والنصرة ..

وسنرى ذلك بعد فتح مكة [[ إذا شاء الله ووفقني لأكمل السيرة ]] .. سنرى كيف كانت الطائف ، 

هي المدينة الوحيدة التي استعصت على الرسول صلى الله عليه وسلم ، برغم حصارها فترة طويلة ، حتى جاءت إليه بعد ذلك مسلمة ..

___________________________

من هذه المقدمة ، يتضح أن الطائف نظرا لأنها المدينة الثانية في الجزيرة بعد مكة ، فإنها إن آمنت ، تستطيع أن تقف في وجه قريش .. لذلك كان اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم ، للطائف للخروج إليها ، ودعوة أهلها للدخول فى الإسلام ..


الطائف فى هذا الوقت ، كانت تسمى قرية .. والآن في وقتنا الحاضر ، تسمى مدينة .. وهى تبعد عن مكة مسافة ٨٥ كيلومترا إذا كان السير فى خط مستقيم ، أما إذا وضعنا فى الاعتبار ، أن الأرض صحراوية ، وغير ممهدة ، وبها العديد من المرتفعات والجبال التى تحتاج الالتفاف حولها أثناء المسير ، فإن المسافة الفعلية تصل إلى ١٠٠ كيلومتر ، بل وتزيد .. وكانت الطائف تعتبر مصيفا لمكة والمدينة وجدة وما حولها .. لذلك كان لسادة قريش في الطائف وعلى الطريق المؤدى إليها ، بساتين .. إذا اشتدّ الحر في موسم الصيف [[ خصوصا شهر ٧ و ٨ ]] .. خرج أهل مكة إلى الطائف يستصيفون  [[ يقال أن مناخها ، يشبه مناخ فلسطين ، وثمارها مميزة كثمار فلسطين ]] .. وعليها وعلى مكة أُطلق مسمى (القريتين) .. ولما كذٌَب سفهاء قريش وسفهاء الطائف الرسول صلى الله عليه وسلم ، نزلت الآية :

{{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }} ..

 المقصود بالقريتين هما : مكة والطائف .. 

___________________________

فلما فقد الأمل صلى الله عليه وسلم ، في أهل مكة وسادتها ، توجه إلى الطائف ، فخرج ليلاً متخفياً ، مشياً على الأقدام ؛ لأنه لو خرج على راحلة ، كانوا شعروا به أهل قريش . خرج متسللا ، وخرج معه زيد بن حارثة الذى تبناه ، وكان بمثابة الحامى والحارس لرسول الله .. وكان خروج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، فى شوال من السنة العاشرة من البعثة ، وذلك قبل رحلة الإسراء والمعراج .

ولعل تفاصيل ما حدث مع الرسول بعد وصوله إلى الطائف ، أكبر مثال على صبر المسلم وثباته على المبدأ والعقيدة ، ودرسا يعلم المسلم فى كل زمان ومكان ، تحمل المصائب والشدائد فى سبيل نصرة دين الله ،،،


 الحبيب المصطفى «  ٨٠ »

السيرة المحمدية العطرة

 ( الطائف الجزء الثاني )..

___________________________


خرج النبي صلى الله عليه وسلم ، إلى الطائف مشياً على قدميه ..

بعد أن أمنَّ جميع السبل ، وأخذ الحيطة والحذر ، أقبل على الطائف وكله أمل أن تكون أرض خير وإسلام.


المسافة كما ذكرنا {{ تقارب ١٠٠ كيلو متر أو تزيد }} ، وكان السفر في شوال من السنة العاشرة من البعثة، الموافق {{ شهر ٦ من عام ٦١٩ ميلادية }} ..

والمعروف أنه فى هذا التوقيت ( شهر ٦ ) تكون درجة الحرارة مرتفعة جدًا في صحراء الجزيرة العربية .. لا يقوى الإنسان على السير فيها ، أكثر من ١٠ دقائق .. وبرغم ذلك ، 

خرج صلى الله عليه وسلم ، وقطع هذه المسافة مشيًا على قدميه؛  لأنه إذا خرج راكبا .. ستعرف قريش أنه مسافر ، وهو لا يريد أن يعلم أحد بتحركاته ، حتى إذا لم يوفق في دعوة الطائف ، لا تشمت فيه قريش ، وتستقوي عليه أكثر من ذى قبل .

واصطحب معه كما ذكرنا من قبل ، {{ زيد بن حارثة }} .. الذي  كان ينادى حتى هذا الوقت ، {{ زيد بن محمد }} ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تبناه كما سبق القول ..


وإليكم أحداث يوم واحد من أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ، حتى يتأكد لنا أن طريق الدعوة الى الله ليس بالسهل الهين .. 

___________________________

لما دخل صلى الله عليه وسلم الطائف .. وكان من عادة العرب ،

إذا أرادوا أمرا من قوم ، توجهوا إلى رؤوس القوم وسادتهم ، الذين إذا تحدثوا سمع القوم قولهم .. فتوجه صلى الله عليه وسلم إلى سادة ثقيف من بنى عمرو ، وكانوا ثلاثة أخوة : الكبير فيهم اسمه {عبد يا ليل} .. [هكذا اسمه عبد يا ليل ، كأنك تغني موال ] !!.. 

والثاني اسمه {مسعود} .

والثالث اسمه ،  نعيم وقيل (حبيب) .

هؤلاء هم سادة ثقيف في الطائف ... 

___________________________

فجلس النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ..[[ وهم يعرفون الرسول من قبل ، ويعرفون أنه محمد بن عبدالله بن عبد المطلب ، لأن الطائف ومكة مختلطان ببعضهما البعض ، فكأنهما مجتمع واحد ، لذلك كان قد وصل إليهم ، خبر محمد وخبر دينه الجديد .. وعندهم علم بموقف قريش منه ]] .. جلس صلى الله عليه وسلم إلى سادة ثقيف في الطائف ، والعرب كلها لا تنكر ، ولا يفوتها منزلة الضيف وحق الضيافة .

_________

جلس صلى الله عليه وسلم عندهم ، فلم يقوموا بواجب الضيافة له ، ولم يرى منهم حسن الضيافة ولا حسن  الاستقبال ، ومع هذا كله ، الرسول صلى الله عليه وسلم داعية إلى الله ، لا يبغى ضيافة من أحد ، هو فقط يريد من الناس أن يستمعوا له ،  ويستجيبوا لدين الله .

فعرض عليهم الأمر ، وطلب منهم أن يدخلوا في دين الله .. فماذا كان موقفهم وردهم عليه ؟

___________________________

{عبد ياليل}  قال : ألم يجد الله إلا أنت يا محمد ، يبعثك رسول إلى العالمين ، لولا أنزل على رجل من القريتين عظيم .. [[ يعني لو نزل على شخص من سادة الطائف أو مكة عظيم ]] .. فنزلت فيهم الآية التى ذكرناها فى الحلقة الماضية ..


أما {{ مسعود }} .. فقال : لئن كان الله أرسلك رسولاً ، 

[[ يعني لو ثبت صحة أن الله أرسلك رسولا ]] .. لأمزقن ثياب الكعبة!!.. [[ يعني سوف يغضب من ربنا .. مش لاقي غيرك إنت نبيا؟ والله لأشق ثياب الكعبة إذا صح هذا الكلام ]] ..


أما {{ حبيب }} .. فكان أحسنهم فى الرد ، قال : أنا لو أعلم أنك رسول من الله حقا ، لا أكلمك أبداً .. لأنك إن كنت كما تزعم ، فأنت أعظم من أن أكذبك .. وإن لم تكن كما تزعم ، فأنت أهون من أن أرد عليك ..

___________________________

فقام صلى الله عليه وسلم حزينا من عندهم ، وقبل أن يخرج قال لهم : أما إذا قلتم ما قلتم ، فإن لي مطلب عندكم كضيافة . [[ يعني أنتم لم تحسنوا ضيافتي ، اعتبروا هذا المطلب هو حق الضيافة ]] .

قالوا وما هو ؟

 قال : أرجو ألا تخبروا قريش أني جئت إليكم .. [[ لأنه لو عرفت قريش أنه جاء إلى الطائف ، سوف تزداد عداوتهم له ، لأن في عُرف قريش .. معنى  ذهابه للطائف ، أنه خرج يستنصر ويستقوى عليهم بقوم آخرين ]] ..

قالوا : لا واللات لنرسلن إليهم الآن ، وأنت عندنا .. ثم أمروا ، قم يا فلان (( وأمروا فارس أن يركب فرسه فورا ، ويأتي قريش ويخبر سادتها بأن محمد يستنصر بثقيف عليهم )) ..

 لا حول ولا قوة إلا بالله ، أي بلاء هذا ؟؟.. كل هذا العناء والتعب ، [[رحلته صلى الله عليه وسلم إستغرقت ١٠ أيام حتى يصل إليهم ماشيا ، ورجوعه إلى مكة ماشيا أيضا يستغرق نفس المدة ، والفارس من المؤكد سوف يسبقه  فى الوصول إلى مكة ، ويخبر قريش بما حدث فى الطائف ]] ..

___________________________

خرج صلى الله عليه وسلم من عند الأخوة الثلاثة من بنى عمرو مهموما ، لكنه قرر إعادة المحاولة مع بقية أهل الطائف ، فأقام عدة أيام فى الطائف ، ولم يترك أحدا إلا دعاه للإسلام ، فتطاولوا عليه وطردوه !!! .. 


فعرف صلى الله عليه وسلم ، أن أهل الطائف ليسوا أشرفَ مِن سادة قريش ، بعد أن ردُّوه ردًّا عنيفًا ...

 إذ كيف تقبل ثقيف دعوته ، وعندهم صنَمُهم المعبود المقدَّس (اللات) ، الذي تزوره العرَبُ أيام الصيف الحارِّ في الطائف فتستفيد ثقيف منهم؟؟..  لذلك ، فهم لو دخَلوا في دين الإسلام ، لم يَزرهم أحد ، وسوف يُحرَمون من الأرباح الطائلة ، فكيف تقبل ثقيف دعوتَه؟؟.. كيف يَقْبلون دعوته وهو يدعوهم إلى مبدأ المُساواة بين العبيد والسَّادة ، وإزالة تجارة الرِّبا ؟.. عرف أهل الطائف أن دين الإسلام سيَضرب مصالحهم الماديَّة ، لذلك ردُّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ردًّا عنيفًا ..

__________________________

فقرر النبى الرجوع إلى مكة ، بعدما يئس أيضاً من أهل الطائف .. فلما سار فى الطريق عائدا إلى مكة ، نادى سادة الطائف على سفهائهم ، [[ لأن في كل مجتمع سادة وسفهاء ..  سادة الطائف لا يناسبهم أعمال السفهاء ، فأرسلوا سفهائهم خلفه ]] ..

وقالوا لهم : إذا خرج محمد القرشي ، ارموه بالحجارة واشتموه  ، واصرخوا في وجهه ، يعنى أهينوه إهانة بالغة ، حتى يخرج من أرض الطائف !.

[ ما هذا يا طغاة ؟؟.. إيمان ولم تؤمنوا ، وضيافة ولم تضيفوه ، وأرسلتم من يفضح أمره فى قريش . لماذا إذا هذه الهمجية؟ الجواب : لأنهم ؛ بلا دين ، فهم كما وصفهم الله ، ( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) .


خرج صلى الله عليه وسلم ومعه زيد ، وإذا بسفهاء الطائف

اصطفوا على جانبي الطريق !

___________________________

فلما شرع فى الخروج ، أخذوا يصفقون ، ويصيحون في وجهه ، ويشتمونه ، ويضربون قدميه بالحجارة .. حتى سالت الدماء من قدميه وتلطخت نعليه بالدماء الزكية .. ولما اشتد به الألم صلى الله عليه وسلم ، ولم يعد يقوى على السير ، جلس يستريح فرموه بالحجارة .. فحال زيد بينه وبينهم ، فكان يتلقى الحجارة بجسده حتى شج رأسه ، وجرح فى وجهه وجسده جراح بالغة رضي الله عنه وأرضاه ، وظلوا على هذا الحال ، يطاردونه مسيرة {{ ٥ كيلو مترات }} كاملة .. 

حتى استطاع صلى الله عليه وسلم ، الخروج من أرض الطائف .. 


فوجد صلى الله عليه وسلم ، بستان فى الطريق ، وكان هذا البستان لابنا أبى ربيعة .. {{عتبة وأخوه شيبة وهم من سادة مكة}} .. وكان  البستان قريبا من الطائف ، لكنه خارج أرض الطائف ..

___________________________

فلما رأى البستان ، ذهب وجلس تحت ظل شجرة .. وبعد فترة ، أفاق من شدة الصدمة والأزمة والأوجاع التي مر بها ، والدماء ما زالت تَنْزف من قدميه الشريفتين الكريمتين المباركتين ، وراح النبِيُّ صلى الله عليه وسلم يتذكر أصحابَه الذين يُجلَدون ويُعذَّبون في مكة ، وتذكَّر خديجة ، وتذكَّر أبا طالب ، فلم يجد بُدًّا من أن يرفع هذه الشَّكوى إلى الله .. رفع رأسه إلى السماء ودعا .


الحبيب المصطفى  « ٨١ »

السيرة المحمدية العطرة 

( الطائف - الجزء الثالث )

____________________________

جلس صلى الله عليه وسلم تحت ظل شجرة ، وأفاق من الصدمة والأزمة التي مر بها ، والأوجاع والدماء تسيل منه صلى الله عليه وسلم .. وكان هذا الموقف من أشد المواقف التى مر بها النبي صلى الله عليه وسلم .. 

بعد معركة أُحد ، لما شج رأس النبي صلى الله عليه وسلم ، وكسرت رباعيته في فكه السفلي  [[ الرباعية هو السن الذي يقع بين الثنية والناب ]] ، وجرحت شفته السفلية ، وسالت منه الدماء صلى الله عليه وسلم .. فسألته السيدة عائشة رضي الله عنها ، وهي تصب له الماء ليغسل وجهه من الدماء : هل أتى عليك يوم كان أشد من هذا اليوم ؟

فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم {{ لقد لقيت من قومك ، فكان أشد ما لقيت منهم يوم رحلة الطائف }} ..

___________________________

جلس تحت الشجرة ،ثم رفع طرفه إلى السماء ودعا بهذا الدعاء :

{{ اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ،

 يا أرحم الراحمين ، أنت ربُّ المستضعفين ،

 وأنت ربّي ، إلى من تكلني ، إلى بعيد يتجهَّمني ، أو إلى عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك غضبٌ علىٌ فلا أبالي ، غير أنَّ عافَيَتَك هى أوسعُ لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن يحل على غضبك ، أو أن ينزل بى سخطُك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك }} ..

___________________________

 لما دعا صلى الله عليه وسلم ، بهذا الدعاء الخارج من قلب خير خلق الله على الإطلاق ، العلوي والسفلي .. [[ يعني الملائكة والبشر والجن ، خيرهم جميعاً على الإطلاق ]] ..

خرج هذا الدعاء من قلب 

خير رجل ، محزون مهموم ، حدثت انتفاضة في السماوات السبع ، وضجت ملائكة السماء جميعهم .. إذ كيف ينال النبي هذا؟؟.. وأي ملك من ملائكة السماء ، يستطيع أن يدمر الطائف بأكملها بأمر ربه ، لكن الله عز وجل هو السميع البصير .. سمع ما قال أهل الطائف ، وسمع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم فأمر جبريل أن ينزل .. 

فنظر صلى الله عليه وسلم فإذا بغمامة [[ غيمة ]] تهبط عليه من السماء تظله ، وإذا عليها جبريل ..

يقول صلى الله عليه وسلم : جاء جبريل ومعه رجل لا أعرفه ، فاقترب جبريل وسلم وقال :  يا محمد هذا ملك الجبال [[ أي الموكل بأمور الجبال ]] .. أرسله الله إليك ليطيعك فيما تأمره .. فأمره بما شئت ، فتقدم ملك الجبال وقال : السلام عليك يارسول الله .. إن الله أمرني أن أطيعك فيما تأمرني ، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين [[ أي جبلين في مكة ]]

، وإن شئت دمدمت عليهم [[ أي دمرت أهل الطائف ، وخسفت بهم الأرض ]] ، فلا ترى بعد ذلك منهم عدوا ..

___________________________

لكن .. هذا حبيب الله ، هذا هو المصطفى ، هذا لرب العالمين رسولُ ، صلى الله وسلم عليك يا حبيبي يارسول الله ..

دمائه تنزف ، ودموعه على لحيته ، وما أفاق من الصدمة بعد ، تخيلوا معي : أى إنسان منكم  - والرسول لا ننسى أنه بشر - لو ظلمه شخص ، وأذاقه طعم المر ، سوف يتمنى أن يملك أمر هذا الظالم يوما ما ويتحكم فيه ، وسيقول :

 [[ لو تحكمونى فى أمر هذا الظالم ، هوريكم هعمل فيه إيه ]] ..

والآن .. هذا محمد رسول الله ، وقد أعطاه الله الحكم بين يديه ، وهو مظلوم ، وملك الجبال مسخر له بأمر الله ، يأتمر بأمره .. كلمة واحدة من رسول الله ، ينتهي أمر قريش والطائف ..

___________________________

وإذا به صلى الله عليه وسلم يضم ملك الجبال إلى صدره ويقول : لا لا يا أخي ، إني لأرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده وحده لا يشرك به شيئاً ..

فنظر إليه جبريل وقال : 

صدق من سماك رءوفٌ رحيم !!!!

قال تعالى {{ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوف رَحِيمْ }} ..


{{ رءُوف رحيم }} اسمان من أسماء الله عز وجل ، أعطاهم  الله للنبي صلى الله عليه وسلم .. 

بالنسبة لله عز وجل ، هما اسم .. 

وللنبي هما وصف .. 

___________________________

وحدث أن صدقت نبوءة النبى ، وخرج من ذرية الطائف فيما بعد ، الكثير من كبار العلماء الذين نشروا هذا الدين .. 

___________________________

عتبة وشيبة كانوا في البستان ، نظروا من بعيد فشاهدوا الدماء تسيل منه صلى الله عليه وسلم 

وقد علموا بما فعل به أهل الطائف ، وكانوا هم أصحاب البستان الذي يجلس فيه رسول الله ، وكان شيبة وعتبة من سادة قريش كما ذكرنا .. 

فلما شاهدا النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المنظر ، حزين والدماء تسيل منه ، تعاطفوا معه ؛ لأن بينهم صلة رحم ، فهم من بني عبد شمس ، والنبي من هاشم ، وجدهم الأكبر عبد مناف .


: كيف هلك طاغيه بنى أميه 

مات الحجاج ابن يوسف طاغية بني أمية ميتة لم يمتها أحد

ميتة يحفها دعوات ١٢٠.٠٠٠ ضحية له

و ٥٠.٠٠٠ مسجون

وعدد كبير من النساء

مات الحجاج

بأن سلط الله عليه دوداً في بطنه (مرض التدويدMyasis يعرفه جيداً علماء الحيوان و الطب البيطري بأن يرقات ديدان أنواع من الذباب تنخر في أحشاء الكائن الحي).

( وما يعلم جنود ربك إلا هو )

جاء الطبيب فربط قطعة لحم في خيط ، وأدخلها في جوف الحجاج ، ثم استخرجها بعد ساعة فوجدها مليئة بالديدان .

أحالت الديدان جوفه ناراً ، فسحبت الطاقة من جسمة ، فشعر بالبرد القارص ، فعذبه الله بالنار في جوفه والزمهرير ( شدة البرد ) في جلده، فكانوا يوقدون له النيران  المتعدده ليدفإوه فيحترق جلده .

سبحان الله

أتي الله له بالنار في الدنيا بعذابيها ( النار والزمهرير ) ليعذب بها أمير الطغاه

ظل الحجاج في هذا العذاب ١٥ يوماً حتي قبضه الله  إل…

[: الحبيب المصطفى  « ٨٢  »

السيرة المحمدية العطرة 

( الطائف - الجزء الرابع والأخير ).

___________________________

 رأى عتبة وشيبة أصحاب البستان ، ما حل برسول الله من الضرب .. فتحركت بداخلهما مشاعر الرحمة تجاهه ، وكان يعمل عندهم غلام نصراني على دين المسيح اسمه {عداس} .

فأرسلوا عداس بطبق عليه قطف عنب وماء بارد وقالوا : أذهب إلى ذلك الرجل ، وضع الطبق والماء أمامه لعله يأكل ويشرب .. 

فأقبل إليه عداس ، وجلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم

وهو لا يعرفه ، ولا النبي يعرفه 

وقال : أيها الرجل أرسل إليك سيدي ، بهذا تفضل وكُّل منه .[النبي صلى الله عليه وسلم لم يقدم له أهل الطائف أي ضيافة ، ومضت أيام عليه في الطريق من مكة للطائف مشيا على الأقدام ، وأقام فى الطائف عدة أيام ، وها هو الآن عائد إلى مكة ، فهو في حالة شديدة من الجوع والعطش ]] 

فمد يده للعنب وقال : {{ بسم الله الرحمن الرحيم }} ..

فتعجب عداس وقال للرسول : من أنت وماذا تقول ؟ !

والله إن هذا الكلام لا يعرفه أهل هذه البلاد أبداً .. 

 فقال له صلى الله عليه وسلم : ما اسمك ومن أين أنت ؟ قال : أنا عداس رجل نصراني من نينوى [[ نينوى بلد في شمال العراق ]] ..

فابتسم النبي وقال له : 

من قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟

فقال عداس بلهفة ودهشة : وما أدراك  بيونس بن متى؟ !

والله لقد خرجت منها منذ سنين ، ليس في نينوى عشرة رجال يعرفون من يونس بن متى، فما علمك به وأنت في بلد الأُميين؟؟.. [[ بلد الأُميين يعني بها هذا البلد ؛ لأنهم يعبدون الأصنام ]] ..

فقال له النبي وهو مبتسم : ذلك نبي وهو أخي وأنا نبي مثله .. 

يقول عداس رضي الله عنه ، وهو صحابي ، قال {{ والله أخبرني خبره ، وما وقع له مع قومه }} ..

أي ذكر له قصة نبي الله يونس مع قومه .. 

___________________________

باختصار عن قصة نبي الله يونس عليه السلام ، لمن أراد قراءتها :


بعث الله نبيّه يونس إلى قومه الذين كانوا يعبدون الأصنام ، فنهاهم عن عبادتها ، ودعاهم إلى توحيد الله عزّ وجل ، وبذل لهم النُّصح في تبليغ رسالة ربّه لكنهم قابلوه بالإعراض ، والجفاء  والصدّ ، فلمّا أحسّ يونس منهم الكفر بعد ذلك حذّرهم من سخط الله وغضبه ، وهدّدهم بحلول عذاب الله عليهم بعد ثلاثة أيام إن لم يؤمنوا ... ثمّ خرج من بين أظهرهم غاضباً بعدما ظنّ أنّه أدّى ما عليه من تبليغ الرسالة ، فخرج من أرض قومه متّجهاً نحو البحر ، ويبدو من النصوص الواردة في قصة يونس أنّ الله لم يأمره بهذا الخروج ، حيث وصفه الله بالآبِق ، (والآبق هو العبد الهارب) ، قال تعالى: [[ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ]] .. وكان على سيدنا يونس أن يسلّم لأمر الله ، فليس لنبيٍ أن يترك بلده وقريته ويخرج أو يهاجر دون إذنٍ من الله ، لذلك نهى الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يكون كصاحب الحوت في قلّة صبره ، قال تعالى : [[ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ ]] .. ولمّا رأى قومه أمارات العذاب ، وأيقنوا نزوله بهم ، تابوا إلى الله وندموا على تكذيبهم لرسولهم ، وفرّقوا بين كلّ حيوانٍ وولده ، وبين كل أم وولدها .. فضجت المدينة كلها بالصراخ والبكاء ، ثمّ خرجوا يدعون الله ، ويتوسّلون إليه ويتضرّعون له .. فكشف الله بحوله ورحمته عنهم العذاب الذي كان قد أُحيط بهم ، وقد أخبرنا الله أنّ قوم يونس نفعهم إيمانهم بعد نزول العذاب عليهم ورفعه عنهم بعد إحاطته بهم ، قال تعالى : [[ فَلَولا كانَت قَريَةٌ آمَنَت فَنَفَعَها إيمانُها إِلّا قَومَ يونُسَ لَمّا آمَنوا كَشَفنا عَنهُم عَذابَ الخِزيِ فِي الحَياةِ الدُّنيا وَمَتَّعناهُم إِلى حينٍ ]] ... لمّا خرج يونس -عليه السلام- غاضباً بسب قومه ، وبسبب رفضهم لدعوته .. سار حتى ركب سفينةً في البحر ، فاضطربت براكبيها حتى كادوا يغرقون ، وكان لا بدّ من إلقاء راكبٍ من ركّابها لينجو الآخرون ، وما كان من حلٍّ إلا أن يقترع ركّاب السفينة ، فمن تخرج عليه القرعة أُلقي في البحر ، فلما اقترعوا وقعت القرعة على يونس عليه السلام ، ولقد كانوا يعرفونه فأبوا أن يلقوه في الماء ، فأعادوا القرعة ثانيةً وثالثةً ، فخرجت عليه فى كل مرة ، عندها لم يجدوا بُدّاً من إلقائه في البحر .. فبعث الله حوتاً فالتقمه ، وطاف به البحار كلها ، وأوحى الله إليه ألا يُهلك يونس عليه السلام ، فلا يأكل لحمه ولا ينهش عظمه ، وأحاطت به ظلمات ثلاث : 

ظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت ، وظلمة الليل .. ولبث في بطنه مدّة الله أعلم بها ... وقد سمع نبي الله يونس تسبيح الحصى ودوابّ البحر وهو في بطن الحوت ، فأقبل على الله وأثنى عليه ، فذكره وسبّحه ، وتضرّع إليه بأن يفرّج كربه ، وألهمه الله الكلمات التي تبدّد الظلمات وتُزيل الكربات ، فنادى ربّه مسبّحاً ونادماً على ما كان منه .. قال تعالى : [[ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَـهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ]] .. وظل يردد هذا التسبيح بلا توقف ، فقذفه الحوت بأمرٍ من الله إلى شاطئ البحر ، وهو سقيم الجسد من شدة ما أصابه ، وأنبت الله عليه شجرةً من يقطينٍ يستظل بها ويأكل منها، وذكر العلماء في حكمة إنبات اليقطين عليه أنّها شجرةٌ فيها نفعٌ كثير ، فهى مقوّية للبدن ... ولمّا تعافى يونس -عليه السلام- أمره الله بالعودة إلى قومه الذين غادرهم ، فوجدهم مؤمنين بالله منتظرين عودته ليتّبعوه ، فمكث معهم يُعلّمهم ويرشدهم ..

___________________________

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، عداس ، خبر نبي الله يونس مع قومه ..

فلما سمع عداس هذا !

قال : أشهد أنك رسول الله المنتظر خاتم الأنبياء ، وهبّ عداس يقبل رأسه ويديه وقدميه ، صلى الله عليه وسلم ..

___________________________

عتبة وشيبة ينظران من بعيد ..  

لما شاهد عتبة وأخوه شيبة ، عداس يُقّبل رأس النبي ويديه وقدميه .. قال أحدهم للآخر : أما غلامنا فقد أفسده محمد !

رجع عداس إليهما فقالا له : ويحك ؟؟!!!!

[[ويحك عند العرب كلمة تعجب واستغراب]] ..

 ويحك ، أرسلناك تطعم الرجل وتسقيه ، فقمت تقبل رأسه وقدميه .. ما الذي دهاك ؟ !!

قال : يا سيدي والله ما على وجه الأرض كلها ، رجل خير من هذا الرجل ، إنه خير خلق الله .. 

 قالوا له : ويحك ، سحرك محمد 

يا عداس ، دينك خير من دينه فلا تسمع له .. 

قال : لا بل هداني ، إنه نبي ..

 قالوا وما علمك بذلك؟؟..

 قال لهم : أخبرني بأمر لا يعرفه إلا نبي .. لقد أخبرني بأمر يونس بن متى نبي بلادنا  مع قومه ، وقرأ علي ما أنزل الله عليه ، وهو موافق لما نعلمه نحن أهل الكتاب وهذا لا يعرفه إلا نبي ..

___________________________

 أسلم عداس .. ( دعونا نتقدم فى السيرة قليلا ، لنذكر هذا الخبر ) .. 


 قبل اندلاع معركة بدر ، وكان {{ شيبة وعتبة }} ، يقاتلان في صف المشركين من قريش .. وقبل الذهاب كانا يستعدان للخروج للمعركة ، 

فقالا لعداس : هيا أخرج معنا .. 

قال :  إلى أين ؟ 

قالا : للحرب .. 

 قال : حرب من ؟

 قالا : حرب محمد .. 

فقال عداس لهما متعجباً مندهشاً  : أتريدان حرب ذلك النبي الذي جلس يوم كذا تحت الشجرة في البستان وقدمنا له الطعام وأسلمت على يدي؟

قالوا : أجل .. 

قال عداس : والله الذي لا إله إلا هو ، إن هذا الرجل لا تقف في وجهه الجبال كلها ولو اجتمعت .. أنصحكم ألا تخرجا .. فلم يسمعا منه وتركاه وخرجا ، فكانا أول قتيلين في معركة بدر ..

___________________________

رجع صلى الله عليه وسلم من الطائف متجها إلى مكة ، ولم يلق من أهل الطائف أي خير .. لكنه لقي من الله كل الخير والتأييد .. لأن إسلام عدّاس فى حد ذاته ، كان من أعظم ما خرج به رسول الله بذهابه إلى الطائف ، ولم يقف الأمر عند إسلام عدّاس فحسب ، فقد آمن عددٌ كبيرٌ من الجنّ حين سمعوا دعوة رسول الله ، كما أنه فى هذه الرحلة زاد الله - تعالى - رسوله ثباتاً بعدما أرسل إليه جبريل ومعه ملك الجبال يحكمانه فى أهل الطائف ، فكان هذا أكبر دعم وتقدير من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ..


يتبع إن شاء الله ..

 إيمان الجن ، في طريق رجوعه لمكة صلى الله عليه وسلم ...

الأنوار المحمدية 

صلى الله عليه وسلم

 الحبيب المصطفى  «  ٧٨  »

السيرة النبوية العطرة 

( اشتداد إيذاء قريش للرسول صلى الله عليه وسلم ) .

__________________________

كما ذكرنا من قبل ، أنه بعد وفاة {{ أبي طالب }} .. تجرأت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم ، كما لم تتجرأ من قبل !.. فبالرغم من وفاة عمه أبي طالب ، وزوجته خديجة ، وما شاهده الجميع من حزنه العميق عليهما .

إلا أن  هذه المصائب ، لم تهزَّ مشاعر قريش قطُّ ، إنَّما على النقيض من ذلك ، فقد فَقَدوا كلَّ نخوتهم التى لا وجود لها أصلا ، وزادوا من إيذائهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليزيدوه حزنًا على حزنه!. ولقد كان إيذاؤهم له في هذه الفترة مختلفًا عن كلِّ المرحلة المكيَّة السابقة ، فعلى الرغم من تعرُّض رسول الله صلى الله عليه وسلم للأذى من أوَّل يومٍ جَهَرَ فيه بالدعوة ، وحتى يوم موت أبي طالب ، إلا أنَّه لم يرَ مثل هذا الإيذاء قط من قبل ..

ولم تكن وفاة أبي طالب ، سببا فى أن يتخلى بنو هاشم عن حماية النبي .. فقد ظل الرسول صلى الله عليه وسلم  بالرغم من وفاة {أبي طالب } ، في حماية بقية أعمامه وبني عمومته ، وكل بني هاشم وبنى عبد مناف .. وبرغم من ذلك تأثر النبي صلى الله عليه وسلم بشدة بسبب وفاة عمه ، لأن أبا طالب كان شخصية شديدة القوة والصلابة .. فكانت درجة حمايته للنبى ودفاعه عنه ، أقوى وأشد ... لذا ، فقد قال النبي  صلى الله عليه وسلم : {ما نالت مني قريش شيئا أكرهه ، حتى مات أبو طالب }!!.

___________________________

والسؤال هنا :

أين حمزة ، وأين عمر اللذان يهابهما كل سادة قريش ؟!

هنا يجب أن نعرف طبيعة العهد المكي .

حمزة وعمر دخلا تحت جناح الإسلام ، فهم مسلمان ، وجند من جنود الرسول صلى الله عليه وسلم .. ويجب عليهما أن يأتمروا بأمره .. وهناك نهي من الله أن يكفوا أيديهم .. بمعنى ، لو رأيت أخاك المسلم يُعذب ، لا يوجد تشريع ، أو إذن لك من الله أن تدافع عنه بالقوة .. هكذا هى إرادة الله عزوجل ، التى كانت في العهد المكي .. 

وأول إذن بذلك ، نزل بعد الهجرة إلى المدينة المنورة .. { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } صدق الله العظيم ، والحكمة فيما ذكر هى : 

أولاً : أن الله أراد أن يربي الصحابة في مكة التربية الروحية ، قبل التربية الجهادية .

ثانياً : السابقون إلى الإسلام ، هم حجر الأساس الذي سيبنى عليه {{ خير أمة أخرجت للناس }} ..

والمفروض ألا يكون بينهم منافق واحد .

وبما أن الأذى واقع على كل من قال : { لا إله إلا الله } .. ولم يصدر الإذن بالقتال بعد ، فما الذي يجبر المنافق ، على أن يدخل هذا الدين ويتحمل الصعاب والتعذيب والأذى ؟

 [ والنفاق هو أن تظهر إسلامك وتخفي كفرك ] ؛ لذلك لم يدخل دين الإسلام فى العهد المكي ، إلا كل صادق إيمان مستعد للموت فى سبيل نشر الدعوة .. 

هؤلاء الصحابة كانوا هم حجر الأساس للدين ، حيث يجب أن يكون الأساس قويا صلبا ، ليس به خلل ..


ولقد بدأ النفاق يظهر جليا في المدينة بعد الهجرة ، لما أصبح للمسلمين قوة ودولة .. صار المنافق يدٌَعي الإسلام ، من أجل أن يأمن على نفسه ، ويضمن حقوقه تحت ظل الدولة الإسلامية .. 

[[ لذلك .. فكل آيات النفاق فى القرآن نزلت بالمدينة ]] ..

حمزة وعمر رضي الله عنهما ، يجب أن يتبعا أمر الله ، ويقفا عند حدوده ويلتزما بها .. 

___________________________

والآن سأعرض عليكم بعض الصور ، لجرأة وأذى قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم ..

[ لكم أن تتخيلوا ، كم عانى النبي صلى الله عليه وسلم ، وصبر من أجل نشر الدعوة ومن أجلنا ].

وهنا يجدر بى ، أن أهمس في أذن أهل البلاء .. يا أهل البلاء : [ لكم في رسول الله أسوة حسنة ].

___________________________

كان صلى الله عليه وسلم  يسير يوما في طرقات مكة ، فاعترضه سفيه من سفهاء قريش ، وقذف في وجهه التراب والرمال ..

فرجع صلى الله عليه وسلم إلى بيته معفراً مغبرا ، فلما دخل وكان في البيت  بناته ، قاموا إليه مسرعات ينفضن التراب عن شعره ووجهه وهن يبكين .. 

[لك أن تتخيل هذا الموقف ، الأب وبناته والعاطفة التى تجمعهم ].

 فلم يحتمل النبى صلى الله عليه وسلم بكائهن ، وأخذ يصبرهن، لا عليكن ، لا تبكين فان الله مانع أباكن ..

___________________________

موقف آخر .. وقف صلى الله عليه وسلم  يوماً ، يصلي عند الكعبة .. فأتى إليه ذلك الشقي {{ عقبة بن أبي معيط }} ، ولف عباءته حول رقبة النبي صلى الله عليه وسلم ، وخنقه بها .. حتى سقط صلى الله عليه وسلم على ركبته ، وكاد أن يلفظ أنفاسه ، ولم ينقذه إلا أبو بكر الذي جاء مسرعا ، ودفع عقبة وهو يقول : أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله ، وقد جاءكم بالبينات من ربكم ..

___________________________

صورة أخرى عن هذا الشقي {{ عقبة بن أبى معيط }} .. جلس أبو جهل في نادي قريش

ونظر ، فإذا بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة .. فقال لقريش : أليس فيكم رجل ، يقوم إلى فرث جزور بني فلان ، فيلقيه على ظهر محمد إذا سجد .. [[معنى فرث جزور : أنّ بيت من البيوت في مكة ، ذبح جملا صغيرا .. ولم يكن فيهم إذا ذبحوا من يهتم بالكرشة ، ففرث جزور .. هى المخلفات التي تستخرج من بطن ومعدة الجمل ]] ..

 فاستجاب لرأي الشقي من هو أشقى منه ، فقام عقبة بن أبي معيط ،

(( وكان جارا للنبي صلى الله عليه وسلم فى البيت )) .. فأحضر الكرشة وما فيها من أوساخ ، وظل ينتظر ، 

حتى إذا سجد صلى الله عليه وسلم ، قلبها على ظهره وهو ساجد ،  فلم يستطع أن يرفع رأسه .. وسادة قريش يضحكون في مجلسهم ، يميلون على بعضهم البعض من شدة الضحك !.


ولقد ذكر الله عزَّ وجلَّ أمر هؤلاء حين قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ صدق الله العظيم


[هذه الرواية جاءت في البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، وهو راوي الحديث].

يقول بن مسعود : ما استطاع أحد منا أن يميط هذه الأوساخ ، عن رسول الله خشية بطش قريش [[ كانوا جميعا فى العهد المكى ، ضعفاء أمام بطش الجبابرة في قريش ]] ..

فانطلق رجل قد أخفى إسلامه ، وأخبر فاطمة بنت النبى ، فجاءت مسرعة رضي الله عنها وهى أصغر بناته ، وأماطت الأذى عن ظهر أبيها ، ثم رفع صلى الله عليه وسلم رأسه ، وأتم صلاته .. يقول عبد الله بن مسعود : فلما فرغ من صلاته صلى الله عليه وسلم ، سمعته يقول : {{اللهم عليك بالملأ من قريش وذكر أسماءهم }} .. فو الذي بعثه بالحق ، ما ذكر اسم رجل منهم ، إلا قتل بأيدينا يوم بدر 

.. دعوة خير الخلق ، خاتم الأنبياء والمرسلين ، حبيب رب العالمين ، في موقف هو أشد ما يؤذى به إنسان بلا ذنب أو سبب ، فكانت دعوته هذه على الكفار في العهد المكي ، في أطهر بقعة على الأرض ، عند الكعبة ..

فيمهلهم الله سنين عديدة ، ثم يستجيب  لدعوته ، بعد الهجرة يوم بدر .. 

__________________________

وفى هذا المثل ، أحد دروس السيرة .. [[ كثير من الناس اليوم يقولون ، ندعو وندعو ولا يستجاب لنا ، ألم يقل الله إدعوني أستجب لكم ؟؟ ]] ..


والجواب بسؤال لهؤلاء : من أكرم على الله أنتم أم الأنبياء ؟؟.. 

موسى عليه السلام وهارون دعوا

 على فرعون .. فقال الله لهم : {{ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ }} ..

 وحدث أن كان بين الدعوة والاستجابة بضع سنين .. 

العبرة هنا : أن الله يستجيب كما وعد ، ولكن كما يريد هو لا كما تريد أنت ، لأن الله لا يُعجٌل بعجلة أحدكم .

ألا تؤمن بكلام الله : 

 {{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}} ..

___________________________

هل تتخيل أن هذا الشقي ، [[ عقبة بن أبي معيط ]] .. كان على وشك الدخول فى الإسلام ، وكان سيصبح من الصحابة ، والذي منعه هو صداقته لأبي جهل .. القصة أن أبا جهل سافر ذات مرة ، وعاد ليجد [[عقبة بن أبي معيط]] ، قد تأثر بالنبي صلى الله عليه وسلم وكاد أن يسلم ، فذهب إليه أبو جهل 

وقال له : وجهي من وجهك حرام ، وكلامي من كلامك حرام ، حتى تذهب فتبصق على وجه محمد !!..

فذهب عقبة بن أبي معيط ، وبصق على وجه النبي صلى الله عليه وسلم .. فنزل قول الله تعالى : 

{{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا }} صدق الله العظيم ،، 


هذه القصة أعتبرها أبلغ مثال ، لمدى خطورة أصدقاء السوء ..  [[عقبة بن أبي معيط]] ، كاد فعلا أن يدخل في الاسلام ، لولا صديق السوء ، شيطان الأمة أبي جهل ..

___________________________

وخرج الرسول صلى الله عليه وسلم يوما وطاف بالكعبة ، فجاء إليه رجال من قريش والتفوا حوله ، وتهجموا عليه وأخذوا يدفعونه ويتجاذبونه من ملابسه ، ويقولون : 

أنت الذي جعلت الآلهة إلها واحدا ؟؟.. أنت الذي تقول كذا ؟؟.. ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لهم : نعم ، حتى جاء أبو بكر مسرعا ، ليدفع المشركين بعيدا عن النبي صلى الله عليه وسلم  .. فدفعوه فسقط على الأرض ، وخلعوا نعالهم وأخذوا يضربونه على وجهه رضي الله عنه ، حتى انتفخ وجهه وأغمي عليه .. وحُمِل إلى بيته وهو مغشى عليه ، ولم يفق إلا في الليل .. فكان أول ما فعله بعد أن أفاق ، أن سأل : ماذا فعلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا له : هو بخير .. فقال : والله لا آكل ولا أشرب حتى تحملاني فأنظر اليه بعيني ، فلما ذهبوا به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، ونظر في وجهه واطمأن عليه.

 قال : الحمد لله .. فقام إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، واحتضنه وهو حزين ، فقال له أبو بكر : يا رسول الله ، ليس بي شيء إلا ما أصابني في وجهي!!..

___________________________

كان الله عز وجل يحمي نبيه من الإهانة الشديدة ، أو المواقف التى يمكن أن تفقده صلى الله عليه وسلم حياته ..


والآن : يا أمة الحبيب محمد .. نحن في بلاء شديد ، ونحن نقرع أبواب الساعة الكبرى ..

 فلكم في رسول الله أسوة حسنة ، هذا حبيب الله ذكرت لكم بعض مما ناله من الأذى ، إيذاء بدني وإيذاء نفسي ، كان يتعرض له يومياً  وبصفة مستمرة .. من جيرانه ، وفي الطريق ، وفي السوق ، وعند الكعبة .. في كل مكان وفي كل وقت ، ذكرنا بعض من الإيذاء الشديد الذى تحمله هو وصحابته الكرام ، حتى يعلم الجميع ضريبة الثبات على الحق ، فطالما أنك على الحق ، لابد أن تبتلى .. وهذه الدنيا فانية ، وموعدكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة .. 

لذلك يقول تعالى في سورة العصر :

 {{والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر* }} صدق الله العظيم،، .. جاء الأمر بالصبر بعد أن أمر بالثبات على الحق ، وطالما أنك على الحق ، فلابد أن تبتلى ، وإذا ابتليت فعليك بالصبر ..

___________________________

فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمور تفاقمت في مكة ، وأن تربة مكة لم تعد صالحة لرمي بذور الدعوة فيها .. أراد أن يدعو إلى الله في مكان آخر ... فاختار الطائف ،،،


يتبع ..

الأنوار المحمدية 


صلى الله عليه وسلم

 الحبيب المصطفى  «  ٧٦  » و 77

السيرة النبوية العطرة

 (( وفاة أبو طالب )) ..

__________________________

انتهى الحصار بإرادة وتوفيق من الله تعالى ، وخرج بنو هاشم وبنو المطلب من شعبهم  ، ورجعوا إلى حياتهم الطبيعية يمارسون كل نشاط في مكة ، وانتهت المقاطعة الظالمة ..

ولكن العداوة مازالت موجودة للنبي صلى الله عليه وسلم من قريش ، وبسبب الحصار الذي استمر ٣ سنوات ، تعب ومرض أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم ، الذي بلغ من العمر بعد رفع الحصار ٧٩ عام بالتقويم الميلادى ، أى ما يزيد على ال ٨١ سنة بالتقويم الهجرى .. 

___________________________

ضعف جسد أبى طالب وأشرف على الموت ، فبلغ سادة قريش أن أبا طالب على فراش الموت .. 

فقال بعضهم لبعض : لنذهب إلى أبي طالب قبل أن يحل به الموت ، وقبل أن يأتي ابن أخيه محمد ... ليأخذ لنا على ابن أخيه ، ويأخذ له منا .. ليكف عنا ونكف عنه ، وليدعنا وديننا وندعه ودينه ..

فإنا نخاف بعد إسلام حمزة وعمر ، إن تبعه غيرهم أن يأخذوا السيادة منا .. 

فحضر سادة قريش ومشايخها مثل عتبة بن ربيعة ، وأخوه شيبة ، وأبو سفيان ، وأبو جهل ، وعبد الله بن أبى أمية ، وغيرهم من وجهاء قريش حضروا إلى بيت أبو طالب .. 

فلما حضروا ، هنا أحب أبو طالب أن يعقد صلحا ، بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته ..

___________________________

فقال أبو طالب لسادة قريش : إني أحب أن أرحل عن الدنيا ، وأنا أشهد الصلح بينكم وبين محمد .. فأرسل إلى النبي من يخبره بالحضور ، فحضر صلى الله عليه وسلم ..

[[ وتجمع الروايات على أنه كان بين القوم وبين فراش أبي طالب متسع لمقعد رجل ]] .. فخاف شيطان هذه الأمة أبو جهل ، أن يجلس النبى فى هذا المكان ، فيكون أقرب إلى عمه ويكون له تأثير عليه .. فوثب كالشيطان ، وجلس بالمكان .. فلم يعد للنبي مكان للجلوس ، فلما حضر النبي .. لم يجد مكان إلا أن يقف عند عتبة الباب ، [[ وهذا مبدأ عند النبى صاحب الخلق العظيم ، فمن أخلاقه أنه كان يجلس مع أصحابه حيث ينتهي المجلس .. فإذا دخل على المجلس أعرابي لا يعرف النبى ، والنبي جالس بين الصحابة ،  ينظر إليهم ثم يسأل .. أيكم محمد ؟؟.. هذه أخلاق نبينا صلى الله عليه وسلم  ]] ..

وقف النبي عند عتبة الباب [[ غرفة صغيرة فيها سرير  امتلأت بالرجال ، ويقف النبي على الباب ، تخيلوا المنظر بعقولكم ]] .. لدي تعقيب بعد قليل هل نطق أبو طالب بالشهادة قبل موته؟.

___________________________

فرفع أبو طالب رأسه إليه وقال : يا محمد يا ابن أخي .. هؤلاء أشراف قريش وسادتها ، وقد نزل بي من الأمر ما ترى .. وأنا أحب أن أرى بينكم صلحا قبل أن أفارق الدنيا .. 

فقال صلى الله عليه وسلم : نعم يا عم .. أريد منهم كلمة واحدة لا سواها ، تدين لكم بها العرب وتتبعهم العجم .. 

يا قريش لو أطعتم الرسول واستجبتم له ، لرأيتم كيف كان لكم فضل في دولة الإسلام ، لقد ملكت أمة محمد وحكمت العالم كله ، وليست قرية من أمته ، يا قريش الخليفة هارون الرشيد نظر يوما للسماء وقال {{ أيتها الغمامة أمطري حيثُ شئتِ فإنَّ خراجكِ عائدٌ إليّ }.

ولكن الكفر ضلال ، إلى هذا اليوم نحن نذكركم يا كفار قريش ، ونعيبكم  وندعو عليكم ، هذا ما أخذتموه من عداوتكم لحبيبنا صلى الله عليه وسلم .

ولكم بمشيئة الله ، موعد مع جهنم في الآخرة عند الله عزوجل ]] ..

___________________________

قال النبى : أريد منهم كلمة واحدة تدين لكم بها العرب وتتبعهم العجم ...  ولأنهم كفار والكفر ضلال ، تسرٌَع بالإجابة أبو جهل وقال : نعم وأبيك [[ يعني نعم ونحلف برأس أبيك ]] ..

نعم وأبيك ، نعطيك عشرة إذا أردت ويتم الصلح .. فقال : قولوا  لا إله إلا الله ، وتخلعون عبادة الأصنام .. 

___________________________

وكعادتهم قريش فى السخرية .. صفقوا ، وصفروا  ، ووضعوا أيديهم على رؤوسهم 

وقال أبو جهل وهو يضحك : واللات إن هذا الرجل لن يعطيكم شيء .. فنظر أبو طالب إلى النبي وقد تأثر من فعل القوم ، وهم كما وصفهم الله تماما :

{{ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ  * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ }} ..

[[ قسورة يعني الأسد ، مثل الأسد عندما يطارد مجموعة من الحمير .. هل تخيلتم المنظر ، سادة قريش هكذا تماما }} ..

 فلما رأى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد تأثر فأراد أن يخفف عنه فقال :

يا محمد يا ابن أخي ، والله ما أراك طلبت منهم شحطة [[ الشحطة عند العرب يعني الشيء المستحيل والصعب ، ما طلبت منهم إلا الخير ]] .. فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ما قاله عمه أبو طالب ، طمع فى إسلامه قبل وفاته .. فقال : 

أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاجُّ لك ، وأشفع لك بها عند الله ... فرد عليه عبد المطلب قائلا : يا ابن أخى ، والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بنى أبيك من بعدى ، وأن تقول قريش أنى إنما قلتها جزعا من الموت  لقلتها ، لا أقولها إلا لأسرك وتقر بها عينك ... فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب ، ترغب عن ملة عبد المطلب؟؟ ، فلم يزل رسول الله يعرضها عليه ، وهم ما يزالون يكلمانه كى لا ينطقها ، حتى قال آخر شيء كلمهم به : على ملة عبد المطلب .. فقال النبي : والله لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنه فأنزل الله .. {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} .. ونزلت أيضا {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يهدى من يشاء} ...


فلم يعلن أبو طالب إسلامه ، وفاضت روحه .. لم يقلها على مسمع من النبي (لا إله إلا الله) ..!!

___________________________

يا أبا طالب !!

 يا عم نبينا صلى الله عليه وسلم .. 

والله أتعبت وأوجعت قلبي ، واتعبت قلوب كثير من المسلمين .. ومما لا شك فيه أنك أيضا أتعبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنت كنت له بمنزلة الوالد .. والله إننا جميعا نشهد أنك بذلت جهدا جباراً في سبيل الإسلام والدعوة ، وتحملت الكثير من بداية بعثة النبى ، وحتى انتهاء سنوات الحصار .. ولم يسمع منك النبي مرة واحدة : 

لا إله إلا الله؟؟!!! 

______________________________________________________________________

أبو طالب من أكبر علامات الاستفهام في السيرة ، وقد حير موقفه الكثير من الناس .. أبو طالب أفعاله وأقواله تؤكد بتصديق نبينا صلى الله عليه وسلم ، وكان يكرر في حياته {{ إن محمدا لا يكذب }} .. كيف لا وهو الذي رباه وكان له بمنزلة الأب ، فهو يعرفه أكثر من جميع الناس ..

والدليل على ذلك عندما قال للرسول صلى الله عليه وسلم ، في بداية الدعوة {{ فامضِ لما أمرت به }} .. 

[[ بمعنى ما جئت به ليس من عند نفسك ، وإنما من عند الله تعالى ]] .. كما أن نبوءة النبى عن الأرضة ، التى ذكرها لأبى طالب ، وأدت إلى إنهاء الحصار ، هى أكبر دليل على صدق نبوته بشهادة أبى طالب .. لماذا لم يعلن أبو طالب إسلامه بعد كل ما عاصره مع النبى؟؟..


 قال إبن كثير : كان استمرار أبو طالب على دين قومه من حكمة الله تعالى ، ومما صنعه لرسوله من الحماية .. إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركى قريش وجاهة ولا كلمة ، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه ، ولاجترأوا عليه، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه ..

أما لماذا لم ينطق بالشهادة عند وفاته؟؟.. فكما ذكرنا من قبل ،  أجاب عليها هو بنفسه ، عندما طلب منه النبى أن يقلها ..


ويعتقد أهل السنة أن أبا طالب عم رسول الله مات كافراً ، لا يوجد في ذلك خلاف معتبر بين أهل العلم ، ويستدلون على ذلك بأحاديث عدة .. منها حديث العباس بن عبد المطلب أنه قال :

قلت للنبي : ما أغنيت عن عمك ، فإنه كان يحوطك ويغضب لك قال : هو في ضحضاح من نار ، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار .. ( الضحضاح من الماء معناها مستوى الماء الذى لم يبلغ الكعب ، وهنا استعارة لاستخدامها مع النار ، ومعناها يخفف عنه العذاب ) ..


أما عن رأى أهل الشيعة : فيعتقد الشيعة أنه مات مسلماً مؤمناً بالرسالة المحمدية .. ومما جاء فى مذهبهم ، ما ذكر عن الإمام جعفر الصادق أنه قال :


هبط جبرئيل على رسول الله فقال : يا محمّد ، إنّ الله عزّ وجل قد شفّعك في خمسة : 

في بطن حملك وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف ، وفي صلب أنزلك وهو عبد الله بن عبد المطّلب ، وفي حجر كفلك ، وهو عبد المطّلب بن هاشم ، وفي بيت آواك وهو عبد مناف بن عبد المطّلب (أبو طالب) ، وفي أخ كان لك في الجاهلية ..


هذا ما قيل من أهل السنة ، وما جاء ذكره عن أهل الشيعة ..

والله أعلم ،،،

___________________________

ولإيضاح هذا الأمر : قلنا من قبل ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقف على عتبة الباب عند موت أبي طالب .. هناك روايات تقول ، أن العباس كان أقرب الناس إلي فراش أبو طالب لحظة موته .. وأنه قبل خروج روحه ،  نظر العباس إليه فرآه يحرك شفتيه ، فأصغى إليه بأذنه ، فسمعه ينطق الشهادة .. 

وأن العباس عندئذ قال : يا محمد ، سمعته قال الكلمة التي تريد ( يقصد ، لا إله إلا الله ) ..


ولكن .. [[ لماذا قال العباس للنبى عند وفاة أبي طالب ، أنه قال الكلمة التي تريد ، ولم يقلها بهذا النص "لا إله إلا الله" صراحة ؟؟.. 

من دَرَسَ السيرة وتعمق بها ، تتضح له أمور كثيرة .. أنا أتصور الموقف كالآتي : العباس قيل أنه كان قد أسلم ، ويكتم إسلامه في ذلك الوقت ، وكفار قريش في غرفة أبي طالب ، ومات أبو طالب ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطمع فى إسلام عمه ونطقه للشهادة ، وظل يقول له ، قلها يا عم ، أشهد لك بهاعند الله ، وهو واقف بعيدا عند عتبة الباب ، فلما فاضت روحه ، ظهر حزن النبي على وجهه .. والعباس كان أقرب لأبي طالب ، وكما يقول أنه سمع منه الشهادة .. فلما رأى حزن النبي ، لم يتمالك نفسه وأراد أن يبشره ، فقال له أمام سادة قريش ، قال الكلمة التي تريد ، ولم يقل له ، قال لا إله إلا الله .. لأنه كان يكتم إسلامه ، فلا يجوز أن ينطق بلفظ الشهادة صراحة أمام قريش ]] ..

فقال له صلى الله عليه وسلم : ولكني لم أسمعها .. 

___________________________

أخيرا .. أنا أقول عن نفسي ،

جزيت خيراً يا أبا طالب ، هذا عن نفسي ولا ألزم أحد بقناعتي ..

ولكنى أعتبر أن مصير إيمانه أو عدم إيمانه فى علم الله وبيده سبحانه .. إن أراد به خيرا ، وفقه لنطق الشهادة لحظة موته ولو همسا ، ولربما سمعها العباس ..

 أما يا عم نبينا يا أبا طالب ، فيما يتعلق بدفاعك عن نبينا صلى الله عليه وسلم ، أقول لك مرة أخرى ومن كل قلبي : {{ جزيت خيراً يا أبا طالب }} .. أبو طالب أعماله وأفعاله كلها تدل على إيمان .. ولكن لم يُظهر إسلامه بالظاهر .. ومسألة هل أسلم أبو طالب أم لا ، كانت مسألة خلافية ، لكنها من وجهة نظرى كما قلت فى علم الله .. وأنا أتضرع إلى الله سبحانه وتعالى وأدعوه ، أن يكون ما ذكره العباس من سماعه لأبى طالب ينطق بالشهادة لحظة وفاته صحيحا... ونرى أبا طالب ممن نجوا من عذاب النار .. 

كل شيء علمه عند الله ،  وهو أرحم الراحمين ..

___________________________ حزن النبي صلى الله عليه وسلم على موت عمه حزنا كبيرا .. مات أبو طالب ودفن في مقبرة مكة بالحجون .. وبعد موت عمه زاد أذى قريش تجاه النبي ، لأن أبا طالب هو الذي كان يحميه ويدافع عنه متحديا كل من حاول النيل منه .. ومما زاد من حزنه عمقا ، أنه حدث بعد وفاة عمه أبي طالب بثلاثة أيام ، توفيت زوجته السيدة خديجة بنت خويلد .. وقيل كانت وفاتها قبل أبى طالب بخمس وثلاثين ليلة ، وقيل بعد وفاة أبى طالب بشهر ، وقيل غير ذلك .. الخلاصة ، أننى لاحظت فى جميع المراحل ، اختلافا كبيرا بين رواة السيرة ، خاصة فى تواريخ وقوع الأحداث بالإضافة إلى الاختلافات فى مجرياتها ..  وفى جميع الأحوال ، فقد هلكا عم النبى وزوجته فى عام واحد ، أطلق عليه عام الحزن الذى وافق العام العاشر من البعثة ، الثالث قبل الهجرة ، وسنتحدث عنه فى الجزء التالى ...


الحبيب المصطفى «  ٧٧ »

السيرة المحمدية العطرة 

( وفاة خديجة رضي الله عنها ) .

___________________________

بعد وفاة أبي طالب ، 

يقول صلى الله عليه وسلم في حديث رواه البخاري في صحيحه قال : { ما نالت قريش مني شيء أكرهه إلا بعد موت أبي طالب}.

 فلم ينته حزنه على عمه ، حتى فُجع صلى الله عليه وسلم بمصيبة أكبر .. فبين وفاة أبي طالب ، والمصيبة الثانية شهر واحد فقط .

 ماتت السيدة خديجة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم .


ولقد اختلف المؤرِّخون في تحديد من الذي مات أولاً ، هل هو أبو طالب ، أم خديجة رضي الله عنها؟

فمنهم مَنْ قدَّم موت أبي طالب ؛ لأنَّه حدث بعد الخروج من الشِّعْب بستَّة أشهر ، أي أنَّه حدث في رجب من السنة العاشرة ، ثمَّ كانت وفاة خديجة رضي الله عنها ؛ لأنَّه اشتُهر أنَّها حدثت في رمضان من السنة العاشرة للنبوَّة ،  ومنهم مَنْ قدَّم وفاة خديجة رضي الله عنها ، وجعل موت أبي طالب في شوال بعد خديجة بخمسة وثلاثين يومًا كما جاء في بعض الروايات ، والمسألة فيها اختلافات وبحوث وإن كانت لا تهمُّ كثيرًا ؛ لأنَّ المصيبتين حدثتا في وقتٍ قريبٍ جدًّا من بعضهما البعض ، وكانت آثارهما مشتركة ..


وأغلب الظن أنه قيل أن وفاة خديجة ، حدثت بعد انتهاء الحصار بعدة أشهر ، فى يوم ١٠ رمضان بعد ١٠ أعوام من البعثة النبوية ، وقبل الهجرة ب ٣ سنوات .

___________________________

مات النصير القوي خارج البيت وهو عمه أبو طالب .

 وبعد شهر واحد ، مات الحضن الدافئ داخل البيت وهي السيدة العظيمة أمنا وأم المؤمنين :

 {خديجة  رضي الله عنها }.

وحزن النبي صلى الله عليه وسلم على موتهما حزنًا شديدًا .

إذ لم تكن خديجة رضي الله عنها مجرَّد زوجة للرسول صلى الله عليه وسلم، أو أُمًّا لأولاده ، وإنَّما كانت وزيرَ صِدْقٍ بحقٍّ ، وكانت المستشار الأمين ، وكانت الرأي الحكيم ... (إنَّها كانت وكانت) ، هكذا ذكرت عائشة رضي الله عنها وهي تصف كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خديجة رضي الله عنها!.. فعن عائشة رضي الله عنها قالت : مَا غِرْتُ من أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلا من خَدِيجَةَ ، وَمَا رَأَيْتُهَا ، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ ذِكْرَهَا ، وَكان إذا ذَبَحَ الشَّاةَ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ، ثُمَّ يَبْعَثُ منها إلى صَدَيقات خَدِيجَةَ .. فربما قُلْتُ لَهُ : كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ ، فَيَقُولُ : «إِنَّهَا كَانَتْ ، وَكَانَتْ ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ» ..


وإذا كنَّا نعرف أنَّ مُتَعَ الدنيا لا تُحصى ولا تُعَدُّ ، فإنَّنا نُدرك يقينًا أنَّ أفضل مُتَع الدنيا قاطبةً هي المرأة الصالحة .. وسبب اليقين أنَّ هذا هو إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا ، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» وخديجة رضي الله عنها لم تكن مجرَّد امرأة صالحة ، إنَّما كانت من الصالحات المعدودات في تاريخ الإنسانيَّة كلها .. 

___________________________

وكان توقيت وفاة  أبي طالب  والسيدة خديجة توقيتا دقيقا جدا .. فقد وافقت وفاتهما ، أكثر فترات الدعوة حرجا ... لو كنا نحن الذي نضع سيناريو الأحداث ، لما اخترنا على الإطلاق هذا التوقيت لوفاة  أبي طالب والسيدة خديجة .

كان من الممكن أن نختار وفاتهما بعد الهجرة ، بعد أن يكون للنبي أنصار يحمونه ..

ولكن الله هو الذي اختار هذا التوقيت الذي يعتبر من أصعب وأحرج فترات الدعوة ،

وكأن الله تعالى يلفت نظر النبي صلى الله عليه وسلم ، ويلفت أنظارنا نحن جميعا إلى معنى هام وهو : 

 أن النصر من عند الله تعالى ، وليس من عند أبي طالب ولا خديجة ولا أي مخلوق ، وكأن الله يقول لنبيه : يارسول الله ،

 اعتمد بقلبك فى كل أمورك على الله تعالى ، لا أن يكون القلب معتمدا جزئيا على الله ، ويكون هناك جزء من القلب معتمدا على أحد من البشر .

___________________________

ماتت خديجة جزاها الله عنا كل خير ، ورضي الله عنها وأرضاها ،  وهنيئاً لها منزلتها في الجنة .. فقد روى أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [[ خير نساء العالمين أربع : مريم بنت عمران ، وابنة مزاحم امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ]] ، وذلك فخر لنا أيضا أن أمنا خديجة هي سيدة نساء أهل الجنة ...

وشيعها النبي صلى الله عليه وسلم إلى مقبرة الحجون ، ونزل في قبرها ودعا لها .. ماتت السكن والطمأنينة ، والمودة والصدر الحنون الذي كان داخل بيته ، صلى الله عليه وسلم ...

كانت تخفف عليه همومه ، وتواسيه ، وتبشره وتعينه بمالها ، فكانت خير نصير له .. ويكفى أنها بعد وفاتها ، لم يرث النبى منها شيئا .. فقد أنفقت كل مالها فى سبيل الله ، رغم أنها كانت من أغنى أغنياء قريش ، رضى الله عنها وأرضاها ...

ومات النصير الخارجي له ، عمه أبو طالب الذي كان يقف في وجه قريش كلها كالسد المنيع .. 

فَقد النبي النصيران سويا ، وحزن حزناً شديداً ، خديجة تموت في هذه الظروف ؟؟ هو في أمس الحاجة إلى سكن داخل البيت 

[[ لأن بيت الرجل يكون جنة أو جحيم ، وذلك يعتمد على الزوجة ، وقد كانت خديجة جنة ، بل رياض جنة للنبي صلى الله عليه وسلم ]] ..

___________________________


  ونظرا لأن النبى صلى الله عليه وسلم ، كان دائما ما يذكر السيدة خديجة بالخير ، ويحب أن يتحدث عنها ، كانت السيدة عائشة ، كما قلنا من قبل تشعر بالغيرة منها ، وذات مرة قالت للنبى : مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ عز وجل خَيْرًا مِنْهَا {{ الشدق هو جانب الفم مما تحت الجلد .. وحمراء الشدق كناية عن أن المرأة سقطت أسنانها نتيجة تقدمها فى العمر ، فلم يبقى إلا حمرة لثاتها }} .. فقَالَ النبى : «مَا أَبْدَلَنِي اللهُ عز وجل خَيْرًا مِنْهَا ، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ ، وَرَزَقَنِي اللهُ عَزَّ وجلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ» ..

وفى مناسبة أخرى ، حدث أن قالت عائشة رضي الله عنها كلمة لم ترضى النبى عن خديجة ، 

 فغضب النبي صلى الله عليه وسلم منها غضباً شديداً .. وأراد أن يعبر عن غضبه ، مع حسن خُلقه ، فأخرج المسواك من جيبه ، وهزه في وجه عائشة عند أنفها ، وقال : 

والله لولا أخشى القصاص يوم القيامة ، لأوجعتك ضرباً بهذا المسواك !!

__________________________________________________________________ سؤال : وهل المسواك يوجع أو يصلح للضرب ؟؟ 

الجواب ، هو مجرد تعبير عن غضبه ، ولأن الضرب في الشرع يراد به التأديب وليس التعذيب .. [[ تجد زوج من الجهلة ، أصاب عين زوجته بتورم وازرق لونها من الضرب .. وبكل سفالة ووقاحة يقول : ربنا قال فى القرآن إضربوهم !!!.  وتجده لا يحفظ الآية ، ومن الممكن لو وضعت له الآية أمامه ، لا يستطيع قراءتها !!

يجهلون بشرع الله ويشوهون الإسلام ، كى يبرروا غباءهم .. يا أبو جهل ، ما هكذا الضرب المقصود .. والله لتأخذن حقها منك أمام الله ، وستسأل عنها يوم القيامة ]] ..

___________________________________________________

رحلت خديجة ورحل أبو طالب عم النبي ، رحلت السيدة خديجة بعد أن عاشت ٢٥ عاما متصلة مع النبى ، لم يحدث خلالها أى خلاف بينهما ... ومن المعروف أنها رضى الله عنها ، إلى يومنا هذا ، تحظى بمكانة كبيرة ومنزلة عظيمة عند جميع الطوائف الإسلامية ... ويكفى أم المؤمنين خديجة فخرا أن حدث قبل وفاتها ، أن بشرها جبريل بالجنة .. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : "أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام ، أو طعام أو شراب ، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومنّي ، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب" ... 


ومن تأثره صلى الله عليه وسلم سمى هذا العام {{ بعام الحزن }} لأنه حزن فيه حزنا شديدا .. وفى أعقاب ذلك ، تكالبت عليه قريش بالإيذاء ..


يتبع ..

الأنوار المحمدية

 صلى الله عليه وسلم

 هذا الحبيب  «  ٧٥  »

السيرة النبوية العطرة (( الحصار ))  

《جزء كامل .. وعذرا على الإطالة》 

__________________________

بدأ بالفعل تنفيذ قرار الحصار  في أول يوم من أيام السنة السابعة من البعثة ..

وظل بنو هاشم وبنو عبد مناف مجتمعين في شعب أبي طالب ، وللتذكرة .. مامعنى شعب أبي طالب ؟؟ لماذا سمى شعب أبي طالب ؟

___________________________

مكة تقع في وادي وحولها الجبال .. 

بين الجبال هناك طرق ضيقة ، هذه الطرق الضيقة كانوا يسمونها { شعاب الجبال } .

{{ قصي بن كلاب }} هو الجد الرابع للنبي صلى الله عليه وسلم ..

قصي هو الذي قام بتقسيم هذه الشعاب بين قبائل قريش ، 

كل قبيلة لها شعب خاص بها .. وكل شعب له اسم ، فقريش أطلقت عليه اسم {{ شعب أبي طالب }} ، لأن أبا طالب سيد بني هاشم  ، ولأن بيته هو أول بيت في الشعب ...

فاجتمع بنو هاشم وبنو عبد مناف عند بيت أبي طالب في هذا الشعب ،  مسلمهم وكافرهم ..  

___________________________

وطال الحصار [[ هم لم يمنعوهم من الخروج ]] ..

ولكن المقاطعة كانت عبارة عن الحصار فقط ، وظل الحصار هكذا لمدة { ٣ سنوات } .. حصار اقتصادي قاسي جدا ، 

فلما كان التجار يأتون إلى مكة ، يسارع أهل مكة إليهم ويشترون منهم السلع بأعلى الأسعار ، حتى لا يسمحون لكل من هم تحت الحصار بالشراء .. وكان أشد أعداء النبي صلى الله عليه وسلم وقومه هو {{ زوج حمالة الحطب ، أبو لهب }} .. فقد كان يملك المال الكثير ، قال تعالى .. {{ ما أغنى عنه ماله وما كسب }} ..

كان يأتي إلى التجار ، فيعرض عليهم أضعاف ثمن ما معهم من السلع ، ويشترى كل السلع المعروضة .. حتى لا يبيعوز شيئا للنبى ومن معه !!!..

___________________________

أنفق الرسول صلى الله عليه وسلم كل ماله خلال هذه السنوات ، 

وكذلك أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها ، وأيضا أبو بكر رضي الله عنه ، وكل بني هاشم .. 

إلى أن وصل بهم الحال ، أن أكلوا ورق الشجر ، حتى تشققت شفاههم ! 

يقول أحد الصحابة : كنا نبعر كما يبعر البعير .. [[ يعني عندما يقضي حاجته ، كانت تخرج فضلات الجسم ، تشبه مايخرج الجمل ،  لأنهم لا يأكلون إلا ورق الشجر ]] !!..

وكانت تعلو أصوات بكاء أطفالهم في الليل والنهار من شدة الجوع ، بل ومرض الكثير منهم وماتوا ، بسبب هذا الحصار .. 

يقول سعد بن أبي وقاص : 

أنه عثر في ليلة على قطعة من الجلد ، فأخذها ووضعها على النار .. ثم أخذ يمضغها ولا يقدر على بلعها .. ويقول : بقيت عليها ثلاثة أيام !!..

وكانت قريش تقوم بعمل دوريات مراقبة وحراسة ، طوال الليل والنهار على مداخل ومخارج الشعب .. حتى تتأكد من عدم دخول أي طعام إلى بني هاشم ،

وكانوا يؤذون كل من يتضح أنه أرسل شيء من الطعام إليهم !!..

___________________________

وكان هذا الحصار يسبب ضغطا نفسيا كبيرا جدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. 

وكما ذكرنا أن من كانوا داخل الحصار ، منهم  المسلمون ومنهم الكفار من بني هاشم الذين مازالوا على كفرهم ..

فكانوا ينظرون إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، على أنه السبب فيما هم فيه .. يقولون لقد جعنا وتعبنا ، ومات أطفالنا بسببك يا محمد .. ضغط نفسي كبير على رسول الله !! 

___________________________

ثلاث سنوات كاملة لا يصلهم طعام ، إلا ما يتم تهريبه إليهم من خلال بعض المتعاطفين معهم .. وخصوصا من تربطهم بهم صلة النسب  من قريش .. سخر الله لهم بعض الرجال ممن فيهم نخوة ورجولة .. كانوا لا يرتضون بهذه المقاطعة .. ولكن لا يستطيعون رفضها لأنها بإجماع رأي قريش ..

___________________________

كان هناك رجل اسمه {{ حكيم }} .. هل تذكرون هذا الأسم ؟..

 [[ الذي ذكرته لكم في الجزء الخاص ب زيد بن حارثة ، خديجة رضي الله عنها عمته ، أهداها خادم وهو زيد بن حارثة ]] .. كان حكيم  يوصل إليهم الطعام سرا ،  بالرغم من أن مداخل الشعب كانت تحت الحراسة من قريش .. وكذلك كان يفعل أبو العاص بن الربيع ، زوج زينب بنت النبى ، وابن أخت السيدة خديجة .. حيث كان يتسلل فى أنصاف الليالى ، ويقدم لهم الحنطة والتمر ... 

وذات يوم جاء حكيم بالطعام إلى الشعب فى السر ، فلقيه أبو جهل ، فسأله : 

ما هذا يا حكيم ، واللات لا أدعك أنت وطعامك حتى أفضحك في كل مكة ، وأخذا يتجادلان ... فى هذه الأثناء ، جاء رجل اسمه {{ أبو البختري بن هشام }} .. وكان رجل وجيه في قومه ، فسمع الجدال الدائر بينهم .. فقال : ما شأنك يا أبا الحكم ؟؟ [[ هو يُنادى ب أبي الحكم عند قريش ، أما المسلمون فيطلقون عليه أبا جهل

 قال : ما شأنك يا أبا الحكم؟؟! .. رجل عنده طعام يريد أن يوصله لعمته ؟؟.. 

قال أبو جهل : لا ، قريش أجمعت على ألا  نوصل لهم شيء من الطعام .. فاشتد الجدال بين أبي البختري وأبي جهل ، فغضب أبو البختري  والتقط عظمة بعير من على الأرض ، وضرب بها رأس أبا جهل ، فشجه وسال الدم منه .. [[ الاثنان مشركان ،

 ولكن شهامة أبو البختري دفعته أن يتخذ هذا الموقف ]] ..

ثم قال له أبو البختري : ما رأيت في العرب مثلك ، لئيم يرضى أن يموت ابن عمه جوعاً وهو منعٌَم !! 

___________________________

وكان لأبي طالب فى هذا الحصار ، قصيدة عصماء من الشعر اسمها [[ لامية أبي طالب ]] ..  قال عنها أهل الأدب والعلم بالشعر ، أنها فاقت كل المعلقات السبع ، التي كانت معلقة على جدار الكعبة .. بلغ عدد أبياتها  ١٣٠ بيتا ، لا يسع المقام لذكرها .. تتحدث أبياتها عن ذكر مناقب النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعضا مما جاء فيها : أنه لن يسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يتركه حتى يهلك دونه .. كما ذكٌَرهم عندما استسقى لقريش بوجه النبي وهو في الثامنة من عمره ، وهو بكفالته ، بعد أن انقطع عنهم الغيث من السماء ، وأجدب واديهم وأقحط عامهم ، فطلبوا منه أن يستسقي لهم ؟؟ فقال : بمن استسقيت لكم يومها ؟؟ .. رفعت محمد وألصقت ظهره بالكعبة ، فأنزل الله عليكم ماء السماء غدقاً وأسقاكم بوجهه .. {{ وأبيض يستسقي الغمام بوجهه }} ، سمعها النبي وأقرها  صلى الله عليه وسلم ، ولم يبدى اعتراضا عليها ، وفى هذا دليلا شرعيا ، أن الله سبحانه وتعالى أسقى أهل مكة كرامة  لنبيه ... 

___________________________

وفٌَر أبو طالب ، الحماية الكاملة للنبي صلى الله عليه وسلم .. أبو طالب هذا الشيخ الذي كان قد بلغ من العمر فترة الحصار {{ ما يقارب ٨٠ عاما }} .. ومات بعد انتهاء المقاطعة ( يقال بعدها بستة أشهر ) .. وكان عمره عند وفاته {{ تسعة وسبعون عاما بالتقويم الميلادى ، أى ما يزيد على واحد وثمانون عاما بالتقويم الهجرى ، لأن السنة الهجرية تنقص ١١ يوما عن السنة الميلادية }} ، نظرا لشدة حرصه على سلامة النبي صلى الله عليه وسلم من أذى قريش ، كان يسهر الليل ، ويأمر النبي ( لأنه عمه وبمنزلة الأب ) .. يأمره أن ينام على فراشه ، فإذا نام الناس ، وعلموا أن محمدا قد نام .. يظل سهران ، ثم يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فى السر ، ويوقظه من النوم .. ويقول له : قم ، ثم يأمر أحد أولاده أن ينام مكان النبي ، ويصطحب النبي إلى مكان آخر لا يعلم به أحد لينام فيه ، كل هذا خوفا من أبي طالب ، وحرصا منه على النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى وإن أدى ذلك إلى أن يعرض سلامة أحد أولاده للخطر .. 

__________________________

وطال الحصار .. فقام رجال من قريش عندهم نخوة .. وقالوا : إلى متى نأكل ونشرب ، وأبناء عمنا يموتون جوعا؟؟..  إلى متى؟؟ 

كيف نتركهم يموتون جوعاً ؟؟.. فذهب رجل اسمه {{هشام بن عمرو العامري }} .. إلى رجل يدعى {{زهير بن أبى أمية المخزومى}} وكانت أم زهير هى عاتكة بنت عبد المطلب ، أخت أبى طالب ، وعمة النبى صلى الله عليه وسلم ، فكان أبو طالب خال زهير ...  

فقال هشام ل زهير : يا زهير .. أترضى أن يموت قومك جوعًا ونحن نسمع صراخهم في الليل والنهار وأنت تأكل وتشرب؟؟.. أسألك برب البرية ، لو كان أخوال أبي جهل بالشعب .. هل كان يوافق على المقاطعة ؟؟

فقال زهير : لا ، لا يرضى .. فقال له : إذا لماذا ترضى أنت يا زهير؟؟.. هل أبو جهل خير منك؟؟.. فاشتعل زهير غضبا وقال له : ماذا أصنع؟.. لو أجد أحد يقف معي لأظهرت فورا معارضتى ..

فقال له هشام : ها أنا معك ، قال زهير : ولكن نريد رجل ثالث معنا فإن فى الجماعة قوة .. فذهبوا وضموا إليهم ثلاثة رجال ، فأصبح العدد {{ ٥ }} : هشام بن عمرو العامرى .. وزهير بن أبى أمية المخزومى .. والمطعم بن عدي .. وأبو البختري بن هشام .. وزمعة بن الأسود الأسدى ،، 

___________________________

اجتمع الخمسة رجال ، وأخذوا القرار الجريء الذي سيعارضون به أكابر القوم ، القرار الذي قد يؤدي إلى انقسام حاد في المجتمع المكي ، وقد يؤدي إلى نصرة دين لا يقتنعون به أساسا ، يفعلون كل ذلك لشيء كان قد تحرك في صدورهم جميعًا .. إنه حمية النخوة ، النخوة المتمثلة في أن تجد إنسانًا - أي إنسان - مؤمنًا كان أو كافرًا ، أن تراه يعذب ، أن تراه يظلم ، أن تراه يجوع أو يعطش ، ثم تقول بملء فمك : لا ... إنها النخوة التي زرعت فتحركت في قلوب أناس كفرة ، ما عرفوا الله ... وهي نفسها (النخوة) التي لم نرها من مسلمين كثيرين ، قد رأوا بأعينهم جرائم الحصار والقتل لآلاف وملايين من المسلمين ، في العراق والبوسنة وكوسوفو والشيشان وبورما وكشمير وفلسطين وسوريا وغيرها ، ثم لم يتحرّك لهم ساكن .. كيف أن هشام بن عمرو الكافر ومن معه من الكفار لم يهدأ لهم بال والمسلمون يعذَّبون؟!.. وكيف أن الكثير من المسلمين اليوم يأكلون وينامون ويتمتعون ، وليس في أذهانهم ما يحدث لإخوانهم وأخواتهم في أماكن كثيرة من العالم؟!.. أين النخوة التي تحركت في قلوب الكافرين الخمسة؟؟!!!

___________________________

تواعد الرجال الخمسة فى السر ليلاً على جبل الحجون ،  فرسموا الخطة ، واتفقوا على أن يجلسوا مع قريش ، ثم يبدى رجل منهم اعتراضه على المقاطعة .. فيقوم الرجال الأربعة الآخرين فى الحال ، بمساندته وتأييده أمام قريش ، والثبات على موقفهم .. 


ولما كان الصباح ، دخل زهير ووقف في نادي قريش .. فقالوا له : اجلس يا زهير .. فقال : لا والله لا أجلس ، إلى متى نأكل ونشرب وبنو هاشم يموتون جوعاً ؟؟.. والله لا أجلس حتى تمزق هذه الصحيفة الظالمة ، المعلقة فى جوف الكعبة .. 

فقام أبو جهل وقال : كذبت والله ، إنما كتبت وعلقت بإجماع من سادة قريش .. 

فقال رجل آخر [[ من الخمسة الذين كانوا متفقين سرا ]] ..

قام وقال مخاطبا أبا جهل : بل كذبت أنت والله ، ما وافقنا عليها وما رضيناها ، ولكنكم أجبرتمونا عليها .. 

فقام الثالث وقال : صدقتم يا قوم .. 

 فقام الرابع والخامس 

وقالوا : سيوفنا معكم أينما تريدون .. 

فقال أبو جهل : هذا أمر دبر له من الليل .. [[ يعني لا يعقل أن تتفقوا فى الرأى أمامنا فجأة ، إلا إذا حدث ترتيب لذلك بينكم ]] .. واشتد الجدال بينهم ، وبينما هم يتجادلون أنمزق الصحيفة أم لا نمزقها ..

____________________________________________________________________

وإذا بأبي طالب وعمره تجاوز الثمانين ، يقبل عليهم .. فاندهش سادة قريش ، ما الذي جاء ب أبى طالب .. لقد اعتزل قريش من زمن ؟؟


الذى حدث أن أبا طالب كان جالسا مع رسول الله في الصباح (والرسول لا يعلم عن موضوع الرجال الخمسة واتفاقهم) .. [[ لأنه كان لا يدخل عليه أحد ، ولا يخرج أيضا .. ذلك لأن أبا طالب كان لا يأمن أحد من قريش أن يتواصل مع النبي ]] .. فكان أبو طالب جالسا يشكو إلى النبي هذا الضيق والحصار ، فقال صلى الله عليه وسلم : لا عليك يا عم .. إن صحيفتهم الظالمة قد أرسل الله عليها الأرضة ، [[ الأرضة ، حشرة (دودة) تأكل الخشب ، والصحيفة من جلد ، لكنها آية من الله ]] ..

 إن صحيفتهم الظالمة قد أرسل الله عليها الأرضة ، فلحست كل ما فيها إلا ذكر الله ، وكان على رأس الصحيفة مكتوب باسمك اللهم ..

[[ أرجو ممن يتابع معي السيرة أن تمسحوا من أذهانكم {{ فيلم الرسالة }} .. الرسول عليه الصلاة والسلام قال {{ لحست }} ، ولم يقل أكلت ، لحست الكتابة وهذا هو الإعجاز ... الأرضة تأكل الخشب والورق ، لكنها لا تلحس الكتابة ، والصحيفة التي وضعتها قريش ، كتبوها على قطعة من الجلد ، ولفوها بالقماش .. وأحضروا الختم وختموها ، كى يمنعوا أي شخص أن يقوم بفتحها ، وعلقوها على جدار الكعبة من الداخل ]] ..

قال أبو طالب : يا محمد ، هل ربك الذي أوحي إليك ، هو الذي أخبرك ؟ 

قال : أجل 

فقال أبوطالب : إنك لصادق ، فوالله إنه لا يدخل عليك أحد ، وأنت لا تكذب أبداً .. فوثب أبو طالب من مكانه مسرعاً .. قال له النبي إلى أين يا عم ؟.. قال سأواجه قريش كلها أنت صادق ولا تكذب أبدا ، وما دام الله قد قضى على صحيفتهم ، فاليوم يجب أن نخرج من الشعب .. 

___________________________

وكان أبو طالب أيضا ، لا يعلم بموضوع الخمسة رجال واتفاقهم .. 

فدخل أبو طالب لنادي قريش وهم يتجادلون ، نمزقها أو لا نمزقها؟.. فلما دخل أبو طالب ، سكتوا جميعا .. وقالوا : 

مرحبا بأبي طالب ، فجلس وقال لهم : لقد مضت بيننا وبينكم أعوام ثلاثة واليوم استجد أمر ،

[[ لم يخبرهم أبو طالب عن الصحيفة مباشرة ، حتى لا يذهب أحدهم  ويشقها ، ثم يقول لا يوجد أرضة .. فكما قلنا من قبل : الصحيفة ملفوفة ، وفوق اللفة مختومة بختم ، لا يُفك إلا بأمر من سادة قريش .. وهى موضوعة داخل الكعبة منذ ٣ سنوات ]] ..

قال أبوطالب : فليجتمع كل سادة قريش .. فاجتمعوا ، ثم قال : أحضروا الصحيفة من الكعبة [[ فاعتقدت قريش أن أبا طالب يريد أن يمزق الصحيفة ، ويسلمهم محمد وتنتهي هذه العداوة ]] ..

 فلما اجتمعوا سادة قريش ، والرجال الخمسة الذين اتفقوا على جبل الحجون متواجدين .. أحضروا الصحيفة من الكعبة ، وكانت ملفوفة والختم عليها ، فوضعت أمامهم ... ثم سألوه : ما الأمر يا أبا طالب؟؟..

قال : يا قوم لقد أخبرني محمد ، وكلكم يعلم أن محمدا لا يكذب .. أخبرني بأن الله قد أرسل على صحيفتكم الأرضة ، فلحست كل ما فيها إلا {{ إسم الله }} ولم يتبقى من ظلمكم وقطيعتكم شيئا ، فضحكوا وسخروا من كلامه [[ كما قلنا من قبل ، كانت قريش إذا أرادت أن تسخر من شيء ، تجدهم بين مصفق ومصفر وراقص وواضع يديه على رأسه ]] .. لما سخروا من كلام أبوطالب بهذه الطريقة ، وضحكوا وجن جنونهم .. 

قال أبي طالب : لا تتعجلوا يا قوم واسمعوني !!!

إن كان محمدا صادقاً فيما قال ، فعلينا أن ننهي هذه القضية .. وإن كان قد كذب ، أسلمه إليكم الآن فتضربوا عنقه .. هل أنتم موافقون؟؟..

[[ ولأنهم كفار ، والكفر ضلال ، تسرعوا وقالوا موافقين يا أبا طالب بالإجماع .. طبعا طمعوا أن يكون محمد هذه المرة غير صادق ، فيسلمه إليهم أبو طالب ليضربوا عنقه .. يعني فرصة وجت لعندهم ، خصوصا وأنهم لم يتوقعوا حدوث كلام النبى ، لأن الصحيفة ملفوفة بإحكام ولم تفتح بعد ، بالإضافة إلى أن الأرضة لا تأكل الجلد ]] .. الصحيفة أمامهم ملفوفة ومختومة ، فأسرعوا وفكوا الختم وأزالوا القماش الملفوف عليها ثم نظروا إليها ، وإذا هي كما قال صلى الله عليه وسلم .. الأرضة لحست الكتابة كلها ولم يبقى من الكتابة ... إلا {{باسمك اللهم}} .. والختم عليها مثلما وضعوه قبل ٣ سنين !! 

___________________________

فقال أبو طالب : هل تبين لكم الأمر الآن يا قوم ، فإن محمدا لا يكذب .. فقالوا : هذا من سحر ابن أخيك .. هل رأيتم ؟.. استحالة يقتنعوا !!.. [[ قاتل الله الكفر والكفار ]] ، فقام زهير وسلّ سيفه وقام معه باقي الرجال الخمسة ، وقالوا : والله لا نبرح هذا المكان حتى نمزق هذه الصحيفة ، ويخرج بنو هاشم .. فمزقت الصحيفة وخرج الهواشم من الحصار .. حدث هذا فى شهر محرم من السنة العاشرة من البعثة ، بعد ثلاث سنوات كاملة من المعاناة فى الحصار ... 

____________________________________________________________________


ولحكمة كان يعلمها ... فإن الله  شاء أن يتأخر هذا الإنقاذ إلى مدة ثلاث سنوات ، ولو شاء سبحانه لحدث مثل هذا الاجتماع من الرجال الخمسة أو من غيرهم ، بعد شهر واحد أو شهرين من بداية الحصار .. لكن  كان هذا التأخير بترتيب من الله سبحانه وتعالى ... فقد خرج المؤمنون من هذا الحصار ، أشد شكيمة وأعمق إيمانًا وأقوى تمسكًا بدينهم وعقيدتهم .. لقد وقع الابتلاء والامتحان ، ونجح المؤمنون فيه ، لأنه لا بد أن يثبت الصادقون صدقهم بالتعرض للبلاء والثبات على الحق ، والتضحية في سبيل الله ، وللتزكية لتطهير النفوس من الذنوب والخطايا .... ومن هنا كان هناك الحصار ، ومن قبله كانت الهجرة إلى الحبشة ، ومن قبله كان الإيذاء والتعذيب ... وكل هذه مراحل تربوية غاية في الأهمية ، حيث صنعت جيلاً من الصحابة يستطيع أن يواجه الأهوال دون أن يلين ، أو تخور له عزيمة ، أو يهتز له قلب أو 

عقل أو جارحة ..

______________________________________________________________________

والجدير بالذكر .. أن من الرجال الخمسة الذين تعاطفوا مع المسلمين لإنهاء الحصار ، أسلم هشام بن عمرو العامرى بعد فتح مكة (بعد أكثر من عشر سنين من هذا الحدث) .. وأسلم أيضا زهير بن أبى أمية المخزومى ... أما بقية الخمسة فقد ماتوا على الكفر .. 


هذه سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم ، أضعها بكل تفاصيلها بين أيديكم ، خالصة لوجه الله ، وهي كنز ثمين لا يقدر بثمن ، لمن عرف قدرها .. 


يتبع ...

الأنوار المحمدية 

 صلى الله عليه وسلم

 هذا الحبيب  «  ٧٣  »

السيرة النبوية العطرة (( النجاشي الملك العادل )) ..

___________________________

 قال النجاشي بعد ما سمع القرآن من جعفر :

{{ إن الذي جاء به نبيكم وجاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة }} ..

[[ يعني نور مصدره وإشعاعه من مكان واحد ]] .. انطلقوا أنتم الآمنون ، ثم نظر  لعمرو وقال : لن أسلمهم يا عمرو ولا بجبل من ذهب ، وانفض المجلس وخاب عمرو .. 

 ولكنه داهية العرب لم يستسلم من الجولة الأولى .. 

قال : سأغدوا غداً إلى النجاشي ، وأوقع جعفر ومن معه بمسألة مع النجاشي لم تخطر ببالهم .. [[ النجاشي وقومه يعبدون المسيح عيسى بن مريم ، فهو في نظرهم إله ]] ..

 فذهب إلى النجاشي في اليوم الثاني ..

___________________________

وقال : أيها الملك أنا على سفر ، وجئت أودعك .. ولكن للأمانة والعلاقة والصداقة التى بيني وبينك ، لا أستطيع أن أخفى عنك شيء فى نفسى .. قال النجاشى : وما هو ؟

قال : إن هؤلاء الجماعة يقولون عن المسيح قولاً ، لا ترضى به أبداً ، وربما يؤثر عليكم ، (وتعمد أن يتحدث عن هذا الموضوع فى وجود البطاركة) .. 

قال : ما يقولون تكلم؟!! 

قال : لا أدري أنت إسألهم ، ولكنى سمعتهم يقولون ، أن عيسى بشر كسائر البشر .. فغضب النجاشي ، وأرسل يستدعى المهاجرين مرة ثانية لسؤالهم .. 

___________________________

فتشاور الصحابة قبل الذهاب .. ماذا نقول للملك ؟؟.. [[ وهذا درس لكل مسلم ، لا مجاملة في دين الله ]] .. لأن الإسلام دين الحق ، منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة ، شاء من شاء وأبى من أبى .. 

بسم الله الرحمن الرحيم .. {{ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ }} صدق الله العظيم ،، 

هم يقولون : أن الله عزوجل ، ثالث ثلاثة!!! 

والله عزوجل يقول : {{ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ }} صدق الله العظيم ،،

ويقول عز وجل {{ قل هو الله أحد }} ..

أحد ، أحد ، يا خير أمة ، لا شريك له في الملك .. 

__________________________

تشاور الصحابة : ماذا نقول للملك وهو يعبد المسيح ، ويعلق على صدره الصليب ؟!!..

 قال جعفر : والله لا أقول له إلا ما أنزل الله ، لا نغير من ديننا أى شيء ..فذهب جعفر لمقابلة النجاشى ، وحضر الأساقفة والبطاركة ، وجاء النجاشي ، وأيضا حضر عمرو بن العاص وعبد الله بن ربيعة .. 

قال النجاشي : يا جعفر ، ماذا تقول في المسيح ؟؟..

قال : أقول فيه ما أنزل الله على نبينا : هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول .. ((جعفر والصحابة لاجئين عندهم ، تخيلوا وفي حمايتهم !!! لكن لا مجاملة في دين الله )) ...

___________________________

 لما سمع النجاشي كلام الله من عبد صادق الإيمان بالله .. قام ومد يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ، و خط به على الأرض وقال : لم يتعدى المسيح هذا الخط [[ يعني الكلام الذي سمعته لم يتعدى المسيح أكثر من ذلك ، هو عبد الله ]] .. فتناخرت بطاركته حوله حين قال ما قال ، فقال لهم النجاشى : وإن تناخرتم والله .. (( تناخرت أى تكلموا كلاما فيه غضب وامتعاض ونفور )) ..

 ثم قال لجعفر : انطلقوا في أرضي فأنتم سيوم ( سيوم أى سالمين آمنين باللغة الأثيوبية ) .. 

من سبكم غرم !!

من سبكم غرم !!

من سبكم غرم !!

والتفت إلى البطاركة وقال : أرجعوا إلى عمرو هداياه .. 

ثم نظر لعمرو وقال له :  ارجع لقومك .. والذي نفسي بيده ، والذي وهبني المُلك من غير رشوة ، لا آخذ رشوة بعبد من عباد الله ..

ثم أشار النجاشي بأصبعه إلى الصحابة وقال مخاطبا عمرو بن العاص : يا عمرو ، هؤلاء الرجال خير عندي من جبال الأرض ذهباً ..

[[ هل رأيتم كيف أن دين الله حق ، لا يجب أن يكون فيه مجاملة ، كن مع الله العظيم تجد الله معك ]] ..

قالت أم سلمة (وكانت قد هاجرت مع زوجها فى الهجرة الثانية) .. قالت : فخرجا من عنده مقبوحين (تقصد عمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة) ، مردودا عليهما ما جاءا به ، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار .. وللتذكرة ، فإن أم سلمة واحدة من أمهات المؤمنين ، تزوجها النبى صلى الله عليه وسلم فيما بعد ، بعد وفاة زوجها أبو سلمة ..

___________________________

وبعد أن حدث ماحدث بين النجاشى وعمرو بن العاص ، فى حضور البطاركة .. اجتمع أهل الحبشة يوماً فقالوا للنجاشي : «إنك قد فارقت ديننا» ، وخرجوا عليه ((أى ثاروا عليه يريدون خلعه وتولية ملك آخر بدلا منه)) .. فأرسل إلى جعفر وأصحابه ، فهيأ لهم سفناً ، وقال : «إركبوا فيها وكونوا كما أنتم ، فإن هُزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم ، وإن ظفرت فاثبتوا» .. ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه : «أنه يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، ويشهد أن عيسى بن مريم عبده ورسوله وروحه ، وكلمته ألقاها إلى مريم»، ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن ((القباء هو ثوب يلبس فوق القميص ، والمنكب هو مكان التقاء عظمة الكتف بالعضد .. يعنى ممكن نقول بمسمياتنا إحنا ، أنه وضع هذا الكتاب فى جيب الصديرى الأيمن العلوى )) ... وخرج إلى أهل الحبشة ، وصفٌُوا له ، فقال : «يا معشر الحبشة ، ألست أحق الناس بكم؟»، قالوا : «بلى»، قال : «فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟» ، قالوا : «خير سيرة» ، قال : «فما بالكم؟»، قالوا : «فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد» ، قال : «فما تقولون أنتم في عيسى؟»، قالوا : «نقول هو ابن الله»، فقال النجاشي (ووضع يده على صدره فوق الكتاب الذى وضعه فى قبائه) : قال أنه «هو أيضا يشهد أن عيسى بن مريم» ، لم يزد على هذا شيئاً ، وإنما يعني ما كتب .. فرضوا وانصرفوا عنه ، واستمر فى منصبه بمشيئة الله وفضله ملكا على الحبشة ، نظير إيمانه ، ومساندته لهؤلاء المستضعفين من المسلمين المقيمين عنده ..

________________________________________________________


وقد أسلم النجاشي وصدق بنبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان قد أخفى إيمانه عن قومه ، لأنه يحكم دولة عقيدتها وكل أهلها من النصارى ، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - : «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه .. وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم ، وكبر عليه أربع تكبيرات» ..  وعن جابر - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين مات النجاشي : «مات اليوم رجل صالح ، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة» ... حدث ذلك فى المدينة ، قبل فتح مكة ،، 

رضي الله عنه وأرضاه ...


هذا الحبيب «  ٧٤  »

السيرة النبوية العطرة (( شعب أبو طالب )) ..

__________________________

رجع عمرو بن العاص خائباً من الحبشة .. 

[[ كي لا ننسى عمرو بن العاص هو صحابي جليل رضي الله عنه ، أسلم في السنة الثامنة للهجرة ، وكان له مواقف كثيرة في خدمة هذا الدين ، لا يسع المقام لذكرها ، ستكون في سياق السيرة إن شاء الله ، رضي الله عنه ]] ..

وتمتع المسلمون بالأمن والأمان في الحبشة ، ومارسوا شعائر دينهم في حرية تامة ، وكأن محاولة قريش لرد المسملين إلى مكة عادت بالفائدة على المسلمين .. فقد دخل النجاشي رحمه الله في الإسلام ، وهو من التابعين ؛ لأنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يأخذ منه .. ولكنه أسلم ورأى الصحابة وأخذ منهم ، رحمه الله ..

أما من أسلم ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم يسمى {{صحابي }}

ونقول رضي الله عنه ،

ذلك لقوله تعالى : {{ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ }} ..

هؤلاء رضي الله عنهم بشهادة من الله عز وجل ..  

و ظل المسلمون في الحبشة ، وعملوا كما ذكرنا بالتجارة والصناعة والزراعة، وظلوا هناك حتى بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة ، وبعد أن غادر جميع المسلمين الحبشة .. مات النجاشي ، وكأنه مات بعد أن أدى دوره في خدمة الإسلام ، وحماية المهاجرين المسلمين فى الحبشة .. وكما ذكرنا من قبل عندما علم النبى بنبأ وفاته ، صلى عليه ومعه المسلمون صلاة الغائب ...

___________________________

نعود مرة أخرى ، إلى مكة ومقاطعة قريش لكل من بني هاشم وبني المطلب ، مسلمهم وكافرهم كلهم سواء ..

قلنا من قبل ، أن أبا طالب جمع قومه واستجاب له بنو المطلب أبناء العم ، واتفقوا على حماية النبى عليه الصلاة والسلام من بطش قريش .. وخالفهم أبناء أعمامهم من بني عبد شمس وبني نوفل فوقفوا مع قريش .. وبالطبع ، لم يتخل عن الهواشم إلا رجل واحد فقط هو أبو لهب .. 

 وكان اجتماعهم مع أبي طالب ، بعد أن علموا أن قبائل قريش تريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم ..


ثم أقدم أبو طالب على عمل الغرض منه تهديد قريش وسادتها ، وتحذيرهم من محاولة الاقتراب من النبى صلى الله عليه وسلم ، أو النيل منه .. جمع أبو طالب رجال بنى هاشم وبنى المطلب ، وقال لهم : كل منكم عليه أن يحمل سيفه ، ويخفيه في ملابسه ..  

وأمرهم أن يقف كل واحد منهم ، خلف رجل من سادة قريش ، وحدد لكل واحد منهم اسم ، أنت تقف خلف فلان من سادة قريش وأنت خلف فلان ، وأخبرهم بعلامة معينة ، وقال لهم : عندما ترون مني هذه العلامة ، يرفع كل منكم سيفه فوق رأس من يقف خلفه .. فقام أبو طالب وأبناء عمه إلى الكعبة ، ودخلوا بين أستار الكعبة وجدرانها 

وعاهدوا الله أنهم {{ لن يسلموا محمد لشيء يكرهه ما دامت فيهم عين تطرف }} ..

___________________________

ثم أخذ أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم من يده ، ووقف بجانبه عند الكعبة .. ونادى يامعشر قريش .. فاجتمعت قريش وسادتها عند الكعبة .. 

فقال أبو طالب : يا معشر قريش ، أتدرون ما هممت به ؟ قالوا : لا 

ثم أشار إلى بني هاشم بالعلامة المتفق عليها ، فأخرج كل شاب من بنى هاشم السلاح من بين ملابسه ، ونظر سادة قريش فوجد كل منهم شاباً قوياً يحمل سلاحاً فوق رأسه ..

 ثم صاح فيهم أبو طالب : والله لو قُتِل محمدا لأقاتلنكم حتى نتفانى نحن وأنتم ..

[[ لا أدري ما أقول لك يا أبا طالب ، ولكن لنا وقفة في السيرة مع أبي طالب  عند وفاته ]] ..

___________________________

بعد هذه الحادثة ، قررت قريش أن تقاطع بني هاشم ، وكانت بنود تلك المقاطعة الساقطة ، التى صاغوها وعلقوها فى جوف الكعبة (( كما سبق ذكره فى الحلقة ٧١ )) .. لا نزوجهم ولا نتزوج منهم ولا نبيعهم ولا نشتري منهم ولا نساعدهم ولا نقبل منهم الصلح [[ حتى الصلح مرفوض ]] ، حتى يسلموا إلينا محمد فنضرب عنقه بالسيف .. 


يتبع ..

الأنوار المحمدية 

 صلى الله عليه وسلم

 هذا الحبيب   « ٧٢ »

السيرة النبوية العطرة (الهجرة الثانية إلى الحبشة ، الملك العادل ) .

__________________________

كما ذكرنا من قبل ، اجتمع بنو هاشم وبنو المطلب في مكان واحد ، الذي يسمى {{ شعب أبي طالب }} .. وتركوا بيوتهم من أجل حماية النبي صلى الله عليه وسلم من بطش قريش .. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه في حماية من أهله وعشيرته ، خاف على الصحابة المستضعفين الذين ليس لهم عشيرة تحميهم ، فأمرهم بالهجرة الثانية إلى الحبشة ..

 ووضع عليهم أمير ، وهو ابن عمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ..

 فخرج { ٨٣ } رجل وبضعة عشرة إمرأة ، { يقال ثمانية عشرة أو تسع عشرة امرأة } .. ومن بينهم هؤلاء الذين كانوا قد هاجروا للحبشة فى الهجرة الأولى ، ولما علموا بإسلام عمر بن الخطاب ، رجعوا إلى مكة ، ظنا منهم أن الأمور تحسنت في مكة .. فلما رجعوا وجدوا الأمور أسوء من ذى قبل ، فرجعوا مع المهاجرين مرة ثانية إلى الحبشة .. 

___________________________

الموقف الآن : هاجر من هاجر ، من الصحابة إلى الحبشة .. والرسول صلى الله عليه وسلم مع قومه ، في شعب أبي طالب تحت الحصار والمقاطعة ..


استمرت المقاطعة 3 سنوات ، حتى أكل صلى الله عليه وسلم ورق الشجر وتشققت شفتاه .. 

[[ سنعود إلى أحداث المقاطعة ، ولكن دعونا نقف الآن مع هؤلاء المهاجرين إلى الحبشة ، ودروس لكل مسلم ]] ..

__________________________

هاجر الصحابة إلى الحبشة ، مع أميرهم {{ جعفر بن أبى طالب }} رضي الله عنه ، عن طريق البحر 

[[ الحبشة هي ما نعرفه الآن ، دولتى أثيوبيا وأريتريا مجتمعين .. كانوا من قبل دولة واحدة ]] ..

عاش المهاجرين في الحبشة ، وأخذوا يعملون فيها .. منهم من عمل بالزراعة ، ومنهم من عمل في المصنوعات الجلدية .. وكانت أخلاقهم رفيعة ومعاملتهم طيبة ، واحترموا قوانين البلاد وأهلها ، وفى المقابل أحبهم اهل الحبشة وعاملوهم معاملة طيبة .. 

___________________________

وصلت الأنباء من الحبشة الى مكة أن المسلمين في أمن وأمان واستقرار ، ويحيون حياة طيبة .. كما وصلت إلى قريش قصيدة ، كتبها أحد المهاجرين المسلمين ، يتحدث فيها عن سعادته هو والمسلمون في أرض الحبشة ...

 فاغتاظت قريش وجن جنونها .. وقالوا : الآن أصبح لمحمد قواعد خارج مكة في أرض الحبشة .. فاجتمعوا وتشاوروا فى الأمر :

ماذا نصنع وما العمل مع من هاجر من أصحاب محمد ؟!!

قالوا نرسل وفدا إلى النجاشي ملك الحبشة .. [[ للعلم النجاشي كان لقب لكل من يحكم الحبشة ، وليس اسم ، اسمه الحقيقي {{ أصحمة بن أبجر }} ، كما كان

لقب {{ قيصر }} يطلق على كل من حكم الروم .. ويطلق لقب {{ كسرى }} على كل من حكم فارس .. ولقب {{ المقوقس }} على من حكم مصر ]] ..

___________________________

قررت قريش أن ترسل رجلين من دهاتها لمقابلة النجاشي ومحاولة إقناعه بأن يطرد المسلمين من الحبشة ، ويردهم إلى مكة مرة أخرى ..

قالوا : نختار رجلين يتقنان فن السياسة ، يذهبان إلى النجاشي ملك الحبشة .. فاختاروا داهية العرب في السياسة {{ عمرو بن العاص }} ومعه عبد الله بن أبى ربيعة .. وللعلم ، عمرو بن العاص كانت له علاقة قوية بالنجاشي ، وكان قد زار الحبشة من قبل .. 


أرسلتْ قُريشٌ عَمرَو بنَ العاصِ وعبدَ الله بنَ أبي رَبيعةَ (قبلَ أن يُسلِما) ، وأرسلوا معهُما كل ما قد يحبه النَّجاشيِّ من الهدايا الثمينة والقيمة ، له ولبَطارِكتِهِ .. وقالوا لهم : قدموا الهدايا أولاً للبطاركة حتى تضمنوا ولاءهم وتأييدهم لكم فى هذه المهمة .. وقولوا لهم : إنا نريد منكم أن تقنعوا النجاشى ، أن يسلم لنا المهاجرين دون أن يستقبلهم أو يسألهم .. 

________________________________________________

فلما وصلوا إلى الحبشة ، وزعوا الهدايا على البطاركة .. [[ البطاركة ، هم كبار رجال الدين عند النصارى ، وحكم النجاشي قائم على النصرانية. وهم يعتقدون أن عيسى عليه السلام هو الرب أو ابن الرب ]] ..

قالوا للبطاركة : إن هؤلاء سفهاء من قومنا فارقوا ديننا .. وإنا نريد أن نتفاوض مع النجاشي كى يسلمهم لنا ، ونطلب منكم أن تقنعوه أن يسلمهم ، دون أن يستقبلهم ، أو يسألهم ..

قالوا لماذا ؟ !!!

قالوا : لأن أصحاب محمد يعملون بالسحر ، فإذا قابلوا النجاشي سحروه فلا يسمع لأحد ..

[[ عمرو بن العاص وضع الخطة المحكمة مع البطاركة ]] ..


ولكن هناك نبوءة عن النبي صلى الله عليه وسلم .. {{ إضربوا في الأرض حتى يجمع الله شملكم .. إلى أين يا رسول الله ؟؟.. إلى الحبشة .. لما الحبشة بالذات يا رسول الله ؟.. لأن فيها ملك لا يظلم عنده أحد }} ..

________________________________________________________

فلما اجتمع {{ عمرو بن العاص والبطاركة بالنجاشي }} ، وقدموا له الهدايا .. ((وكان عمرو كما قلنا ، صديقا للنجاشي وبينهم معرفة سابقة)) .. قال النجاشي : ما الأمر يا عمرو تكلم ؟.. قال : إن فينا سفهاء قدموا إلى بلدك ، خرجوا عن دين الآباء والأجداد ، فلا هم بقوا على ديننا ، ولا دخلوا في دينك أيها الملك [[ عمرو بن العاص داهية العرب ، لاحظوا اسلوبه فى الكلام ]] ، وابتدعوا دين لا نعرفه نحن ولا أنت !!!

وقد أرسلنا أشراف قومنا ، حتى تردهم إلينا ، فأهلهم أعلم بهم وهم أولى بهم ..

فقال البطاركة من حوله جميعا بصوت واحد :  نعم صدق أيها الملك .. فصاح الملك العادل بالبطاركة وقال : بئس ما شهدتم به !!!! .. كيف أحكم بنعم قبل أن أسمع الطرف الآخر ؟؟!!


ثم صاح بالجند من حوله قائلا : أرسلوا إليهم حتى أسمع منهم ، فإذا سمعت قضيت بأنهم صادقون أو غير ذلك .. 

____________________________________________________________________

فأرسل النجاشي إليهم .. [[ لما وصل إلى الصحابة طلب النجاشى لهم بالحضور ]] .. أحسوا أنه سوف يسألهم عن سبب تواجدهم فى بلده .. 

قالوا : ماذا نقول له ؟؟!!

قال جعفر بن أبى طالب : سنقول الحق وما أنزل على نبينا وليكن بعدها ما يكون .. 

قالوا : يا جعفر أنت المتحدث فينا [[ جعفر الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم {{ لقد أشبهت خَلْقِي وَخُلُقِي }} .. وكان أشبه الناس بالرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد تحدثنا من قبل عن قصة إسلامه ]] ..

___________________________________________________________________

تقدم جعفر ووقف المسلمون من خلفه ..

فلما دخل الملك ركع الجميع إجلالاً له ، إلا الصحابة بقوا واقفين ظهورهم مستقيمة .. 

فنظر النجاشي إليهم وقال : 

ألا تركعون لنبيكم ؟؟!!!

قالوا : لا لقد علمنا نبينا أننا لا نركع إلا لله .. 

فقال لهم :كيف تسلمون على نبيكم ؟ 

قالوا : نقول له السلام عليك يا رسول الله .. 

فسكت النجاشي ، ونظر إلى عمرو وقال : هات ما عندك يا عمرو ، تكلم .. (أراد أن يواجههم عمرو بما قال فيهم) .. 

فتحدث إليه عمرو بنفس الكلام الذي قاله له من قبل ، فلما انتهى .. قال النجاشي : 

قد سمعت منك ، ثم التفت إلى الصحابة قائلا : وأنتم من المتكلم فيكم ؟؟..

فتقدم جعفر حتى وقف أمام النجاشي وقال : أيها الملك ، كنا قوم أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، وندفن البنات أحياء ، ونأتي كل الموبقات ... فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه .. فصدقناه وآمنا به ، واتبعناه على ما جاء به من دين الله ..

[[ هل رأيتم  ذكاء جعفر بن أبى طالب ، أعطاه صورة الجاهلية الحقيقية القبيحة ، والنصارى يعلمون أن هذا كفر وقريش جهلة يعبدون الأصنام ، فى حين أن النصارى لا يعبدون الأصنام .. ثم حول الحديث إلى صفة النبي الذي بعثه الله وأنه صادق وأمين والكل يعرف ذلك .. والآن لاحظوا كيف انتقل معه من صورة الجاهلية القبيحة ، إلى صورة الإسلام السمح ]] ..

 قال : فدعانا الرسول إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان .. وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً .. (وعدد له تعاليم ومبادىء الإسلام) .. ثم قال : فتعدى علينا قومنا فعذبونا ، وضيقوا علينا ، حتى نرتد عن ديننا ونعود لملتهم .. فقال لنا نبينا اذهبوا إلى الحبشة .. فسأله النجاشي : ولماذا اختار نبيكم الحبشة ؟ 

قال له : قال لنا نبينا إن في الحبشة ، ملك لا يظلم عنده أحد .. قال النجاشي : 

وهل معك مما جاء به نبيك عن الله من شيء ؟ 

قال : نعم .. قال له النجاشى : فاقرأه على .. فاختار جعفر أن يقرأ عليه من القرآن ، ما تيسر من سورة مريم ( وفى هذا فطنة وذكاء من جعفر ) ... 

___________________________

فقرأ جعفر : 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ..

{{ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا * فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا * فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نبيا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا *}}.. صدق الله العظيم ،،،


[[ أنظروا جعفر يقرأ  (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) يصب كلام الله في أذان الحاضرين صبا  ، عبد لله مش رب ولا إله ، إني عبد الله .. لا تخجلوا من إسلامكم ، أنتم مع الله يا خير أمة ، الله واحد أحد لم يلد ولم يولد ]] ..

___________________________________________________________________

فدمعت عينى النجاشي بعدما انتهى جعفر من قراءته ، وبكى حتى ابتلت لحيته ، وبكت البطاركة جميعا من حوله .. 

وهو نفس المشهد الذى ذكره الله تعالى فى القرآن الكريم فى سورة المائدة : بسم الله الرحمن الرحيم {{ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ }} ..


ثم قال النجاشى لعمرو بن العاص ومن معه : إن هذا والذى جاء به عيسى ، ليخرج من مشكاة واحدة .. انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما .. فخرجا ، لكن عمرو بن العاص لم ييأس ، وصمم على أن يعود فى اليوم التالى إلى النجاشى بحيلة أخرى ..


  يتبع .. 

الأنوار المحمدية ..

 صلى الله عليه وسلم

المتابعون

أرشيف المدونة الإلكترونية