الجمعة، 29 سبتمبر 2023

السيرة المحمدية العطرة .. 95-100

 الحبيب المصطفى  «  ٩٥  »

السيرة المحمدية العطرة .. 

        (( قرار الهجرة ))

__________

بعد ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قريش برحلة الإسراء .. وطلبوا منه أن يصف لهم المسجد الأقصى ، ووافق ووصف المسجد ، ثم طلبوا منه أن يخبرهم عن قافلتهم القادمة من الشام .. فوافق كلامه عن القافلة كل الوصف .. فما كان من أبي جهل وهو ممثل لقريش ، إلا أن قال : [[ أشهد يا محمد أنك لساحر ]] ..

___________

{{ نظرة عامة }} ، لوضع النبي صلى الله عليه وسلم الآن في مكة :

قلنا أن العام {{ العاشر }}  من البعثة أطلق عليه عام الحزن ،

[[ تخيلوا عشرة أعوام ، في كل يوم استهزاء بدعوته ، وأذى في الطريق .. في السوق ، وعند الكعبة ، وتعب نفسي وحصار ...إلخ ]] ..

في هذا العام وكما قلنا من قبل ، فقدَ النبي صلى الله عليه وسلم ، عمه {{ أبا طالب }} ، الذي كان يوفر له الحماية من بطش قريش .. وزوجته {{ السيدة خديجة رضي الله عنها }} ، التي كان يأوى إليها ..

واشتد جداً إيذاء قريش للرسول صلى الله عليه وسلم ، حتى قال : {{ ما نالت منى قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب }} ..

___________

في هذا الوقت بدء النبي صلى الله عليه وسلم ، يفكر في الهجرة من مكة .. إذ يجب أن يترك مكة هو والمسلمون ، ويذهبون إلى مدينة أخرى ، تكون عاصمة دولتهم ، ومركز للدعوة إلى الله .. 

أصبح الوضع في مكة صعبًا ، لا أحد من أهل مكة يريد أن يدخل في الاسلام ، ومن يدخل في الإسلام يكتم إيمانه ، خوفاً من بطش قريش .. وبلغ إيذاء قريش للمسلمين ، وإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم ذروته .. إذ عمدت قريش ، إلى تشويه صورة النبي صلى الله عليه وسلم ، في مكة وخارج مكة .. وكان أبو جهل وأبو لهب يتناوبان على أذية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما يتم دعوتهم في الأسواق والمواسم ، وكان يجد منهما عنتًا كبيرًا ، إضافة إلى ما يلحقه من إعراض وأذى المدعوين أنفسهم ..


وكمثال على ذلك : وصل الحال في مكة ، إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يمشي ذات مرة ، فرأى امرأة عجوز ، تحمل حزمة من الحطب ، وهي متعبة جدا ، تمشي قليلاُ ثم تقف ، والعرق يتصبب منها .. فما كان منه صلى الله عليه وسلم ، إلا أن اتجه إليها ، وحمل عنها الحطب ، ومشى وهي تمشي وراءه .. وفي الطريق قالت له هذه العجوز  :  يا بني ليس عندي ما أكافئك به ، إلا أن أقدم لك نصيحة !

قال : ما هي؟..

قالت العجوز : هناك في مكة ، رجل سيء الخلق اسمه {{محمد بن عبد الله }} .. يفتن الناس ويسحرهم ، إياك أن تقترب منه ، أو تستمع إليه .. فلما وصلا الى بيتها ، قالت له : ما اسمك؟..

 فابتسم لها النبي صلى الله عليه وسلم وقال : 

{{ محمد بن عبد الله }} ..

فذهلت وقالت له : أأنت هو ،هو؟ !

قال : نعم أنا هو ..

قالت العجوز : أنت الذي تدّعي أنك رسول من عند الله !

قال : نعم ، فأنا رسول الله .. 

قالت : أشهد أنك لصادق ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك يامحمد رسول الله .. 

فأسلمت هذه العجوز فى الحال ..

___________

أما خارج مكة : 

 كانت قريش أيضا ، تعوق الرسول صلى الله عليه وسلم ، عن إبلاغ دعوته خارج مكة ،

فكان إذا جاء أحد من خارج مكة ، كانت قريش تحذره من الرسول ، وتقول  : 

هناك رجل ساحر اسمه : {{ محمد بن عبد الله }} .. إذا سمعت كلامه يسحرك ، ويفرق بينك وبين قومك ، وبين أبيك وزوجتك ..

حتى أنه جاء إلى مكة ، سيد من سادة قبيلة {{ دوس }} ، اسمه : {{عمرو بن طفيل }} .. فأخذوا يحذرونه من الرسول صلى الله عليه وسلم ، بقولهم : 

إياك أن تقترب منه ، إياك أن تكلمه ، إياك أن تستمع إليه ،

حتى حشى {{ عمرو بن الطفيل}} في أذنيه القطن .. خوفاً من أن يسمع كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيسحره كلامه !!!


وانتشر هذا الحديث في الجزيرة كلها ، حتى وصل الأمر إلى أنه ، إذا أراد الرجل أن يسافر إلى مكة من أي مكان في الجزيرة .. كان قومه يحذرونه من النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقولون له : {{ احذر غلام قريش لا يفتننك }} !!!..

___________

ضاق الحال بالنبى .. 

{{ ضاقت فلما استحكمت حلقاتها .. فرجت وكنت أظنها لا تفرجُ }} .. عندئذ قرر النبي صلى الله عليه وسلم ، ترك مكة والهجرة منها {{ لكن كان عليه البحث عن المكان المناسب لنشر الدعوى ، بدون مضايقات وتحديات }}.. فالوقت يمر ، مرت أكثر من عشر سنوات منذ بداية البعثة ، والإسلام لا يتحرك أو أن الحركة أصبحت بطيئة جدا .. والرسول يريد أن يبلغ الدعوة ، ليس لأهل مكة فقط ، بل {{ للناس كافة ، للإنس والجن }} ، المهمة ليست سهلة على الإطلاق ..

___________

هنا ، قرر النبي صلى الله عليه وسلم ، أن يعرض الإسلام على رؤساء القبائل خارج مكة ، 

في موسم الحج والمواسم التجارية .. وكانت كل قبائل العرب تأتي إلى مكة في موسم الحج ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينتهز هذه الفرصة ، ويعرض على تلك القبائل الدخول فى الإسلام ..


كانت هناك أسواق ثابتة معروفة للعرب بمكة ، يأتيها العرب من كل أنحاء الجزيرة العربية ، وفيها سلع مختلفة .. فكان صلى الله عليه وسلم ، يذهب أيضا الى هذه الأسواق ، حتى يلتقي بالعرب من كل أنحاء الجزيرة ..

كان يقف في الأسواق ويقول : هل من رجل ، يحملني إلى قومه فيمنعني ، حتى أبلغ رسالة ربي؟؟.. ، فإن قريشاً قد منعوني أن ابلغ رسالة ربي !!.. (يمنعنى أى يحمينى ويمنع عنى الأذى) ..


كان طلبه من هذه القبائل واضح 

وهو {{ الإيواء ، والنصرة ، حتى يبلغ كلام الله }} ..

___________

حتى كان يوم من الأيام .. وقف صلى الله عليه وسلم وقال :

{{  يا أيها الناس ، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا }} ..

فمنهم من تفل في وجهه ،

ومنهم من حثا عليه التراب ،

ومنهم من سبه ، حتى انتصف النهار .. فأقبلت ابنته زينب رضي الله عنها وأرضاها ومعها الماء ، 

 فغسل وجهه ويديه ، وهو ينظر إلى الدمعة في عينيها ، من حزنها على أبيها صلى الله عليه وسلم ..

وقال لها : يا بنية ، {{ لا تخشي على أبيكِ غلبة ولا ذلة }} ..

كعادة الأب .. يريد أن يخفف عنها ، فالأب لا يتحمل دمعة من ابنته .. 


[[ هذا حبيب الله يا أمة محمد ، يا من تتباكون عند أول ابتلاء والبعض يكفر ، أنظروا كم تحمل صلى الله عليه وسلم ، من منكم يتحمل من الأذى ، ما تحمله حبيب القلوب صلى الله عليه وسلم ، وهو حبيب الله؟؟ ]] ..

___________


لقد واجه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما تعرض له من أذى نفسي وبدني بالثبات على دينه ، والاستمرار في دعوته ، ليكون ـ في كل زمان ومكان ـ قدوة للمسلمين عامة وللدعاة خاصة في الصبر والثبات ، فإذا كان الإيذاء قد نال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يعد هناك أحد أكبر من الابتلاء والمحن ، وتلك سنة الله مع الأنبياء والمؤمنين ، فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه ـ قال : (( قلت : يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟.. قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل .. يُبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رقة ابتلي حسب دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة )) .. رواه ابن ماجه ،،

__________

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ، يخرج لمقابلة تلك القبائل سرا في الليل ، أو يذهب مسافرا إليهم في أماكنهم ، كما فعل مع الطائف .. 


ومن القبائل التى ذهب إليها الرسول صلى الله عليه وسلم

قبائل {{ كلب وبني حنيفة وبني عامر وغيرهم }} ..


حتى أن المفاوضات مع قبيلة {{ بني عامر }} كانت على وشك النجاح ، وهذه القبيلة كانت من أكبر خمس قبائل في الجزيرة ..

ذهب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وعرض عليهم دعوة الإسلام ، فقال رجل منهم اسمه {{  بيحرة بن فراس }} ، بعدما سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأُعجب بكلامه ، قال لقومه والنبي جالس بينهم : 

والله لو أني أخذت هذا الفتى لأكلت به العرب [[ يعني لو تكفلته ، لانتصرت على جميع العرب ، وذلك بعدما استمع إلى كلامه ]] .. ثم نظر للنبي صلى الله عليه وسلم وقال له : 

أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ، ثم أظهرك الله على من خالفك .. أيكون لنا الأمر من بعدك؟.. 

[[ يعني إذا بايعناك وأصبحت ملكا من الملوك العظام ، هل تعدنا أن نكون خلفائك في الملك ]] ..

فقال له صلى الله عليه وسلم :   {{الأمر لله يضعه حيث يشاء }} ..

فقال له : أَفَنُهدفُ نحورنا للعرب دونك [[ يعني نتعرض للموت بالدفاع عنك ]] .. فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟.. إذا لا حاجة لنا بأمرك .. 

[[ يعني نمكنك حتى تحكم وتنتصر ، ثم تجعل ناس غيرنا تحكمنا ]] ..

النبي صلى الله عليه وسلم هو من رفض {{ بني عامر }} .. بالرغم من أنها قبيلة قوية وكثيرة العدد ، لأن نية {{ بنى عامر }} ، كانت السلطة والسيطرة على العرب ، وليست لوجه الله تعالى ..

 _________


المفاوضات مع قبيلة  {{ بني شيبة }} .. وهي من القبائل المحترمة التي خرج اليها الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان معه {{ أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب}} .. يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو راوي الحديث :

لما أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم ، أن يعرض نفسه على قبائل العرب ، خرج وأنا معه ، حتى وصلنا إلى مجلس عليه السكينة والوقار ..

فقال لهم أبو بكر : من القوم؟؟.. [[ أى من أي قبيلة ]] ..

قالوا : {{شيبان بن ثعلبة }} ..

فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :  بأبي وأمي ، هؤلاء غُرَر الناس [[ يعني كبار القبيلة ]] ..

وكان يجلس بينهم رجل اسمه {{ مفروق }} ، يقول علي رضي الله عنه : كان مفروق  قد غلبهم لسانًا وجمالاً ، وكانت له غديرتان تسقطان على تريبتيه ..

[[ يعني مفروق رجل يعرف كيف يتكلم ، وجميل الشكل ، وقوي البنية ، له غديرتان تسقطان على تريبتيه ، اي العظمتان أعلى الصدر إذا كانتا بارزتان ، فهما عند العرب ، علامة على القوة والجمال ]] ..

فاستأذنوا بالجلوس ، فجلس أبو بكر بجانب {{  مفروق }} ..

فقال أبو بكر رضي الله عنه لمفروق : كيف العدد فيكم؟ 

فقال مفروق : إنا لا نزيد على الألف ، ولن تغلب ألف من قلة ..

[[ يعني سأله أبو بكر  كم عددكم ، عندها فهم مفروق أن سؤال أبو بكر يدل على أنه يطلب منهم المساعدة .. فقال نحن عددنا ألف ولكن لا تستهين بالعدد ، أطلب ما تريد ]] ..

فقال أبو بكر : وكيف المنعة فيكم؟.. 

فقال مفروق : إنا لأشد ما نكون غضباً حين نلقى .. [[ أي يبلغ غضبنا شدته عند القتال ، لا نرى أمامنا من الغضب ]] .. 

ثم قال مفروق لأبي بكر :

 لعلك أخو قريش؟.. [[ يعنى لعلك أنت ذلك الرجل الذي تتكلم عنه قريش ، الذي انتشر خبره ]] ..

فقال أبو بكر : إن كان بلغكم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، 

 فها هو ذا : [[ وأشار إلى النبي صلى الله عليه وسلم ]] ..

فالتفت مفروق إلى رسول الله

وقال : إلام تدعونا يا أخا قريش؟ 

فقال له الرسول : 

{{ أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأني عبد الله ورسوله ، وإلى أن تؤووني وتنصروني .. فإن قريشا قد تظاهرت على الله ، وكذٌَبت رسوله ، واستغنت بالباطل عن الحق ، والله هو الغني الحميد }} ..

فقال مفروق : وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟.. فو الله ما سمعت كلاما أحسن من هذا ..

فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قوله تعالى : 

{{ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إِمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }} ..


فلما سمع مفروق كلام الله ، ذُهل وتأثر وقال : دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال ، ولقد أفك قوم كذبوك ، وظاهروا عليك ..

___________

ثم نظر مفروق إلى شيخهم 

وقال : يا أخ قريش ، هذا {{ هانئ بن قبيصة }} ، وهو شيخنا .. فقال هانئ : 

قد سمعت مقالتك يا أخا قريش ، وإني أرى تركنا ديننا واتباعنا دينك ، لمجلس جلست إلينا لا أول له ولا آخر ، لذل في الرأي ..

[[ يعني أنا سمعت كلامك ، ولكن الحكمة تقتضى أنه من جلسة واحدة ، لا يجوز اتخاذ القرار ]] ..

وإنه لقلة نظر في العاقبة ، أن الزلة مع العجلة .. [[ أى لا داعى للعجلة ، لأن العاقبة تكون سيئة مع العجلة ]..

وإنا نكره أن نعقد على من وراءنا عقدا .. [[ أى نكره أن نتفق معك ، بدون أخذ رأي قومنا ]] ..


ثم نظر هانئ الى رجل آخر يجلس معهم [[ يعني شاركنا الحديث ]] 

اسمه {{ المثنى بن حارثة }} وقال : وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا ..

فقال المثنى [[ و قد أسلم بعد ذلك ]] .. قال : 

قد سمعت مقالتك يا أخا قريش ،

والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة ، في تركنا ديننا ومتابعتنا دينك .. [[ يعني هانئ قال الصواب ]] .. وإنا إنما ، نزلنا بين صَرَيَين أحدهما اليمامة والآخر السَّمامة ..

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : 

ما هذان الصريان؟؟..

قال : أنهار كسرى ومياة العرب ..

[[ أى يقول للنبي ، نحن عايشين في منطقة بين نارين ، بين كسرى وبين العرب ، على حدود إيران  والعرب ]] .

فأما ما كان من أنهار كسرى ، فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول ، وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى ، ألا نحدث حدثًا ولا نأوي محدثا ..

[[ يعني قومنا عايشين بعضهم بأراضي كسرى ، والبعض الآخر بأراضي العرب .. كما نقول على الحدود  ، وكسرى ما بيرحم وعاهدناه أن لا نأوي أحد ، يوجع رأسنا ورأسه ]

 وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا أخا قريش ، مما تكره الملوك [[ يعني إذا سمع كسرى بك وبدينك ما بيعجبه .. أنت تدعو الى مبدأ كلكم لآدم وآدم من تراب ، وكلنا سواسية ، الملوك ما بيعجبهم إلا السيد سيد والخادم خادم ]] .. فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب

فعلنا .. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أعجب بكلامهم : 

{{ ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق ، وإن دين الله عز وجل لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه }} ..

ثم بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم : {{ أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حتى يورثكم الله تعالى أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم ، تسبحون الله وتقدسون }} ، فقالوا : 

اللهم فلك ذاك ..

وقد كان ذلك [[ صلى الله وسلم عليك يا حبيبي يا صادقاً بالوعد ]] ..

___________

كان موقف {{ بنى شيبان }} فيه وضوح وتعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم ، عرضوا على النبي حماية جزئية ، وموقفهم جميل وعاقل .. 


يتبع .. الأنصار أهل يثرب {{ المدينة المنورة }} ، رضي الله عنهم .. لنعرف قدر أهل المدينة المنورة ، الذي سيخرج منها النور المحمدي ويملأ أركان هذا الكون 


الحبيب المصطفى  «  ٩٦ »

السيرة المحمدية العطرة ..

      (( بيعة العقبة الأولى))

___________

سقطت قريش كلها من عين النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلم أن بعد كل هذه السنين ، وهو بينهم يدعوهم إلى الله لا أمل فيهم ، وأخذ صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحج ..

وعمه أبولهب يمشي وراءه يكذبه ، فتنفر الناس منه .. 

يقولون : إذا كان عمه يقول عنه هكذا ، فلا داعي أن نسمع ما يقول ..  

حتى التقى صلى الله عليه وسلم ، بنفر من الرجال الذين لم يصغوا إلى أبي لهب .. وقفوا يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ..

___________

فقال لهم النبى : ممن القوم؟ 

قالوا : من يثرب [[ المدينة المنورة ، كان اسمها يثرب ]] ..

فقال صلى الله عليه وسلم : من الأوس أم من الخزرج؟..

 [[ قبيلتين في يثرب ]] ،

قالوا : من الخزرج .. 

فقال لهم صلى الله عليه وسلم : هل تجلسوا أكلمكم؟؟..

قالوا : بلى يا ابن سيد قومه [[ هم يعلمون أنه ابن عبد المطلب ]] .. فجلسوا إليه ، وكان عددهم {{ستة}} وقيل {{ سبعة }} وهم :

١ - أميرهم أسعد بن زرارة ..

٢ - رافع بن مالك ..

٣ - معاذ بن عفراء ..

٤ - عوف بن الحارث .. 

٥ - عبادة بن الصامت .. 

٦ - عقبة بن عامر .. 

٧ - جابر بن عبدالله السلمي .. [[ ليس هو جابر بن عبد الله ، الصحابي المشهور برواية الحديث ]] ..

عددهم سبعة ، وأميرهم {{ أسعد بن زرارة }} ..

___________

قالوا : ماذا عندك يا أخ قريش؟.. 

قال : إني رسول الله إليكم ، وإلى الناس كافة ، أدعوكم إلى لا إله إلا الله ، ونبذ ما تدعون من دونه من آلهة تصنعونها بأيديكم ، ودعاهم إلى الإسلام وشرح لهم أخلاقه ومبادئه .. 


فقال بعضهم لبعض همسا (ليس على مسمع من النبي) .. أتعلمون ، أليس هذا الذي تحدثكم عنه اليهود..؟؟

 ويستفتحون به عليكم؟؟..


ولنا هنا وقفة .. ماذا عن اليهود في هذا المقام ، لنفهم السيرة أكثر؟؟..  

المغضوب عليهم [[ اليهود ]] فى

يثرب : كان يقيم فى يثرب قبائل عديدة من اليهود ، أشهرهم ثلاثة قبائل : 

١- بنى النضير .. 

٢ - بنى قينقاع ..

٣ - بنى قريظة ..

وكانوا يحاصرونها ، فيسكنوا شمالها ، وجنوبها ، وشرقها ،

أى أحاطوا بيثرب ..

___________

العرب كانوا قبيلتين : {{ الأوس ، والخزرج }} ..

أوس وخزرج ، كان جدهم واحد ، 

القبيلتين أبناء عمومة .. 

{{ أوس هو أخو خزرج }} من نفس الأب ونفس الأم ..

أمهم اسمها {{ قَيلى }} .. وأبوهم {{ حارثة بن عمرو بن عامر الكهلان }} ..  


وكانت اليهود تنسب العرب لأمهاتهم [[ يعني يقولون فلان ابن فلانة ]] ..

لماذا ينسبون العرب لأمهاتهم؟؟..

لأن اليهود أغلبهم أبناء زنا ، فلا ينتسبون إلى آبائهم ، بل ينتسبون إلى أمهاتهم وهذا طبعهم .. وعنهم أخذ العوام ، أن الرجل ينسب إلى أمه لا إلى أبيه ، [[ لأن أمه مؤكدة ، هي التي حملت وولدت ، أما من أبوه؟؟..  لا ندري .. هذا الكلام عند المغضوب عليهم اليهود ، ومن قلدهم ، ممن هم دون البهائم من سائر العرب ]] ..  ونلاحظ ذلك فى لغة الدجالين (( من يرغب فى فك أو عمل سحر ، يقول الدجال ، أعطيني اسمه واسم أمه )) ، لأن السحر والتعامل مع الشياطين ، من اختصاص المغضوب عليهم اليهود ، والدجالين تعلموا منهم الشعوذة ..

أما فى شرع الله ، قال تعالى :

 {{ أدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ }} ..

إذا اليهود ينادون العرب في يثرب ، من الأوس والخزرج :

{{ يا بني قَيلى }} ، ينسبوهم إلى أمهم .. 

_________

اليهود كانوا محور ومحرك الشر بين القبيلتين .. فكان يقع بين الأوس والخزرج ، ما يقع بين الناس من خلافات ، في تجارتهم وفي معاملاتهم .. [[ والعرب معروف عنهم الشهامة ، فهم أكرم قوم خلقهم الله ، وأكرمهم الله أن جعل حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء منهم ، وأكرمهم الله أيضا ، بأن أنزل القرآن بلغتهم ، وجعلها لغة أهل الجنة خالدين فيها أبداً .. الباكستاني والإيراني والتركي والهندي والأمريكي والفرنسي .. الخ ، من المسلمين ، كلهم سيتكلمون باللغة العربية في الجنة ، (إن كانوا من أهلها) إلى مالا نهاية  سوف تمحى اللغات كلها ، وتبقى لغة القرآن الكريم ، لغة العرب .. هل عرفتم قيمتكم أيها العرب؟؟ ]] ..


كان اليهود منذ نشأتهم ، قبل الإسلام وبعد الإسلام ، لا يحبون أن تتوحد العرب .. فكانوا دائماً يحدثون الوقيعة والعداوة بينهم ، وقد اتبعوا هذه السياسة ، فى التعامل مع الأوس والخزرج أولاد العم .. [[ ابن عمك قال ، وابن عمك عمل .. الأوس قالوا ، الخزرج قالوا ]] .. لأن اليهود يعلمون أنه لو اجتمعت قلوب أولاد العم وكلمتهم ، أصبح كل اليهود أذلاء تحت أقدام الأوس والخزرج !!.. [[ تماماً كما يحدث منهم معنا فى الفترة الحالية ، وتلك سياستهم في كل زمان ]] ..

___________

أضف إلى ذلك ، أن اليهود تركوا أهل يثرب من العرب ، يعملون بالزراعة .. أما هم فقد اهتموا بالعمل بالصياغة والمجوهرات ، وصناعة السلاح .. فكانوا أصحاب أسواق الذهب ، وصنع  السلاح ، (( سيطرة تامة على رءوس الأموال كعادتهم )) ..

[[ تماماً كحالنا اليوم ، نحن دول مستهلكة ، لا نجيد إلا الجدال وتعدد المذاهب لنتفرق أكثر ، ونتقاتل فيما بيننا كمسلمين ، ونضيع أموالنا على شراء الأسلحة من أعدائنا ، لنقتل بعضنا البعض .. هل عرفتم  الآن يا من تتابعون السيرة ، معنى قوله صلى الله عليه وسلم : [[ بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ]] ..

يصنعون السلاح ، فنشتريه لنقتل بعضنا البعض .. وهذا ما اتبعوه مع الأوس والخزرج ، كلما وجدوهم وقد عم السلام بينهم ، يحدثوا بينهم الفتنة .. ثم يبيعوا لكلا منهما السلاح ، حتى يتقاتلوا فيما بينهم .. وعندما يفيق الأوس والخزرج من غفلتهم ، يندموا على ما حدث بينهم .. وتعود الكرة من جديد ، يعنى اليهود كانوا يتلاعبون بهم كيفما شاءوا ... فإذا ما حدث وتصالحا الأوس والخزرج ، وطالت مدة توافقهما ، شعر اليهود بالضعف أمام العرب .. فلجأوا لحيلة أخرى وهى تخويف وترهيب العرب بأن يقولوا لهم : غداً يبعث النبي الخاتم ، وهو خاتم أنبياء ورسل الله ، (وفى ظنهم أنه سيأتى من بنى إسرائيل) .. فنؤمن به لأننا أهل كتاب ، وتكفرون أنتم يا أهل الأصنام ، فنقتلكم به قتل عاد وإرم (قوم هود عليه السلام) ..

فكان اليهود دائما  يكثرون القول عن هذا النبي الخاتم وصفاته ، وأنه سيبعث فى هذا الزمان ، وينتظرون بعثته .. 

___________

حتى عرف الأوس والخزرج أوصاف نبي آخر الزمان من اليهود أنفسهم .. وصدق الله العظيم إذ قال عن اليهود : 

{{ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ }} ..


وقال عنهم في موضع آخر :

{{ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ }} صدق الله العظيم ..

 

فعرف العرب أن هناك نبي سيبعث واقترب زمانه وعرفوا صفاته من اليهود .. 

___________

فلما عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه علي جماعة الخزرج ، قالوا لبعضهم البعض : أتعلمون ، أليس هذا الذي تحدثكم عنه اليهود ، وتتوعدكم به ويستفتحون به ؟

قالوا : ورب الكعبة إنه هو  !!!

فقالوا : فلا تسبقنا إليه اليهود ، ولنؤمن به .. 

فآمن السبعة رضي الله عنهم وأرضاهم ،  وعلى رأسهم كما ذكرنا : {{ أسعد بن زرارة أميرهم }} ..ووضعوا أيديهم بيد النبي صلى الله عليه وسلم ، إيمانًا فقط وليس بيعةً .. 

[[ يعني فقط شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ]] .. أسلم السبعة ، وعلمهم صلى الله عليه وسلم شيء من الدين .. 


فقال له أسعد بن زرارة : يا رسول الله ، لقد جئنا وكنا نريد أن نحالف قريش ، على إخوتنا بعد يوم بعاث .. 

[[ ماهو يوم بعاث؟؟.. قبل فترة من إسلامهم ، الأوس والخزرج حدث بينهم قتال ، فى مكان بالقرب من المدينة المنورة يسمى بعاث ، فمات كل الكبار منهم وساداتهم وزعمائهم ، وما بقى منهم إلا أبناؤهم الشباب ، وكانت هذه آخر الأحداث بين الأوس والخزرج أيام الجاهلية ]] ..

 قال أسعد : يا رسول الله ، إن جمع الله قومنا عليك فلا أعز منك فينا .. [[ أي إذا جمع الله بينهم برسول الله ، وأصلح قلوبهم بالمحبة .. سيكون النبى بينهم ، أعز من فيهم ]] ..

___________

وانطلقوا إلى قومهم دعاة إلى الله ، وشرح الله صدر البعض فجاءوا في موسم الحج الثاني ..

و بدلا من أن يكونون سبعة ، تخلف منهم اثنان .. 

وصحبهم من جديد سبعة رجال آخرين ، فأصبحوا {{  ١٢ رجلا }} ،

واجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة .. [[ أي عند جمرة العقبة في منى ، التي يرميها الحجاج في اليوم الأول فقط ، سبع جمرات ]] ..

اجتمعوا وبايعوا النبي ، وكانت بيعتهم لا تشمل جهادًا ، [[ وركزوا على هذه النقطة ، لم يبايعهم على الجهاد ، ولكن سنرى ماذا سيفعل هؤلاء الكرام في غزوة بدر ]] ..

فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم :

{{ تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً ، ولا تزنوا ، ولا تسرقوا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق .. فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به فهو كفارة له ، ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله ، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه }} ..

فقالوا  : قبلنا وبايعوه ..

وانطلقوا إلى قومهم ، ونحن الآن في السنة {{ ١٢ من البعثة }} ، فكانت هذه بيعة العقبة الأولى ..

__________

فلما انطلقوا ، بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنا نريد رجل من أصحابك يعلمنا القرآن ويكون إمامنا بالصلاة ..  خافوا إذا وقف الإمام من الأوس ألا يرضى الخزرج ، وإذا كان الإمام من الخزرج ألا يرضى الأوس .. وهم حديثو العهد بالإسلام ، فأحبوا أن يخرجوا من هذا المأزق .. 

فاختار لهم النبى صلى الله عليه وسلم ، أول سفير فى الإسلام

{مصعب بن عمير رضي الله عنه} ..

 مصعب أنعم فتى في قريش ومن السابقين إلى الإسلام ، عندما أسلم ، منعت أمه عنه المال ..

[[ بعدما كان مصعب ، يلبس أجمل الثياب ، وكان شابا منّعما بين شباب مكة كلهم ، وكان ينفق المال على جميع أصحابه من الشباب ]] ..

فلما أسلم ، منعت أمه عنه المال  وجعلته يلبس الخيش ..

[[ كيس من الخيش ، يشقه من الأسفل ، و يلبسه بعنقه رضي الله عنه وأرضاه ، لأنه لم يعد معه ما يشتري به من ثياب ]] ..


اختاره النبي أن يكون معلم الأنصار في المدينة ، عرف النبي صلى الله عليه وسلم من يختار ..

اختار مصعب الذي باع الدنيا كلها ، من أجل دينه .. فلا يمكن أن تدخل الفتنة إلى قلبه في المدينة ، ولابد أن يكون صادق ، والدعوة إلى الله تحتاج إلى الصدق بالإيمان .. 

[[ لأنه لو كان الإنسان متعلم ، وحافظ للقرآن ، وحافظ ألف حديث ، وليس في قلبه صدق ، سترى كلامه جاف ، لذلك نرى بعض الدعاة على المنابر ، صراخ وتباكي وصياح ، ليحركوا قلوب الناس ، وليس هناك داعي لكل هذا الكلام ، لأن الداعية ، إذا لم يكن قلبه صادقا مع الله ، مستحيل يوصل كلامه لقلوب الناس ، مهما علا صوته بالصراخ ]] ..

مصعب بن عمير ، كان معجوناً بالصدق عجناً ، رضي الله عنه وأرضاه .. وسنرى ماذا فعل مصعب فى المدينة المنورة ، رضي الله عنه ...


الحبيب المصطفى  «  ٩٧ »

السيرة المحمدية العطرة .. 

(إسلام سعد بن معاذ رضي الله عنه)

__________

ذهب{{ مصعب بن عمير }} معهم إلى يثرب [[ المدينة المنورة ]] .. ونزل ضيفا عند أسعد بن زرارة ، 

وأصبح مصعب يبيت عنده ، وفي النهار يذهب ويدعو الناس إلى الله ..

وكان يجتمع بهم بعد العصر في بستان ، فيقرأ عليهم القرآن ويعلمهم تعاليم الدين .. 

وكان أسعد بن زرارة، له ابن خالة وهو سيد الأوس،اسمه:{ سعد بن معاذ}

___________

انتشر الخبر بالمدينة ، أن أناسا اتبعوا دين القرشي ، وأن محمدا قد أرسل رجل من أصحابه ، يعلمهم هذا الدين الجديد..


وذات يوم ، ذهب أسعد بن زرارة بصحبة مصعب ، إلى بستان قريب من بستان سعد بن معاذ ، 

وكان هذا البستان يجتمع من حوله شباب يثرب .. فاصطحب أسعد بن زرارة ، مصعب إليه .. وجعله يقرأ القرآن هناك بصوت مسموع ، فاجتمع الشباب حوله يستمعون ..

[ قريش كانوا سادة ، وفيهم الكثير من كبار بالسن ، وكفر أغلبهم برسول الله ودين الله ]

أما في المدينة .. فكما قلنا قبل خمس سنين ، قامت حرب في منطقة بعاث وسميت {{ يوم بعاث }} ، وكانت بين الأوس والخزرج ، قُتل فيها كبار الأوس والخزرج جميعا ، واستلم السيادة شبابهم ( فكان قادتهم من حديثى السن ) ، وانظروا إلى دور الشباب في المجتمع .. 


اجتمع الشباب حول مصعب ، وهو يقرأ القرآن ويرتله كما أُُنزِل ، وكما تعلمه من النبي صلى الله عليه وسلم .. 

فنظر إليهم سعد بن معاذ من بستانه ، فغاظه ما رأى من تجمع الشباب حول مصعب ..

___________

فقال لابن عم له واسمه {{ أُسيد بن الحضير }} :

قال : يا أسيد ، لا أب لك [[ وكلمة لا أب لك ليست سب عند العرب ، ولكنها كلمة تودد ، فيها مدح للذي تتكلم معه .. معناها يا من  لا تعتمد على أبيك ، أى أنه رجل يعتمد على نفسه فى كل أموره ، ولا حاجة له بمساندة أباه ]] ..

قال : يا أسيد لا أب لك ..

قال : نعم يا سيد قومه .. 

قال : ألا ترى ما يصنع ابن خالتي أسعد بن زرارة ، واللات لولا صلة الرحم بيني وبينه لقمت ومنعته ،  

اذهب إليه أنت يا أسيد هو والقرشي الذي معه ،  فامنعهم عما يفعلون..

قال أسيد : أجل يا سيد قومه حباً وكرامة .. 

فقام {{ أسيد بن حضير }} ومعه حربة ومضى إليهم ..

___________

فلما قدم إليهم أسيد ،

قال : ما شأنكما؟.. اعتزلوا هذا المكان ، إن كان لكم في أنفسكم حاجة ، [[ يعني اذا أردتم أن تظلوا سالمين (كلمة تهديد) ]] ..

فنظر إليه {{مصعب بن عمير رضي الله عنه }} ..

[[ وهذا درس لكل داعية إلى الله ، من  أصحاب الصوت العالى والكلام الجارح .. "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ  وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" ]] ..

نظر إليه مصعب وابتسم ، وبكل هدوء ولطف قال له : 

أولك خير من ذلك؟..

قال : ما هو؟.. 

قال له مصعب : تجلس فتسمع ، فإن سمعت شيئاً يرضيك فهو ذا ، وإن كرهته ابتعدنا وكفيناك ما تكره .. 

فقال له أسيد : أنصفت ، فوضع حربته وجلس .. 

فقرأ عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام .. فتغيرت ملامح وجهه وقد تأثر بكلام الله عز وجل ..

قال : بما يأمر دينكم هذا؟.. 

فذكر له تعاليم الدين .. 

فقال : إنكم تدعون إلى شيء حسن ، ماذا يصنع من أراد الدخول في دينكم؟.. 

قال له مصعب : تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ثم تغتسل وتتطهر وتصلي ركعتين لله ..

فقام وفعل كما قال له مصعب وجلس معهم يستمع .. ونسي سعد بن معاذ ، فلما تذكر استأذنهم وذهب مسرعاً لسعد بن معاذ ، وهو يتمنى لو أن سعد هو الذي أسلم ..

___________

فلما أقبل أسيد ، نظر إليه سعد من بعيد وقال للحاضرين : 

أقسم لكم لقد عاد أسيد بغير الوجه الذي ذهب به .. [[ شيء طبيعي ، ذهب بوجه مظلم ، وجه مشرك بالله ، ورجع بوجه مضيء ، وجه مسلم يؤمن بوحدانية الله ]] ..

فلما وصل ، سأله سعد : 

يا أسيد ما الخبر؟؟..

قال : يا سيد قومه لا بأس عند القوم ، وقد نهيتهم ووعداني أن يمتنعوا عن ما تكره .. 

فلم يعجب سعد هذا الكلام ، وقام من مكانه غاضباً وقال : 

ما كفيتني هاتيها ، فأخذ الحربة من يد أسيد ، ومضى سعد ولحقه أسيد بن الحضير ، لأنه رأى أن سعد ذهب لقتال وشر ..

___________

فلما أقبل سعد بن معاذ إلى مصعب وأسعد بن زرارة ، واقترب منهم .. 

قال أسعد : يا مصعب ، جاءك سيد قومه كلهم ، هذا إبن خالتي سعد بن معاذ ..{والله لإن آمن هذا الرجل على يديك يا مصعب ، سيسلم الأوس كلهم ، يا مصعب أصدق الله فيه .. فتوجه مصعب بقلبه إلى الله بالدعاء}

فلما وصل سعد بن معاذ ، وقف أمام مصعب وأسعد ، وكان غاضبا وهو سيد قومه ..

[[ والسيد إذا كان سيدا بمعنى الكلمة ، لا يخرجه الغضب عن العقل والحلم ولو كان غاضباً ]] ..

فوقف ولأنه سيد قومه قال : 

ما شأنكما ، ألم أرسل إليكما نذير؟..

فابتسم مصعب رضي الله عنه وأرضاه ، وقال له بهدوء : 

يا سيد قومه .. 

قال : نعم .. 

قال : ألا تجلس وتسمع ، إن سمعت شيئاً يرضيك هو ذاك ، وإن سمعت ما تكره كففنا عنك ما تكره .. 

قال : قد أنصفت وزدت في الإنصاف ..


وأسند حربته على النخلة ، وجلس وقال : هاتِ ما عندك .. 

فقرأ مصعب عليه  القرآن من سورة الزخرف ، وكان مصعب حسن الصوت :

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{{ حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ * أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ * وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ * وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ  * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ * وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ }} صدق الله العظيم ،،

___________

فلما سمع سعد كلام الله ..

يقول أسعد بن زرارة عن سعد : 

{{ والله الذي لا إله إلا هو ، لقد رأيت الإسلام في وجه سعد بن معاذ ، قبل أن ينطق بالشهادة .. وقد أشرق وجهه وهو يسمع القرآن }} ..

فلما انتهى مصعب دعاه إلى هذا الدين .. 

قال سعد : ماذا يصنع الذي يريد أن يدخل فى هذا الدين؟..

قال له مصعب : قُم يا سيد قومه فتطهر ، ثم تشهد ثم صلي ركعتين لله .. 

فقام واغتسل ، ولبس ثياب نظيفة ، ونطق الشهادتين وصلى ركعتين كما علمه مصعب .. 

ثم سأل سعد بن معاذ رضي الله عنه :

ما واجب من يدخل هذا الدين؟..

قال له مصعب : أن يدعو غيره إليه ..

___________

 فقام سعد بن معاذ حتى أقبل على قومه ، فلما رأى القوم سعد بن معاذ من بعيد قادما إليهم ..

 قالوا جميعاً : واللات لقد عاد إليكم سعد بن معاذ بوجه غير الذي ذهب به ، {{ نور الإيمان}} ..

فوقف سعد بن معاذ أمامهم وقال : يا بني عبد الأشهل .. 

قالوا : نعم يا سيد قومه .. 

قال : كيف تعلمون أمري فيكم؟.. 

قالوا : سيدنا وابن سيدنا ، وأعقلنا ، وأحكمنا ، إذا أمرت فأمرك مطاع .. 

فقال سعد : فإن كلامكم علي حرام ، رجالكم ونساؤكم ، حتى تؤمنوا بالله ورسوله .. 

فدخلت بني عبد الأشهل كلها في ليلة واحدة في دين الله .. 


يقول مصعب : والله الذي لا إله إلا هو ، لم ننم في تلك الليلة ، وفي بني عبد الأشهل رجل مشرك .. وقام سعد وأسيد ابن خالته، يحطمان الأصنام .. 

دخل أغلب سكان المدينة المنورة بالإسلام بكل سهولة ، لماذا؟؟..

سبب انتشار الإسلام في المدينة بهذه السرعة ، لأن طبع أهل المدينة هو الرقة واللين ، وعدم الكبر وجحود الحق .. وذلك يرجع إلى أصلهم ، لأن أصل أهل المدينة من اليمن ، وأهل اليمن معروفون برقة القلب ، ولين الطباع .. لذلك قال صلى الله عليه وسلم ، لما جاءه وفد من اليمن ، قال : 

{{ أتاكم أهل اليمن ، هم أرق أفئدة وألين قلوباً }} ..

شهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأهلنا في اليمن ..

وهناك سبب آخر وهو : 

وجود قبائل لليهود في المدينة ، جعل أهل المدينة على علم بأن ، هنا نبي سيبعث في ذلك الوقت ، وكان اليهود في المدينة دائما يرددون : {{ إن نبياً مبعوثاً الآن قد أظل زمانه }} ، يعني جاء وقته ..

___________

سعد بن معاذ رضي الله عنه سنرى منه من خلال السيرة مواقفه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أسلم وكان عمره {{ ٣٠ }} عامًا ومات وعمره {{ ٣٦ }} عامًا ، ست سنوات فقط في الإسلام ، ولما توفى اهتز لموته عرش الرحمن ..  


فقد ثبت في الحديث الصحيح المتواتر عن النبي عليه الصلاة والسلام ، اهتزاز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ رضي الله عنه ، (( الحديث المتواتر ، هو حديث فى أعلى درجات الصحة والثبوت .. وهو الحديث الذى رواه جماعة ، يستحيل أن يتواطؤوا على الكذب ، وأسندوه إلى شيء محسوس )) .. وقد جاء في بعض الأثر أنّ سبب اهتزاز عرش الرحمن ، إنّما كان فرحاً من رب العزة بلقاء سعد ، وأما الكيفية فلا يُسأل عنها .. وقال شيخ الإسلام إبن تيمية في مجموع الفتاوي : إنّ اهتزاز عرش الرحمن ليس فيه نقيصة في حق الله تعالى ، سواء كان سبب اهتزازه فرح العرش بمقدم روح سعد ، أو كان بسبب فرح الرحمن للقاء سعد ، وإن اهتزاز العرش ليس من صفات الله تعالى ، وإنّما من صفات العرش المخلوق ..


سعد بن معاذ الذي كان بديناً كما يصفه الصحابة [[ كان وزنه زائد ]] .. عندما استشهد وحملوه الصحابة ليدفنوه ، لم يجدوا له ثقلاً ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ، لقد حملته الملائكة .. وشهد دفنه سبعون ألف من الملائكة ، لم ينزلوا إلى الأرض قبل ذلك .. 

رضي الله عنه وأرضاه ،،،



[١١:٠٣ م، ٢٠٢٢/١٠/٢٣] عادل الجوهري: الحبيب المصطفى  « ٩٨ »

السيرة المحمدية العطرة .. 

      (( بيعة العقبة الثانية ))  

__________

انتشر الإسلام في يثرب ، ولكن

 مازال من أهل يثرب ، من لم يدخلوا في الإسلام بعد .. 

إنما الذين دخلوا جميعهم هم ، قوم {{ سعد بن معاذ من الأوس }} ..

 أما الخزرج ، فمنهم من أسلم ، ومنهم من لم يسلم .. ولم ينتشر الإسلام في كل بيوت الأنصار ، ولكن نستطيع القول ، أن عددًا كبيرًا من أهل يثرب انتشر فيهم الإسلام .. 

[[ يثرب لم يكن اسمها المدينة المنورة ، ولكن سُميت بالمدينة المنورة ،  بعد أن هاجر إليها النبي صلى الله عليه وسلم فسماها بالمدينة المنورة ، وسماها طيبة ، وسماها طابة .. ونهانا أن {{ نسميها يثرب }} ، ؛ لأن يثرب تعني التفرق ونحن لا نقول يثرب إلا في سرد السيرة ومقام التعريف فقط ]] ..

___________

انتشر الإسلام بالمدينة المنورة ، وأقام مصعب فيها كما ذكرنا من قبل ، سفيراً لرسول الله يعلم الناس القرآن وتعاليم الدين ، حتى عُرف بالمدينة بالمقرئ ..

الناس من أهل المدينة ، الذين دخلوا فى الإسلام ولم يروا نبيهم ، ولم يسمعوا صوته صلى الله عليه وسلم .. أصبحت قلوبهم تتشوق لرؤيته ، وانتشر بين المسلمين في المدينة هذا الحديث : 

[[ إلى متى نحن آمنون مطمئنون ، ونترك رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة يتعرض للأذى من قريش ، ويعرض نفسه الكريمة على القبائل ، ألا فلنبايعه ونخرجه من مكة إلينا ]] .. 

شعور أهل المدينة ، كان كشعورنا نحن الآن ممن يتابعون السيرة ، لم نره ، ولم نسمع صوته صلى الله عليه وسلم ، حتى أننا لم نر  من رآه .. ( والله يارب أنت تعلم مافي قلوبنا من شوق لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاجعله شفيعنا يوم القيامة ، واسقينا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدا ... حُرمنا رؤيته في الدنيا ، فلا تحرمنا جواره وجوار أصحابه في الجنة ).. 

___________

ولنا شهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نعتز بها : 

خرج على أصحابه يوماً ، وقد جلسوا يتدارسون [[ أي يتباحثون ]] ..

فسألهم صلى الله عليه وسلم ، عن أي شيء يتدارسون؟؟..

قالوا : نقول من أشد خلق الله إيماناً؟..

قال : فماذا قلتم؟؟..

قالوا : قلنا ، أشد الخلق إيماناً {{ الملائكة }} ..

فقال لهم : كيف لا يؤمنون وهم يطوفون حول العرش؟؟..

قالوا : الأنبياء .. 

قال : كيف لا يؤمنون وقد أنزل عليهم الوحي؟؟ ..

قالوا : إذن نحنُ يا رسول الله ..

قال : كيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم ، ويتنزل الوحي علي من السماء؟؟.. 

قالوا : إذن من يا رسول الله؟؟..

فقال : قوم من أمتي من بعدي ، يجدون كتاب بين أيديهم ، يقرأونه فيؤمنون به ، ولم يروني .. يود أحدهم لو رآني بأهله وماله ، أولئك أشد خلق الله إيماناً ..

نحمد الله على نعمة الإيمان ، ومحبة الله ورسوله ، نحمد الله على نعمة {{ لا إله إلا الله محمد رسول الله }} ..

___________

فلما كان موعد الحج ، (( وكان عددا كبيرا من مسلمى قريش يريدون الذهاب للحج للتعرف على النبى ومبايعته )) .. سبقهم مصعب قبل موسم الحج إلى مكة ، وأخذ ينسق بينهم وبين رسول الله ، وكانت هذه خطة محكمة ، وضعت حتى لا تشك قريش بهذا التنسيق ، فمصعب قرشي وهو من أهل مكة ..

وكان الاتفاق أن موعدهم في الحج .. 

وقال لهم مصعب : أن يختاروا منهم بعض الرجال ، ونصحهم ألا يكون العدد كبير .. لأن الذين أسلموا أعدادهم أصبحت كثيرة في المدينة المنورة .. فلو اجتمعوا بالنبي في مكة جميعا ، انفضح أمرهم ، فاتفقوا أن يكون عددهم فى حدود {{ ٧٠ رجل }} .. فعدد ٧٠ رجل بين أعداد الحجيج ، الذين يأتون إلى مكة من جميع بقاع الأرض ، لن يستطيع أحد من كفار قريش أن ينتبه لهم .. 

___________

فخرج ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان .. وسبقهم مصعب ، 

وكان مصعب هو همزة الوصل بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم .. 

أخبرهم صلى الله عليه وسلم ، عن طريق مصعب ، أن موعدهم معه أواسط أيام التشريق .. 

[[ يعني بمفهومنا الآن ، ثالث يوم العيد فى الصباح الباكر ]] ، وكان موعدهم عند جمرة العقبة ، وسنرى حكمة رسول الله فى هذه المباحثات ، وأخذه بالأسباب .. 


قال يا مصعب : قل لهم إذا مضى الثلث الأول من الليل ، والناس قد ناموا .. فلا تنتظروا غائب ولا توقظوا نائم ، وليتسللوا إلى العقبة تسلل القطا .. 

[[ لم يكن نبينا صلى الله عليه وسلم صيادا ، وسبحان الذي علمه طباع القطا ، فهو نوع من الطيور يعرفها الصيادون ، من كثرة حذرها من الصيد ، لا تنام كما ينام الطير .. بل تقف على رجل واحدة ، وتأخذ بالرجل الأخرى حصاة ، حتى إذا غلبها النوم ، ترتخي المفاصل فتسقط الحصاة ، فتستيقظ من نومها ، فتطير وتغير موقعها ]] ..

قال له : وليتسللوا تسلل القطا ، فإن عليهم من قريش عين .. [[ يعلم أن قريش تراقبهم ]] ،

لأنه إذا افتضح أمرهم ، لا تُحمد العاقبة ..

تم تحديد الموعد ، وكان موعد يثبت مدى دقة رسول الله ، وتوخيه الحذر ، وأخذه بالأسباب .. 

__________

اختار رسول الله ، أن يكون اللقاء في الثلث الأوسط من الليل ، وهو وقت يكون فيه جميع الناس في مكة ، يغطون في نوم عميق .. [[ لأنه قد يتأخر نوم بعضهم إلى الثلث الأول من الليل قبل الفجر ، أما عن الثلث الأوسط ، فأغلب الظن أن أهل مكة والحجيج ، سيكونون في سبات عميق ]] ..

واختار رسول الله مكان بعيد ، وهو الشعب الأيمن عند العقبة .. حتى يكون بعيد عن عيون المراقبين ، إن كان هناك من مستيقظ حتى هذه الساعة ..

((كما قلنا من قبل الشعب معناه الطريق بين جبلين)) ..


وتكتم صلى الله عليه وسلم على الموضوع ، ولم يخبر إلا ثلاثة وهم محل ثقتة :  أبا بكر الصديق ، وعلي بن أبى طالب ، وعمه العباس ، ولم يخبر أحدًا من المسلمين ؛ لأنه لدواعى السرٌِيٌَة ، يجب ألا يعرف أحد شيئا عن الموعد ، توقيته ومكانه ..   

___________

 يقول كعب بن مالك الأنصارى : فما نمنا تلك الليلة ، ونحن نتشوق لرؤية رسول الله لأول مرة .. حتى إذا مضى ثلث الليل ، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ، نتسلل تسلل القطا .. وكانوا يخرجون رجلًا رجلًا ، أو رجلين رجلين ، حتى اكتمل ثلاثة وسبعون رجلًا من الأنصار  وامرأتان ،  في الموعد المحدد ..

وجاء أيضا رسول الله صلى الله عليه وسلم في موعده ، وكان معه عمه العباس بن عبد المطلب وأبو بكر وعلي .. 


فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم ، أبا بكر إلى فم الشعب من ناحية ، وعلي إلى فم الشعب من الناحية الأخرى ، ((فم الشعب معناه أول الطريق)) .. وذلك 

ليعطيا إشارة إلينا ، إذا شاهدوا حركة مريبة أو شروع فى مراقبة المكان .. 


{{ وهذا اللقاء ، كان أعظم لقاء على وجه الأرض منذ أن خلقها الله ، لقاء تغيرت به خريطة العالم كله ، وقامت دولة الإسلام عليه .. سقطت عروش الجبابرة وانتشر الإسلام في كل بقاع الأرض }} ..

___________

اجتمع القوم .. وقالوا : 

لما مضى نصف الليل ، {{وإذا بطلعة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، تطل علينا }} ..

ومعه رجل بعضنا يعرفه ، وبعضنا لا يعرفه .. وهو {{ العباس بن عبد المطلب عم النبي ، وكان مازال على دين قريش ولم يعلن إسلامه بعد }} ..

حضر مع النبي ليطمئن على ابن أخيه ، فلما أقبل علينا ورأينا النبي ، قمنا لاستقباله والسلام عليه .. فطلب النبى من الجميع الجلوس ، ثم جلس صلى الله عليه وسلم ..


ثم أكمل كعب بن مالك الأنصارى حديثه قائلا :

كان العباس عم النبى أول من تكلم ، فقال : يا معشر الخزرج (( وكانت العرب تسمى يثرب أوسها وخزرجها بالخزرج ، وهى القبيلة الأكبر فى يثرب )) ، 

قال العباس : إن محمدًا منا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا ، فهو في عِز من قومه ومنعة في بلده ، وإنه قد أبَى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ، ومانعوه ممن خالفوه ، فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترون أنكم مُسْلِمُوه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم ، فمِن الآن فدعوه ، فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده ..

___________

قال كعب : فقلنا له ، قد سمعنا ما قلت ، فتكلم يا رسول الله ، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت .. 

فتكلم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتلا القرآن ، ودعا إلى الله ورَغٌَبْ في الإسلام ، ثم قال : أبايعكم على أن تؤمنوا بالله ، ولا تشركوا به شيئا ، وعلى السمع والطاعة فى النشاط والكسل ، والنفقة فى العسر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وأن تقولوا فى الله لا تخافوا فى الله لومة لائم ، وأن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم .. قال : فأخذ البراء بن معرور  بيده ، ثم قال : نعم ، والذي بعثك بالحق نبيا ، لنمنعك مما نمنع منه أزُرَنا (أى نساءنا وأهلنا) ، فبايِعنا يا رسول الله ، فنحن والله أبناء الحروب ، ورثناها كابراً عن كابر ، (( أى عن آبائنا وأجدادنا كبيرا عن كبير ،  فى العز والشرف )) .. 

قال : فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله ، أبو الهيثم بن التيهان فقال : يا رسول الله ، إن بيننا وبين الرجال حبالا ( يقصد اليهود بيننا وبينهم حبال وصل ومعاملة ) ، وإنا لقاطعوها ، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ( أى إن قطعنا علاقتنا باليهود وانضممنا إليك ) ، ثم أظهرك الله ، أن ترجع لقومك وتدعنا؟.. 

قال : فتبسم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم قال : 

بل الدم الدم ، والهدم الهدم (( أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم )) ، أنا منكم وأنتم منى ، أحارب من حاربتم ، وأسالم من سالمتم .. فقال الهيثم : إن بايعناك على ما طلبت ، فماذا لنا؟.. قال النبى : لكم الجنة .. ( وكأنه يبشرهم جميعا بالجنة ) .. فقالوا : لما التردد يا قوم؟.. 

فقال أسعد بن زرارة : مهلا .. تعلمون أنكم تبايعون على حرب العرب قاطبة ، فإن أنتم قوم تعلمون أنكم صابرون على هذا فبايعوه ، وإلا فمن الآن دعوه ، كما قال عمه .. فهو خير لكم فى الدنيا والآخرة ، وأعز لرسول الله .. فقالوا جميعا : 

والله ما جئنا إلا لنبايعه على ذلك ..

___________

فبايعوه رجلًا رجلًا بدءًا من أسعد بن زرارة وهو أصغرهم سنًا ، وكان الرِّجال تصفق على يدي النبي بالبيعة ، أما الامرأتان اللتان حضرتا البيعة مع أزواجهما ، فقال لهما النبي : «قَدْ بَايَعْتَكُمَا ، إنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ»، وكان ذلك في شهر ذي الحجة ، من العام الثالث عشر من البعثة ، قبل الهجرة إلى المدينة بثلاثة أشهر ، الموافق : (يونيو سنة 622م) .. فكانت هذه بيعة العقبة الثانية ، وهى ما سميت فى التاريخ ببيعة العقبة الكبرى .. وقد سميت أيضا ببيعة الحرب ، لأنها كانت تشمل البيعة على القتال ، والذى لم يكن شرطا فى البيعة الأولى ..


ثم قال لهم : «أَخْرِجُوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم بما فيهم» ، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا ، تسعة من الخزرج وهم : أسعد بن زرارة ، وسعد بن الربيع ، وعبد الله بن رواحة ، ورافع بن مالك ، والبراء بن معرور ، وعبد الله بن عمرو بن حرام ، وعبادة بن الصامت ، وسعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو .. وثلاثة من الأوس وهم : أسيد بن حضير ، وسعد بن خيثمة ، ورفاعة بن عبد المنذر ..


الحبيب المصطفى  «  ٩٩  »

 السيرة النبوية العطرة ..                                        ( النقباء )

___________

كما ذكرنا من قبل .. بعد أن تمت البيعة ، طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ، أن يختاروا ١٢رجلا ؛ليكونوا نقباء على قومهم .. 

[[ يتكفلون بالمسئولية عنهم في تنفيذ بنود هذه البيعة ]] ..


ولم يتدخَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر بتاتًا ..  ولكن تُرِكَت الحرية كاملة للأنصار في اختيار ممثليهم ، وجلس الأنصار معًا يُجرون عملية الانتخاب ، وقد اجتمع الأوس والخزرج لأول مرَّة في تاريخهم ، يختارون قيادة ائتلافية .. لقد كانوا من قبلُ يتصارعون ويتقاتلون ويذبح بعضهم بعضًا ، ثُمَّ آمنوا ، فانظر إلى حالهم وقد وضعوا أيديهم على أكتاف بعضهم البعض يختارون ممثلين شرعيين لمجتمعهم الجديد ..

فعمَّا قليل سيُصبح للإسلام دولة ، وإنَّ الذي جمع الأوس والخزرج هو توحيد الغاية والهدف ، فعندما كان الكرسي هدفًا والقيادة مطلبًا ، كان الخلاف والنزاع الذي لا نهاية له .. وعندما أصبحت الجنَّة هي الهدف والغاية والثمن ، عَلِمَ الجميع أن جنَّة الأوس هي جنَّة الخزرج هي جنَّة المهاجرين هي جنَّة كل المسلمين ، وانقلب التنافس على الكرسي إلى التنافس على الجنَّة ، قال تعالى : {﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ﴾} ..


قد علم الجميع أن الوحدة والألفة طريق إلى الجنَّة ، وأن الفرقة والتشرذم طريق إلى النار ، فجلس الجميع معًا منذ علموا هذه الحقيقة ، قال تعالى : {﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾} .. 

وفي دقائق معدودة انتخب الأنصار نوَّابهم ، وتمَّ الانتخاب بنسبة التمثيل في البيعة ، فكان الخزرج يُمَثِّلون 75٪ من المبايعين ، وكذلك كان نُوَّابهم يُمَثِّلُون 75٪ من النواب .. والباقى كان من نصيب الأوس ، وقد ذكرنا أسماء هؤلاء النقباء ، فى الحلقة السابقة ..

وبالنظر إلى أسماء النقباء ، نلاحظ عدم وجود البطل الإسلامي العظيم ، سعد بن معاذ رضي الله عنه بينهم ، الذي لم يستطع أن يحضر هذه المباحثات في مكة لسبب غير معروف ..

___________

بعد أن تمت عملية الانتخاب ، قال صلى الله عليه وسلم للنقباء : .. {{ أنتم على قومكم كفلاء ، كفالة الحوارين لعيسى بن مريم .. وأنا كفيل على قومي }} ..


بهذا يستطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يُدير الأمور بكفاءة كاملة ، فقد جعل كل نقيب من هؤلاء النقباء مسئولًا عن الأنصار الذين تحت إمرته ، فيحمل لهم أوامر القيادة النبوية ، ويتعهَّد بمتابعة تنفيذ هذه الأوامر بدقَّة ، ولم يكتفِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك .. بل طلب من نقباء يثرب أن يختاروا واحدًا منهم يكون بمثابة نقيب النقباء ، فاختاروا أصغرهم، وهو أسعد بن زرارة رضي الله عنه .. وكان من الواضح أنه شاب موهوب صاحب ملكات فذَّة أهَّلته لهذا المنصب الرفيع ، كما لم يعفِ رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه من المسئولية ، فجعل نفسه كفيلًا على المسلمين من أهل مكة ، بمعنى أنه يتحمَّل مسئولية أهل مكة بعد الهجرة ، ويتكفَّل بأمورهم أمام الأنصار ..


ثم قال : انفضوا إلى رحالكم [[ أي تفرقوا ]] تسلل القطا كما جئتم لا يشعرن بكم أحد ، 

[[ أخذا بالحيطة والأسباب ]] ..

___________

ولكن لأمر يريده الله ، اكتشف مشركو قريش ، أمر هذا اللقاء ..  

فأدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم خطورة الموقف ، وعَلِمَ أن قريش ستأتي بعد قليل إلى هذا المكان ، فقال للأنصار بسرعة : «ارْفَعُوا إِلَى رِحَالِكُمْ» .. إنه يُريد لهم العودة إلى خيامهم مسرعين حتى لا يُكْشَف أمرهم ، لكنه فُوجئ بالعباس بن عبادة رضي الله عنه ((أحد المجتمعين من أهل يثرب)) يقول له : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَئِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ عَلَى أَهْلِ مِنًى غَدًا بِأَسْيَافِنَا .. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : 

  «لَمْ أُؤمَرْ بِذَلِكَ» ..

___________

 ما إن أشرقت الشمس حتى جاءت قريش تسأل الخزرج ما الأمر الذي اتفقتوا عليه ليلاً مع محمد ؟؟ 

هل تحالفونه على حربنا؟؟..

يقول كعب بن مالك : فأخذ بعضنا ينظر إلى بعض ..

من الذي سرٌَب الخبر؟؟..

قال كعب : وقام المشركون الذين أتوا معنا من يثرب ((وكانوا لا يعلمون بأمر اللقاء والبيعة)) .. قاموا يقسمون لقريش باللات والعزى ، أنه لم يكن مما تقولون شيء [[ وهم صادقون لأنهم لم يعلموا ]] .. ثم توجهت قريش بالكلام إلى سيد الخزرج  ، وهو أيضاً لا يعلم بالموضوع وهو {{ عبد الله بن سلول }} ..

عبدالله بن سلول هذا ، سيأتي ذكره معنا فى السيرة ..  [[ لما هاجر النبي للمدينة ، وانتشر الإسلام أصبح رئيس المنافقين فى المدينة ]] 

وسبحان من ساقه ليكون في هذا الموقع ؛ لأن قريش تثق به .. 

فقال عبد الله بن سلول : ما هذا يا قريش إني زعيم قومي كما تعلمون ، ولا يخفى عليّ أمر مثل هذا .   .

 فو اللات والعزى ، ما حدث ما تذكرون أبداً ..

قالوا : صدقت يا ابن سلول فمثلك لا يكذب ، [[ المشركون يصدقون بعضهم البعض ]] ..

___________

فلما انطلقت قريش ، أسرع القوم بالخروج من مكة ، ولكن انتشر الخبر أكثر ، فلقد بحثت قريش ودققت بالخبر ، حتى تأكدوا أنه كانت هناك بيعة مع محمد في تلك الليلة صلى الله عليه وسلم .. 

وكان الأنصار أهل يثرب قد رحلوا ، وأصبحوا على أطراف مكة ..

فطاردوا المسلمين المبايعين ، ولحقت قريش بآخر القافلة .. فأدركوا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو ، فأما المنذر فاستطاع الهروب ، وأما سعد فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه ، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ،

 [[ سعد بن عبادة هو سيد الخزرج ]] .. أوثقوه بالحبال ،

وأعادوه إلى مكة ضرباً وتوبيخاً .. 


يقول سعد بن عبادة راوي هذا الحديث : 

فبينما هم يضربوني ، اقترب مني رجل لا أشك أنه يكتم إيمانه .. [[يعني مسلم من مسلمى مكة ، من بين المستضعفين]] ..

كان يقف مع قريش ، فهمس في أذني وقال : ويحك أليس بينك وبين أحد من رجال قريش عهد؟؟ .. فقلت له  : 

بلى والله إني كنت مجير ، {{المُطعم بن عدي }} في تجارته 

[[ يعني لما كانت تمر تجارة {{ المُطعم }} من يثرب ، كان سعد يحمي تجارته ]] ..

قال له : فناديه باسمه ، وأنا أذهب وأبلغه .. 

قال : فهتفت باسم المُطعم ..

___________

ثم انطلق الرجل إلى المُطعم ،

وقال : يا مُطعم بن عدي ، هناك رجل من أهل يثرب يصرخ باسمك ، ويقول بينك وبينه عهد ، و إنه الآن يُضرب من قريش .. 

قال : ما اسمه ؟؟!!

قال له : سعد بن عبادة .. 

فقام المُطعم مسرعا [[ تتذكرون المطعم بن عدي؟؟.. هو الذي أجار النبي صلى الله عليه وسلم عندما رجع من الطائف ]] .. قام المُطعم مسرعاً يجر ردائه ، ومعه جبير بن المطعم ، والحارث بن حرب بن أمية .. فأبعدهم عن سعد بن عبادة وقال : 

ويلكم .. أنسيتم أن الرجل من سادة يثرب ، وأن تجارتكم لا تأتي إلا عليهم ، ابتعدوا عن الرجل .. قال سعد : ففك وثاقي وأطلقني ، ثم انطلقت إلى يثرب سالماً .. 

انطلق الناس إلى يثرب وعلم أهل مكة ، أنه تمت بيعة بين أهل يثرب وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، فزاد الأذى على النبي وأصحابه ..


وهكذا ، انتهت مراسم البيعة الفريدة المباركة بنجاح ، بل نجحت نجاحًا ما كان أحد يتخيَّله .. وقد تَمَّ كل هذا النجاح في عقر دار المشركين ، ووسط الأعداد الهائلة من أعداء الله عز وجل ، وصدق الله عز وجل إذ يقول : {{ إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ }} صدق الله العظيم ،،

___________

نقف هنا ، ونترك أهل يثرب ينشرون الإسلام في المدينة ، ونرجع إلى بيت النبوة ..


ماذا حدث به بعد وفاة أم المؤمنين خديجة؟؟..

لأنه لا بد من ترتيب هذه الأمور ، قبل هجرته صلى الله عليه وسلم ، كي ننهي العهد المكي ، بما فيه من ألم ، ونتجه إلى بداية أعظم دولة ظهرت على وجه الأرض ، الدولة الإسلامية 

بقيادة .. {{  النبى محمد صلى الله عليه وسلم }} ..



الحبيب المصطفى 《 ١٠٠》

  السيرة المحمدية العطرة ..

(زواجه صلى الله علي وسلم من سودة بنت زمعة) ..

__________

كانت خديجة رضي الله عنها من أحب خلق الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكان رحيلها مصاحبا لرحيل عمه أبي طالب ، الذي كان رغم كفره ، يمنع عنه أذى قريش ، حتى سمّي العام الذي توفيت فيه بعام الحزن .. الذى وافق العام العاشر من البعثة (الثالث قبل الهجرة) .. 


فأشفق الصحابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم من بقائه وحيدا ، بعد أن فقد أم العيال ، وقد داخلته وحشة ، وأصبح بحاجة إلى سكن .. 

فأرسلوا إليه الصحابية الجليلة خولة بنت حكيم زوجة عثمان بن مظعون ، تقترح عليه الزواج مجددًا .. فدار بينهما الحوار التالي كما نقله ابن كثير في "البداية والنهاية" ..

___________

فقالت : بأبى وأمى يا رسول الله ، أرى قد دخلتك وحشة بعد خديجة .. ألا تتزوَّج؟؟..

فأطرق برأسه صلى الله عليه وسلم ، وبكى حتى ابتلت لحيته ..

وقال : "ومَنْ بعد خديجة؟"

قالت: إنْ شئتَ بكرًا ، وإنْ شئتَ ثيِّبًا ..

فقال: "ومَنِ الْبِكْرُ وَمَنِ الثَّيِّبُ؟"

قالت: أمَّا البكر فابنة أحبِّ خلق الله إليك ، عائشة بنت أبى بكر الصديق ..

فقال النبى : ولكنها لم تنضج بعد يا خولة .. [[ وكانت عائشة على أرجح الروايات ، قد تجاوزت التاسعة من عمرها ]] ..

قالت : أخطبها من أبيها ، وتبنى بها بعد ذلك ، [[ تبنى بها ، ما نسميه نحن الزفاف والدخلة ]] ..

فقال النبى : ومن للبيت والعيال يا خولة؟..

قالت : هناك أخرى يا رسول الله ، أحببت أن أقدم لك البكر أولا ،  فإن شئت فامرأة ثيب ..

قال : ومن؟..

قالت : أما الثيِّب .. فسودة بنت زمعة ، قد آمنت بك واتبعتك ..

فدمعت عينا النبى عند سماع اسم سودة ، لأن مهام الدعوة شغلته عنها ..  فقد كانت مؤمنة من أهل مكة ، وكانت ممن هاجر إلى الحبشة بصحبة زوجها ، ثم عادت إلى مكة .. وكانت قد ترملت بوفاة زوجها ، وعندها خمسة وقيل ستة من الأولاد الذكور ، وأمست السيدة سودة - رضي الله عنها - بين أهل زوجها المشركين ، وحيدة لا عائل لها ولا معين .. حيث أبوها ما زال على كفره وضلاله ، ولم يزل أخوها عبد الله بن زمعة أيضا ، على دين آبائه ، وهذا هو حالها قبل زواج الرسول صلى الله عليه وسلم منها ..


قال صلى الله عليه وسلم : "فَاذْكُرِيهِمَا عَلَيَّ" .. ((أى اذهبى إليهما ، واستطلعى رأيهما فى الزواج منى )) ..

___________

فذهبت بالفعل السيدة خولة - رضي الله عنها - إلى السيدة سودة ، فقالت : 

ما أدخل الله عليكِ من الخير والبركة ..

قالت : وما ذاك؟

قالت : أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطبك إليه ..

قالت : وَدِدْتُ .. أدخلي إلى أبي فاذكري ذلك له ، وكان أبوها شيخًا كبيرًا ، قد أدركه السنُّ وقد تخلَّف عن الحجِّ ، فدخلت عليه  فحيَّته بتحية الجاهليَّة .. 

فقال : مَنْ هذه؟

قالت : خولة بنت حكيم ..

قال : فما شأنك؟

قالت : أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة ..

فقال : كفء كريم ، ما تقول صاحبتك؟.. ( أى ما رأى سودة؟.. ) ..

قالت : تحبُّ ذلك ..

قال : إدعيها إليَّ ،  فدعتها ..

قال : أيْ بُنَيَّة ، إنَّ هذه تزعم أنَّ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبكِ ، وهو كفء كريم ، أتحبِّين أنْ أزوِّجَكِ به؟؟..

قالت : نعم ..

قال : إدعيه لي ..

فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيها ، فزوجها إياه ..

وكان الزواج عند العرب ، وإن لم يكونوا على الإسلام له أصوله .. فكان زواج نكاح لا سفاح ، ولا بد أن يزوج المرأة ولى أمرها ، وأن يسمى المهر ويتواجد شهود .. 

___________

وتعدُّ السيدة سودة أوَّل امرأة تزوَّجها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد خديجة ، وكانت قد بلغت من العمر حينئذٍ الخامسة والخمسين ، بينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمسين من عمره ، وكان زواجهما فى رمضان من السنة العاشرة من البعثة النبوية .. ولما سمع الناس في مكة بأمر هذا الزواج عجبوا ، لأن السيدة سودة لم تكن بذات جمال ولا حسب ، ولا مطمع فيها للرجال ، وقد أيقنوا أنه إنما ضمَّها رفقًا بحالها ، وشفقة عليها ، وحفظًا لإسلامها ، وجبرًا لخاطرها بعد وفاة زوجها إثر عودتهما من الحبشة ، وكأنهم علموا أنه زواج تمَّ لأسباب إنسانيَّة ..

 إنتقلت السيدة سودة لبيت النبى ، صلى الله عليه وسلم ، وهى تعلم أنها لن تملأ فراغ السيدة خديجة بنت خويلد .. وفرح بقدومها أهل بيت النبى ، الذى كان يضم : أم كلثوم وفاطمة ابنتا النبى .. (( كانت الابنة الكبرى زينب قد تزوجت من ابن خالتها أبي العاص بن الربيع ، وأيضا رقية كانت متزوجة من عثمان بن عفان )) ، وأم أيمن بركة (( حاضنته وجاء ذكرها فى السيرة )) ، وزيد بن حارثة وابنه أسامة بن زيد ((ابنه من زوجته أم أيمن حاضنة الرسول)) .. وجاءت سودة لتقوم على خدمة النبى ، وترعى شئونه الخاصة ، وكان من مكارم أخلاقه أنه دخل عليها ، واتخذها زوجة بالمعنى الصحيح للزواج .. فكان زواجه منها صلى الله عليه وسلم ، كفالة لها ولأبنائها ، وإنقاذا لهم من الضياع .. 

وقد قابل قوم السيدة سودة ، وهم بنو عبد شمس ، هذه الالتفاتة من الرسول صلى الله عليه وسلم ، بالإعجاب والثناء ، لدرجة أنهم خففوا من عداوتهم للنبى ..

___________

لكن على الرغم من أن الشائع أن الرسول صلى الله عليه وسلم ، تزوج من سودة بنت زمعة أولًا .. إلا أن ابن كثير رجح في "البداية والنهاية" ، أنه تزوج عائشة أولًا ، ولكن كما يقول ابن كثير ، أن دخول النبي على سودة كان بمكة .. أما دخوله على عائشة فتأخر إلى المدينة في السنة الثانية من الهجرة ، لكنه يقول إن عقده على عائشة ، كان متقدمًا على زواجه بسودة بنت زمعة رضي الله عنها ..

 

وكانت سودة بنت زمعة ، قد تزوجت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من إبن عمها ، ((السكران بن عمرو بن عبد شمس)) ، وكان السكران بعد دخوله فى الإسلام ، من ضمن من هاجروا إلى الحبشة في الهجرة الثانية وبرفقته زوجته السيدة سودة ، ومات بعد عودته بأهله إلى مكة ..


وحين حانت الهجرة إلى المدينةالمنورة .. 

أمر النبي عليه الصلاة والسلام ، زيد بن حارثة وأبا رافع الأنصاري (مولى الرسول) ، أن يأخذا أهل بيته ليهاجروا إلى المدينة ، بعد أن كان قد هاجر هو أولا ، وهاجر على بن أبى طالب من بعده بثلاثة أيام ... فأخذا سودة ومعها فاطمة الزهراء وأم كلثوم ابنتا النبى ، وأم أيمن وأسامة بن زيد وكان طفلا صغيرا .. 


وكانت سودة كبيرة فى السن ، فخافت أن يفارقها النبي صلى الله عليه وسلم .. فقالت : « يا رسول الله ، يومي الذي يصيبني لعائشة وأنت منه في حلّ » .. (( أى تنازلت عن يومها المقرر لها لعائشة ، وذلك بعد أن أقاما بالمدينة المنورة ، وبعد دخول النبى بعائشة )) .. فقبله النبيّ ، وفي ذلك نزل قوله تعالى : {{ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا }} صدق الله العظيم ،، 

___________

أما عن علاقة عائشة بها ، فروي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت : "مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ فِي مِسْلَاخِهَا - أي جِلدِها - مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ ، مِنِ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ" .. وتفسر لنا ذلك دار الإفتاء في موقعها الرسمي ، بأن السيدة عائشة رضي الله عنها ، تمنت أن تكون في مثل هديها وقوتها وطريقتها ، فلم تكن تريد أن تعيبها بذلك ، بل كانت تصفها بقوة النفس وهي الحدة ..


أما عن موقف أخيها من زواجها ، برسول الله صلى الله عليه وسلم 

((وقد كان أخوها ما زال مشركا)) ، فعن عائشة قالت : تزوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة ، فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج ، فجعل يحثو التراب على رأسه .. فقال بعد أن أسلم : إني لسفيهٌ يوم أحثو في رأسي التراب أن تزوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم بسودة بنت زمعة ..


وكانت سودة ممن نزل فيها آيات الحجاب ، فخرجت ذات مرة ليلًا لقضاء حوائجها ، وكانت امرأة طويلة جسيمة تفرُعُ النساء جسمًا ، لا تخفى على من يعرفها .. فرآها عمر بن الخطاب ، فعرفها .. فقال : عرَفناكِ يا سَودَةُ ، حِرصًا منه على أن يَنزِلَ الحجابُ ، فنزل قوله تعالى : 《يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا》صدق الله العظيم ،،،

___________

وحينما نطالع سيرة السيدة سودة العطرة ، نراها سيدةً جمعت من الشمائل أكرمها ، ومن الخصال أنبلها ، وقد ضمّت إلى ذلك لطافةً في المعشر ، ودعابةً في الروح ، مما جعلها تنجح في إذكاء السعادة والبهجة في قلب النبي صلى الله عليه وسلم .. ومن قبيل ذلك ما أورده ابن سعد ، أنها صلّت خلف النبي صلى الله عليه وسلم ذات مرّة في تهجّده ، فثقلت عليها الصلاة (( لأن النبى صلى الله عليه وسلم ، كان يطيل الركوع والسجود .. وكانت السيدة سودة بدينة الجسم ، فكان يشق عليها ذلك )) ، فلما أصبحت قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " صليت خلفك البارحة ، فركعتَ بي حتى أمسكت بأنفي ، مخافة أن يقطر الدم ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت تضحكه فى الكثير من الأحيان ..

ومن مزايا السيدة سودة رضى الله عنها أيضا ، أنها كانت معطاءة تكثر من الصدقة .. حتى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فى زمن خلافته ، بعث إليها بغِرارة (( الغرارة ، وعاء تُوضع فيه الأطعمة )) من دراهم .. فقالت : ما هذه؟؟.. قالوا : دراهم .. 

قالت : في غرارة مثل التمر؟؟.. فما كان منها ، إلا أن فرقتها بين المساكين ..


وقد شهدت السيدة سودة مع النبى ، غزوة خيبر وحجة الوداع .. وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، رفضت السيدة سودة أن تخرج لتحج وتعتمر ، مع نساء النبي  صلى الله عليه وسلم .. 

وقالت : "قد حججت واعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأنا أقعد في بيتي كما أمرني الله" .. 

وظلت بالفعل في بيتها حتى توفيت في شوال سنة أربع وخمسين هجريًا بالمدينة ، وكان ذلك فى خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، بعد أن أوصت ببيتها لعائشة ..



السيرة المحمدية العطرة .. 90- 94

 الحبيب المصطفى  « ٩٠  »

السيرة المحمدية العطرة .. 

(( هل رأى رسول الله ربه ))

___________

عند سدرة المنتهى ، وصل جبريل مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحجاب ، وفيه منتهى الخلق .. فاستلمه ملك وتخلف عنه جبريل ، فارتقى به الملك .. 

 يقال حتى تجاوز سبعين ألف حجاب ، ليس فيها حجاب يشبه حجاب ، وبين كل حجاب وحجاب مسيرة خمسمائة سنة ،  وذهب به إلى قرب العرش (( يقول الرسول صلى الله عليه وسلم .. ثم عُرج بى حتى وصلت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام ، وهى صوت أقلام القدرة بيد الملائكة ، تكتب مقادير الخلق )) .. ومنها ترقى حتى وصل إلى منزلة قاب قوسين أو أدنى ، كما قال تعالى : 

(ثم دنا) .. أي دنا محمد إلى ربه تعالى ، أي قرب بالمنزلة والمرتبة لا بالمكان فإنه تعالى منزه عنه ، وإنما هو قرب المنزلة والدرجة والكرامة والرأفة ، (فتدلى) أي سجد لله تعالى ، وفي السجدة أداة القرب من الله ، (فكان قاب قوسين أو أدنى) .. 

ولهذا قال النبى : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ..

 قال تعالى : 

  {{ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ }} ..

___________

هنا أحب أن أوضح حقيقة هامة ، أجمع عليها الغالبية العظمى من العلماء ورواة السيرة ، وأنا شخصيا سمعتها من قبل ، بل وكنت أرددها أيضا وهى :


أنه يقال .. إن التحيات ذكرت في قصة المعراج ، عندما عرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء ، ووصل سدرة المنتهى ، فلما تعداها ودنا من العرش ، سجد الرسول صلى الله عليه وسلم وقال : ( التحيات لله والصلوات والطيبات ، فقال الله جل جلاله : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، فقالت الملائكة أو قال الرسول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .. ثم أكملت الملائكة : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ... إلى آخر التشهد ).. فما حقيقة ذلك؟؟


الجواب : أنه لا يعرف لهذه القصة أصل ولا سند ، ولم نقف لها على أثر في كتب السنة الصحيحة ، وقصة المعراج ثابتة بتفاصيلها في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما ، وليس فيها شيء عن مناسبة ذكر التشهد المعروف في الصلاة ، وكذلك لم يرد شيء عن هذه القصة حين عَلَّمَ النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام هذا التشهد ..

فقد روى الشيخان : البخاري  ومسلم  عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ : ( كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ :

إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ ، فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ..


أما حقيقة ما جاء عن العلماء ورواة السيرة ، عن هذا الموضوع هو : أن الرسول عليه الصلاة والسلام ، عندما ارتقى به الملك ( الذى استلمه من جبريل ) ، حتى دنا من العرش .. كان يجب عليه أن يتوجه بالتحية لرب العزة .. فأنطقه الله التحيات ، فقال عليه الصلاة والسلام : [[ التحيات المباركات والصلوات الطيبات لله ]] ، ثم فرض الله على النبى وأمته خمسين صلاة كل يوم وليلة ... لكن لم يحدث هذا الحوار ، الذى يذكره البعض عن أصل نص التشهد ، الذى يأتى فى وسط ونهاية الصلوات .. 

___________

وهنا سأتوقف ، عن سرد ما جاء في الروايات عن السلف الصالح ؛ لأننا في  زمن كثر فيه الجدال ، لأتحدث عن موضوع آخر فى منتهى الأمية وهو : 


السؤال الذي يدور في أذهان الكثير من الناس .. هل رأى رسول الله ربه حين عرج به إلى السماء؟!.

جاء في نص صحيح البخاري عن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، أنها عندما سُئلت عن ذلك قالت : 

من حدثك أن محمد قد رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله ، ثم تلت قوله تعالى : {{ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير }} ..


وهناك أقوال أخرى تخص هذا الموضوع ، سأذكرها على سبيل الذكر فقط ، وليس للأخذ بها ..


١ - في مذهب  ابن عباس رضي الله عنه (وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم ، وحبر الأمة وفقيهها ، وإمام التفسير وترجمان القرآن) .. يقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم ، قد رأى ربه ..

٢ - الإمام الحسن البصري عندما سأله أحد تلاميذه هل رأى رسول الله ربه؟!

فقال له : رآه ، رآه ، رآه ، حتى انقطع نفسه ..


هذا الاختلاف فى الأقوال ، كيف يفسر؟؟.. وللعلم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصرح بذلك .. 

حتى حديث {{ السيدة عائشة }} موقوف لم ترفعه إلى النبي ..


فى رأيى أنه لا يوجد اختلاف فى الأقوال ، ولكن الاختلاف في {{ الفهم }} ..

السيدة عائشة تقول : من قال أن محمد رأى ربه فقد أعظم الفرية  على الله .. والمقصود بقولها {{ رؤيا العين الطبيعية }} ..

وابن عباس رضي الله عنه ، قال ... رآه ، ولكن ليس رؤية المثل بالمثل والإحاطة ، رآه بعين قلبه وبصيرته .. 

بدليل قوله تعالى : {{ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور }} ..

نقول : رأى الله كما يريد الله .. 

___________

والرؤية ليست مستحيلة ، ولو كانت مستحيلة ما ذكرها الله .. قال تعالى : {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } 


هذه الرؤية ليست فى الدنيا ، ولكن موعدها في الآخرة ، فسوف يرى النبي صلى الله عليه وسلم الله فى الآخرة ، وكذلك المؤمنون سيرونه يوم الحساب ..  وسيرى أهل الجنة الله ، بإجماع أهل السنة والجماعة ، بحيث يرونه رؤية ثابتة واضحة بيقين لا شبهة فيها ، ووضوحها ويقينها كرؤية الشمس والقمر .. وهذه الرؤية خاصة بأهل الإيمان ، أما الكُفار فهم محجوبون عن رؤية الله -تعالى- بنص القرآن الكريم ..

ويوضح لنا النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، قال : 

{{ إنكم سترون ربكم يوم القيامة ، كرؤيتكم هذا البدر لا تضامون فيه }} أي لا تزدحمون عليه ، ولكن كيف؟!. 

الله أعلم ، كما يريد الله سبحانه وتعالى .


الحبيب المصطفى «  ٩١ »

السيرة المحمدية العطرة ..

        (( فرض الصلاة  ))

___________

يقول صلى الله عليه وسلم ثم دعيت ، أدنو يا محمد فدنوت ، فكلمني ربي بلا واسطة .. 

[[ ماذا جرى من الكلام لم يصفه النبي .. ولكن خلاصته أن الله عز وجل ، فرض عليه وعلى أمته ، خمسين صلاة فى اليوم والليلة ]] ..

 ثمَ عاد النبى صلى الله عليه وسلم ، إلى سدرة المنتهى ..

فصَحِبهُ جبريلُ - عليه السلام - فأدخلهُ الجنَّةَ ، فرأى من نَعيمها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ، ثمَّ عرضَ عليهِ النَّارَ ، فَنَظَرَ في عذابِها وأغلالِها .. ثمَّ أخرجَهُ جبريلُ وهبط به ، حتَّى أتيا نبيَّ اللهِ موسى فى السماء السادسة .. 

___________

سأل سيدنا موسى الرسول عليه الصلاة والسلام : ماذا فرض ربك عليك وعلى أمتك؟؟..

قال له : خمسين صلاة في اليوم والليلة .. 

فقال له موسى :

 أمتك لا تطيق ، وإني قد جربت بني إسرائيل من قبل ، فارجع إلى ربك واسأله التخفيف .. فرجع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه يسأله التخفيف ،  فخفَّفَ عنهُ عشرًا ، ثمَّ  عاد إلى موسى ، فأرجَعهُ موسى مرة أخرى إلى ربه فسألهُ التَّخفيفَ ، فخفَّفَ اللهُ عنهُ عشرًا .. ثمَّ لم يَزلْ بينَ ربِّهِ وموسى ، حتَّى جَعلَها الله خمسَ صلواتٍ في اليومِ واللَّيلَةِ ، ثمَّ طلب منه أيضا سيدنا موسى الرجوع إلى ربِّهِ يسألهُ التَّخفيف ، فأعرَض الرَّسولُ عليه الصَّلاة والسَّلامُ عن ذلكَ ، استحياءًا من الله تعالى وإجلالًا .. فناداهُ ربُّه :  

إنِّي قد فرضْتُ عليكَ وعلى أمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً، وَالْخَمْسُ بِخَمْسِينَ،

 وَقَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وخَفٌَفْتُ عَنْ عِبَادِي..


هل أدركتم الآن قيمة الصلاة ، ما فرضها الله في الأرض ، بل فرضها فى السماء ، لشدة أهميتها .. نحن نصلي خمس فرائض فى اليوم والليلة ، والملائكة تسجل لنا في صحيفة أعمالنا ، خمسين صلاة كما فرضت ..  

قال تعالى {{ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ }} ..

___________

فلما فرض الله على نبيه الصلاة ، هبط النبي صلى الله عليه وسلم فكان معه إبراهيم عليه السلام من السماء السابعة ، وهبط معه موسى عليه السلام ، الذي في السماء السادسة ، ثم هبط معهم هارون عليه السلام من السماء الخامسة .. وهكذا تبعه كل نبى مقيم فى كل سماء ، وتبعته الملائكة ..

___________

نزل صلى الله عليه وسلم إلى صخرة بيت المقدس ومعه الأنبياء .. وكان قد تعرف عليهم أثناء رحلة المعراج بواسطة جبريل .. فدخلوا بيت المقدس ، 

ونادى جبريل للصلاة [[ ليست صلاة الفجر ، إذ لم تكن قد حددت أوقات الصلاة بعد .. كانت ركعتين شكر لله تعالى ، صلّاها الأنبياء مع النبي صلى الله عليه وسلم ]] .. نادى جبريل للصلاة ، فاصطف الأنبياء ، ثم نادى جبريل بالملأ الأعلى ، فهبط كبار الملائكة ووقف الجميع .. 

فتقدم جبريل وأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم ، وقدمه للإمامة ، فصلى بهم ركعتين في بيت المقدس صلى الله عليه وسلم {{ إمام الأنبياء والمرسلين}} ..

___________

 ما معنى إمامته بالأنبياء جميعاً؟!.

 أولا : تشريف وتقديم له عليهم جميعاُ صلى الله عليه وسلم ، بما فيهم أولي العزم الأربعة : 

 إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن .. ونوح عليه السلام ..

 وموسى عليه السلام .. وعيسى عليه السلام .. 

وخاتمهم محمد ، إمامهم جميعا صلى الله عليه وسلم .. 


والمعنى الآخر من إمامته بالأنبياء جميعا صلى الله عليه وسلم :

إعلان بأن الدين عند الله واحد ، 

 فدين جميع الأنبياء هو الإسلام .. ولكن تعددت الشرائع ،

وهذا كلام الله ، قال تعالى :

{{ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ }} ..

وقال تعالى : 

{{ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}} ..

فلا يجوز ولا يقبله عقل ، ما جاء بشريعة المسيحيين أن لله ولد ، تعالى الله عما يصفون ..

قال تعالى : {{ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا }} ..

___________

فدين موسى وعيسى وإبراهيم عليهم السلام ، هو {{ الإسلام }} .. بدليل قوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام ، ويعقوب وأبناؤه الأسباط أجداد بني إسرائيل : 

{{ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ *وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }} ..


وكان عيسى عليه السلام يحيي الموتى ، ويبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيرا بإذن الله ... ولأنه كانت تظهر على يديه خوارق ، اختلط الأمر على أتباعه ، فظنوا أنه إله .. قال تعالى :

{{ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }} .. 

مسلمون ، يعني أتباع سيدنا عيسى كانوا على الإسلام ، وهذا كلام الله ..

___________

 كانت صلاة الركعتين بعد المعراج فى المسجد الأقصى ، إشارة ورسالة من الله عز وجل إلى كل خلقه ، أن {{ الدين واحد والشرائع متعددة }} .. ودليل قاطع على قوله تعالى :

{{ إن الدين عند الله الإسلام }} .. 


الحبيب المصطفى «  ٩٢ »

السيرة النبوية العطرة ..

        (( المسجد الأقصى ))

__________

بعد صلاته صلى الله عليه وسلم بالأنبياء عليهم السلام ودّعهم ، ثم أخذ بيديه جبريل وقدم إليه البراق ، ثم عاد من بيت المقدس إلى المسجد الحرام قبل أن يطلع الفجر ..

___________

والسؤال هنا : لماذا يسرى بالنبي صلى الله عليه وسلم ، من {المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} ثم يعرج به إلى السماء؟؟..

لماذا لم يعرج به ، من عند الكعبة مباشرة إلى السماء؟!..


حتى نعرف سر حادثة الإسراء .. 

أقول لكم : أيها الأمة ، يا خير الأمم ، بكم بإذن الله تختم الأمم ، فأنتم خير أمة  أُخرِجت للناس ، وأنتم أحب الأمم إلى الله عز وجل ، منذ أن خلق الله هذا الكون .. وبما أنه بكم سيختم هذا العالم بإذن الله ، فالجولة  الأخيرة ستكون {{ بينكم وبين  المغضوب عليهم اليهود }} ..


 أليس الصراع الآن على بيت المقدس؟؟..

هل هو للمسلمين ...  أم لليهود ؟

عندما ذكر الله الإسراء .. 

قال تعالى :

{{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا }} ..

هل رأيتم حكمة الله في ذلك ، 

[[ لماذا فى ذكر الإسراء ، عطف الله الحديث مباشرة على موسى وبني إسرائيل .. وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرًا؟.. ]]

إذا هنا يوجد رابط ، ألا وهو صراع طويل سيكون بين أمة الحق ، خير أمة على وجه الأرض ، وبين أطغى أمة وهى المغضوب عليهم اليهود ..

وللباطل جولات وجولات ، ولكن فى الجولة الأخيرة ، ستوجه لهم ضربة واحدة تنسفهم نسفا .. 

{{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ }} .. 

___________

نعود إلى : {{ المسجد الأقصى }} 

لماذا عُرج بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الأقصى وليس من المسجد الحرام؟!. 


قيل أن الحكمة في الإسراء بالنبي ، إلى بيت المقدس أولا ، قبل أن يعرج به إلى السماء .. هى لأن الله تعالى ، كان يعلم أن كفار قريش ، كانوا يكذبونه فيما يخبرهم به من أخبار السماوات .. وبالقياس على ذلك ، فإنهم بالتأكيد سوف يكذبونه ، إذا ذكر لهم أنه عُرِج به إلى السماء ، فأراد الله أن يخبرهم النبى ، بوصف الأرض التي قد بلغوها وعاينوها ، وهم يعلمون علم اليقين ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يدخل بيت المقدس قط .. فلما أخبرهم بأخبار بيت المقدس على ما هو عليه ، لم يمكنهم أن يكذبوه في أخبار السماء بعد أن صدّقوا أخبار الأرض ..


والسبب الآخر ، كى يدرك المسلمون قيمة المسجد الأقصى؟؟.. الذي هو حق على كل  مسلم ، بغض النظر عن جنسيته .. حق المسجد الأقصى في عنق كل مؤمن ، يُسأل عنه يوم القيامة .. فالمسجد الأقصى لكل المسلمين ، وليس لأهل فلسطين وأهل المقدس وحدهم .. 

___________

لذلك ، وحتى نعلم أبناءنا ، الصغير منهم قبل الكبير ، كل ما يتعلق بالمسجد الأقصى وفضائله .. دعونا نلقى الضوء عليه فى النقاط التالية ..


المسجد الأقصى : 

هو واحد من ثلاثة مساجد تُشد لها الرحال كما ورد عن النبى صلي الله عليه وسلم فى حديثه : ((لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد : المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدى هذا)) ، وكما ذكرنا من قبل ، الصلاة فيه بخمسمائة صلاة فيما سواه ..


​ولا يعرف الكثيرون الفرق بين المسجد الأقصى وقبة الصخرة ، فأغلب الناس يظنون أن المسجد الأقصى هو المميز بالقبة الذهبية لقربهما من بعضهما ، وهذا خطأ ، والحقيقة أن مسجد قبة الصخرة ، ما هو إلا مُصلى يقع ضمن حدود المسجد الأقصى ..


والمسجد الأقصى هو أحد أكبر مساجد العالم ومن أكثرها قدسية للمسلمين ، وهو أيضا أولى القبلتين وثالث الحرمين ..

 

أين يقع المسجد الأقصى؟؟..

"يقع المسجد الأقصى داخل البلدة القديمة ، بالقدس الشريف بدولة فلسطين ، وهو كامل المنطقة المحاطة بالسور ، واسم لكل ما هو داخل سور المسجد الأقصى الواقع فى أقصى الزاوية الجنوبية الشرقية من البلدة القديمة المسورة" ..


 ما هو مسجد قبة الصخرة؟.

"مُصلى قبة الصخرة هو أحد أجزاء المسجد الأقصى" ، ومسجد قبة الصخرة هو جزء من أحد أهم المساجد الإسلامية فى مدينة القدس ، ويُعد أيضاً من أجمل الأبنية فى العالم ، وتعد قبّته من أهم وأبرز المعالم المعمارية الإسلامية ، وهو أقدم بناء إسلامى بقى مُحافظاً على شكله وزخرفته ..


متى تم بناء مسجد قبة الصخرة؟.

"بَنَى مسجد قبة الصخرة والقبة الذهبية ، الخليفة عبد الملك بن مروان ، وبدأ فى بنائها عام 66 هجريا الموافق 685 ميلاديا ، وانتهى منها عام 72 هجريا الموافق 691 ميلادية ..


ما هى مساحة المسجد الأقصى؟؟..

"تبلغ مساحة المسجد الأقصى قرابة 144,000 متر مربع ، ويشمل قبة الصخرة والمسجد القبلى والمصلى المروانى وعدة معالم أخرى يصل عددها إلى 200 معلم ، ويقع فوق هضبة صغيرة تسمى "هضبة موريا"، وتعد الصخرة أعلى نقطة فيه ، وتقع فى قلبه" ..


 متى تم بناء المسجد الأقصى؟؟..

لا يعرف بشكل دقيق متى بنى المسجد الأقصى ، ولكن ورد فى أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم ، بأن بناءه كان بعد بناء الكعبة بأربعين عامًا .. فعن أبى ذر رضى الله عنه أنه قال : "قلت يا رسول الله أى مسجد وضع فى الأرض أولاً ؟.. قال : المسجد الحرام .. قلت : ثم أى؟.. قال : المسجد الأقصى ، قلت : كم بينهما؟؟.. قال : أربعين سنة" ..


ما هى قبة الصخرة؟؟..

"قبة الصخرة عبارة عن بناء مثمن الأضلاع له أربعة أبواب ، وفى داخله تثمينة أخرى تقوم على دعامات وأعمدة أسطوانية ، فى داخلها دائرة تتوسطها "الصخرة المشرفة" التى عرج منها النبى محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى السماء فى رحلة الإسراء والمعراج ، وترتفع هذه الصخرة نحو 1,5 متراً عن أرضية البناء ، وهى غير منتظمة الشكل يتراوح قطرها بين 13 و 18 متراً ، وتعلو الصخرة فى الوسط قبة دائرية بقطر حوالى 20 متراً ، مطلية من الخارج بألواح الذهب ، ارتفاعها 35 مترا ، يعلوها هلال بارتفاع 5 أمتار ..


وسوف أبين لكم بمجموعة من الصور ، شكل المسجد الأقصى ويتوسطه مسجد قبة الصخرة ، حتى يسهل على القاريء ، تصور المنظر العام للمسجد وما يحتويه .. 

___________

والآن إليكم بعض المسميات التى تم إطلاقها على {{ المسجد الأقصى وما حوله }} ، وفضائله ..


كما جاء بالآية الكريمة :

١ - لماذا سمي بالأقصى؟؟..

 لأنه ثاني مسجد بُني بعد المسجد الحرام ، ولبعده عنه  وليس بينهم مسجد فى هذا الوقت ، سمي بالأقصى ..


٢ - لماذا تسمى البلدة التى يقع فيها : {{ القدس }}؟؟..

 لأن الله قال باركنا حوله ، ولأنه مبارك فيه أصبح مقدس ..


٣ - مسمى {{ بيت المقدس }} ..

 أي بيت الأنبياء .. أكثر الأنبياء عليهم السلام من بيت المقدس وفيه دفنوا .. 

[[ولا يعني بيت المقدس داخل السور فقط .. فبيت المقدس وما بورك حوله يشمل : جنوب الأردن وشماله ، والأغوار ، وفلسطين كلها من شمالها لجنوبها تابعة لبيت المقدس ]] ..


٤ - مسمى {{ مدينة السلام }} ..

 لأن الله عز وجل جعل فيها مولد العديد من الأنبياء ، والسلام بنزول الملائكة عليهم ، فهى مدينة السلام ..


٥ - مسمى {{ قبلة الأنبياء }} ..

كل الأنبياء كانت قبلتهم إليه ، ونبينا كان يتوجه إليه ، قبل أن تتغير القبلة إلى الكعبة بنص قرآني .. 

[[ كان يستقبل بصلاته المسجد الأقصى مدة {{ ١٦ شهرا }} فهو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ]]


٦ - مسمى {{ أرض المحشر }} ..

يوم القيامة من على صخرة بيت المقدس ، يقف إسرافيل وينفخ بالبوق ، وينادي فتخرج الناس من أجداثها للقاء الله ، يكون نقطة تجمع الناس في بيت المقدس ، فسمي أرض المحشر ..


٧ - مسمى {{ ثالث الحرمين }} ..

قال صلى الله عليه وسلم : {{لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد ، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى}} رواه الشيخان .. 

 

٨ - مضاعفة الصلاة فيه : 

[[مادام تُشد له الرحال فله ميزة وفضل ]] ..

الصلاة في بيت المقدس{{ بـ ٥٠٠ صلاة تصليها فى أى مكان }} ..


٩ - مسمى {{ موطن الحق}} .. 

 يقول صلى الله عليه وسلم {{ لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم }} ..

قيل : من هم يا رسول الله .. قال  : هم في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس .. لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله .. [[ الأكناف جمع كنف ، والكنف أى ناحية الشيء ]] .. (رواه الإمام أحمد فى مسنده عن أبى أمامة) ..


الحبيب المصطفى  « ٩٣ »

   السيرة المحمدية العطرة .. ( استقبال قريش خبر الإسراء والمعراج ) .

__________

رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته الذي خرج منه ، بيت أم هانئ (أم هانئ بنت عمه أبى طالب كما ذكرنا من قبل) ..

قالت ام هانئ : فقدتك في الليل فلم أجدك [[ لأنهم كانوا يخافون عليه ، بعدما اشتد أذى قريش له ]] .. فقدتك فلم أجدك ، أين كنت ؟ 

قال : يا أم هانئ ، لقد أسري بي الليلة إلى بيت المقدس ، وعرج بي إلى السماء ، واجتمعت بالأنبياء جميعهم ، وفرض الله عليّ وعلى أمتي خمس صلوات في اليوم والليلة ، وها أنا قد عدت إليكم ..

فأمسكت به رغبة ورهبة [[ رغبة محبة بالبشرى التي يحملها ولا يتحملها عقل .. ورهبة خوف من قريش أن يكذبوه ، فإن العقل لا يحتمل ذلك ]] ..

 قالت: بأبي وأمي أنت .. أمُحدِث قومك بهذا؟؟.. 

قال : نعم .. 

قالت : لا تفعل فإنهم مكذبوك ..

فقال : والله سأحدثهم ولو كذبوني ..

___________

 وهذا درس لجميع الدعاة ، أن يبلغوا أمانة الله .. سواءً رضي الناس عنهم أم غضبوا ..

 يقول صلى الله عليه وسلم : {{ ومن التمس رضا الناس بسخط الله ، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس }} ..

___________

فجلس صلى الله عليه وسلم في داره حتى أشرقت الشمس ، ثم ذهب إلى الكعبة ، وطاف بها سبعة ، وجلس في حجر الكعبة ، 

وكان مسرورًا لما جرى من تكريم الله له ..

كان جالسًا ، وبدأت قريش تفيق من نومها ، وسبحان من ساق إليه فرعون هذه الأمة ، أبو جهل .. كان أول من قابل النبي قبل غيره ، مر به ورآه جالسًا.. 

فقال : ها يا محمد هل من جديد؟؟.. [[ يسأل باستهزاء ]] ..

قال : نعم

فقال أبو جهل : هاتِ ما عندك ..

فقال له : لقد أسري بي الليلة إلى بيت المقدس ، واجتمعت بالأنبياء وصليت بهم ..

قال أبو جهل : الليلة ؟!.. 

قال له : نعم .. 

قال أبو جهل : وعدت إلينا قبل أن يطلع النهار ؟!

قال : نعم ..

فذُهل أبو جهل ، وخاف إن هو فارق النبي كي يحدث الناس بما يقول ، أن يرجع فيرجع النبي عن أقواله ، فيكذب أبو جهل ، فلم يحرك قدميه من مكانهما ، وظل واقفا فى مكانه أمام النبي .. 

___________

قال : يا محمد ، وإن اجتمع عليك قومك ، أتحدثهم بما حدثتني؟ 

قال : نعم ..

فصاح أبو جهل بأعلى صوته .. [[ يا آل بني لؤي .. يا آل بني كعب .. يا آل بني فهر .... نادى لكل قريش ]] ..

 فهرع الناس وأخذوا يتجمعون ..

قالوا : ويحك ماذا بك يا أبا الحكم ؟!

قال : اسمعوا إلى محمد ماذا يقول  ،؟. 

فحدثهم النبي صلى الله عليه وسلم بما قال لأبي جهل ، وذكر لهم الإسراء .. وقبل أن يكمل حديثه بذكر المعراج ، قاطعه أبو جهل مذهول من حدث الإسراء فقط ، وهو لم يصل بعد لحديثه عن المعراج ..

قال النبى : جاءني جبريل هذه الليلة ، وقدم لي دابة أكبر من الحمار  ودون الفرس ، يقال لها البراق .. فأتيت بيت المقدس .. فقاطعوه وقالوا : 

عدت إلى مكة قبل أن يطلع النهار ؟ !

قال : نعم .. 

يقول الصحابة : [[ لأنهم كانوا واقفين بين الناس ]] ..

يقول الصحابة  : راع قريش الخبر ، فهم بين مصفق ومصفر ، وواضع يده على رأسه .. [[ وهذه من عادة العرب ، عند استماعهم أو رؤيتهم لأمر جلل ]] .. وبين واضع يده على خاصرته ..

(( أي صدموا )) .. 

___________

وهنا أسرع أبو جهل ، يبحث عن أبي بكر الصديق .. 

[[ لكي يخبره ، ماذا يقول صاحبه محمد ]] .. حتى إذا لقيه ، قال له : يا أبا بكر .. أبلغك ما يقول صاحبك اليوم؟؟..

قال : ماذا قال؟؟.. 

قال : يزعم أنه قد أتى بيت المقدس الليلة ، ورجع في جزء من الليل ، وقبل أن يطلع النهار !!!..

[[ أنظروا إلى جمال و فصاحة أبي بكر ، الكيِّس الفّطن ، الذي ترجم بأعماله وأقواله تعاليم الدين ، قبل أن يتعلمها .. ترجم الإيمان قبل العلم به .. قبل نزول الآية من القرآن {{ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا }} ..

وأبو جهل أكثر من فاسق ، وجاء بخبر لا يقبله العقل ، وليست العاطفة هى التي سوف تتحكم فى أبى بكر .. 

فى عصرنا الحالى ، لو أحد  المسلمين ، متعلق كثيرا بشيخه ، ويثق فيه ، وسمع عنه أى خبر .. لصدق على قوله فى الحال ..

أبو بكر أراد أن يستوثق من كلام أبي جهل ، لأنه لا يثق فيه ، قبل أن يتلفظ بالرد القاطع ..

فماذا قال أبو بكر؟..

 أحدثك رسول الله بهذا؟؟..

[[ أرأيتم سؤاله ؟؟ لم يتسرع بالإجابة ، هكذا المسلم الفطن ، وهكذا كان الصحابة ]] .. آتاهم الله الإيمان ، قبل نزول القرآن كاملا .. (( القرآن لم ينزل كاملا بعد ، وكثير من الفرائض لم تفرض بعد .. ولكن إيمان الصحابة كان كاملا )) ..

أبو بكر ترجم الإيمان قبل العلم .. 

___________

قال له أبو بكر : أحدثك رسول الله بهذا؟؟.. 

قال : نعم ، وهو الآن عند قومك يحدثهم بهذا الحديث .. 

فقال أبو بكر الصديق :

{{ إن كان رسول الله قد قاله ، فقد صدق .. فإني أصدقه بما هو أبعد من ذلك ، أصدقه بخبر السماء يأتي في غداوة أو رواحة }} ..

ومضى أبو بكر حتى جاء الكعبة ، وقد تجمع الناس حول الرسول صلى الله عليه وسلم ، واخترق جموع الناس متقدماً إلى النبي ، وكان قد استوثق من الخبر ، وأصبحت المسألة عنده يقيناً .. تقدم إلى النبي ولم يسأله عن شيء أمام الناس .. تقدم أبو بكر ، وبدون أن يتكلم بكلمة واحدة ، أمسك برأس النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبّله أمام هذه الجموع كلها وصافحه ، وصاح وهو مبتسم : هنيئا لك رحلتك المباركة يا رسول الله ..

{{ فسمي أبو بكر بالصديق من ذلك اليوم }} ..

رضي الله عنك وأرضاك يا حبيبنا يا أبا بكر ..

___________

فقال المطعم بن عدي ، [[ الذي أدخل النبي في جواره ، بعد ما رجع من الطائف قبل أيام ..

ولأنه مجير النبي صلى الله عليه وسلم ، خاف من أن ينفجر الموقف الآن ]] .. 

 قال : يا ابن أخي [[كلمة تودد]] .. 

 كل أمرك كان قبل اليوم أمّمة .. 

[[ يعني قريب ، يمكن نقبل بعضه وننكر بعضه ]] .. أما اليوم فلا واللات لا أصدقك أبداً !!!

لقد جاوزت العقل والمنطق ، إنا لنضرب بطون الإبل صعوداً إلى بيت المقدس شهراً ، ورجوعاً شهراً .. فكيف تزعم أنك أتيتها في ليلة؟؟!!..

 فقاطع كلامه أبو جهل ، قال : 

يا محمد ، أمصرّ أنت على أنك جئت بيت المقدس الليلة؟

 قال : نعم .. 

قالوا : نحن نعلم أنك لم تأتيه على حياتك قط ، ولم تراه 

[[كلنا نعرف أنك لم تقم بزيارة الأقصى من قبل ]] ..

فإن كنت جئته الليلة صفه لنا .. 

___________

يقول النبي صلى الله عليه وسلم : فكربت كربة لم أكرب مثلها من قبل .. 

[[ لقد أسري به في الليل وعلى البراق ، ثم عرج به إلى السماء ودهش بالأنوار .. فهل تفرغ أن يحفظ ، كم باب وكم عامود للمسجد ، كى يصفه لأبي جهل ]] .. 

يقول صلى الله عليه وسلم :

فإذا بجبريل يقف أمامي يضرب الأرض بجناحه حتى استوت ، ثم قرب لي بيت المقدس .. 

[[ كما الكاميرا ، بتعمل زوم قريب وبعيد ]] .. حتى أن بيت المقدس ، وكأنه عند دار عقيل بن أبي طالب [[ يعني فى مكان المسعى الصفا والمروة .. للخلف قليلا هناك كانت دار عقيل ]] ..

قال : فأخذت أنظر إليه وأصفه باب .. باب ، وسارية .. سارية [[ حتى أعمدة المسجد وصفتها لهم ]] ..

يقول الصحابة : كلما قال رسول الله وصف ، قالت قريش : 

اللهم قد صدق .. اللهم قد صدق ، 

فلما انتهى من الوصف ..

قال أبو جهل : أما الوصف ، فنعم .. ولكن أخبرنا يا محمد : 

إن لنا قافلة قادمة من الشام هل مررت بها؟؟..

أخبرنا عن قافلتنا ، ما شأنها وأين هي ، ومتى تصل إلينا؟؟.. 

فقال النبي صلى الله عليه وسلم (وكان الله قد أطلعه على مكان القوافل فى الطريق) .. قال : 

نعم لقد مررت بها ، إن لكم قافلتان ..أما القريبة فعند التنعيم ، والأخرى عند بئر الروحاء .. أما قافلتكم عند التنعيم ، يتقدمها جمل أورق 

[[ الأورق أى الذي لونه رمادى ]] ..

عليه غرارتان أحدهما سوداء والأخرى بيضاء .. 

[[ الغرارة .. كيس من الخيش توضع فيه الحبوب ]] ..

وعندما مررت من فوقهم ، جفلت العير من صوت البراق [[ جفلت أي فزعت وأسرعت من شدة الهواء ، نتيجة سرعة البراق ]] ..

فوقع لهم جمل أحمر ، فكسرت ساقه .. قالوا : 

متى تصل القافلة إلينا ؟؟

فقال (وكان يوم الإثنين) ..

قال : تصل إليكم يوم الأربعاء عند شروق الشمس ..

فقال أبو جهل وسادة قريش : إذا موعدنا شروق شمس يوم الأربعاء .. 

 فرجع النبي إلى داره ، وانفض الناس ، وليس لهم حديث إلا الإسراء به إلى بيت المقدس .. 

___________

انقسم الناس حيال رحلة الإسراء والمعراج ، إلى أقسامٍ ثلاثةٍ هم : كفار قريشٍ ، وحديثو العهد بالإسلام من المسلمين ، والقسم الثالث الصحابة الذين رسخ الإيمان في قلوبهم ..


أما عن القسم الأول كفار قريش ، فقد ذكرنا موقفهم فيما سبق .. وأما عن القسم الثانى ، فقد ارتدّ عددٌ قليلٌ من المؤمنين حديثي العهد بالإسلام ، وانضموا إلى كفار قريشٍ في رفضهم وتكذيبهم للرحلة التي قام بها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد الأقصى ، ولم يُعلم عدد هؤلاء المرتدين أو أسماؤهم ، في إيماءةٍ إلى قلة عددهم وعدم تأثيرهم على جماعة المؤمنين في مكة .. وأما عن القسم الثالث وهم الصحابة المؤمنين حقا ، فصدٌقوا النبى صلى الله عليه وسلم ، وظلوا على إيمانهم ، وثقتهم المطلقة في كل ما يحكى عن رحلة الإسراء والمعراج ..

___________

حتى إذا كان فجر يوم الأربعاء ، وقبل شروق الشمس .. أرسلوا إلى النبي ، [[ يا محمد تعال إلى الموعد ]] .. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، ووقفوا جميعا ينظرون .. فقال أبو جهل : 

هذه الشمس قد أشرقت يا محمد ، وإذا برجل آخر من قريش يصيح قائلا : 

هذه العير قد أقبلت والله .. 

فأقبلت العير مع شروق الشمس ، كما قال النبي تماماً .. 

 وأسرع أبو جهل ، ومعه سادة قريش إلى القافلة ، فإذا بالقافلة يتقدمها ، [[ جمل أورق عليه غرارتان كما وصف النبي تماماً ]] .. فسألوا القافلة هل كان بالأمس الأول عندكم من حدث؟

قالوا : أجل ، لمّا كان الثلث الأخير من الليل قبل الفجر ، مر بنا ريح شديدة فجفلت العير ، فوقع منا جمل أحمر فكسرت ساقه .. 

 فنظروا إلى الجمل ، فإذا هو معصوب ومكسور ولونه أحمر .. صدق قول الرسول عليه الصلاة والسلام .. 

___________

فماذا قال أبو جهل ؟؟؟

وقف أمام النبي صلى الله عليه وسلم وقال : 

أشهد أنك لساحر !!!.. 

[[ الكفر عناد ، قاتل الله الكفر وأهله ]] ..

قال تعالى : 

{{ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ }} صدق الله العظيم ،،،

___________

والآن ننتهى إلى موضوع آخر ، وهو حكم الاحتفال برحلة الإسراء والمعراج : 

تعدُّ حادثة الإسراء والمعراج التي حدثت في ليلةٍ من الليالي ، واحدةً من أعظم المعجزات ، إذ صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى السموات السبع ، وتجاوزها إلى التحدث إلى الله - عزّ وجل - وفيها فُرضت الصلوات الخمس على المسلمين ، لكن اختلف علماء المسلمين في تحديد الليلة التي حدث فيها الإسراء والمعراج ... فقيل : 

ليلة السابع والعشرين من شهر رجب .. وقيل : في شهر ربيع الأول .. وقيل : في شهر شوال أو شهر رمضان ... كما اختُلف العلماء في تحديد السنة ، وتضاربت الأقوال بين عاميْ الثالث والخامس قبل الهجرة .. 

ويوجد شبه إجماع من علماء المسلمين ، أنّ ما جرت عليه عادة الناس من تحديد ليلةٍ للإسراء والمعراج ، والاحتفال بها بإقامة الطقوس الدينية والصلاة والذِّكر ، لا أصل له في الدِّين ، إذ لم يثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعين ، فهذا الاحتفال ، أقرب إلى الابتداع منه إلى الاتباع ..


وهناك بعض الفتاوى التى تجيز الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج ، بل تجد ذلك مستحبا .. ومنها رأى دار الإفتاء المصرية ، حيث أجاب الدكتور شوقي إبراهيم علام ، مفتي الجمهورية ، عن جواز الاحتفال بهذه المناسبة قائلا : "المشهور المعتمد من أقوال العلماء سلفًا وخلفًا ، وعليه عمل المسلمين ، أنَّ الإسراء والمعراج وقع في ليلة سبعٍ وعشرين من شهر رجبٍ ، فاحتفال المسلمين بهذه الذكرى في ذلك التاريخ بشتَّى أنواع الطاعات والقربات ، هو أمرٌ مشروعٌ ومستحب ، فرحًا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمًا لجنابه الشريف" ..

وأضاف علام ، أما الأقوال التي تحرِّمُ على المسلمين احتفالهم بهذا الحدث العظيم ، فهي أقوالٌ فاسدةٌ وآراءٌ كاسدةٌ لم يُسبَقْ مبتدِعوها إليها ، ولا يجوز الأخذ بها ولا التعويل عليها ..


ونحن ما علينا إلا الأخذ برأى دار الإفتاء المصرية ، عملا بقوله تعالى فى سورة النساء 《أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم》صدق الله العظيم ،،،


الحبيب المصطفى « ٩٤ »

السيرة المحمدية العطرة

 ( تحديد أوقات الصلاة )

___________

فرضت الصلاة فى رحلة المعراج ، وتكلٌَف النبى بخمس صلوات فى اليوم والليلة .. لكن لم تحدد عدد ركعاتها ، كما لم تحدد أوقاتها ..


في اليوم الثاني بعد عودته إلى مكة ، جاء جبريل عليه السلام ، إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بغرض تعليم النبى كيفية الوضوء أولا ..   

 

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني بعض أهل العلم ‏‏:‏‏ أن الصلاة حين افترضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أتاه جبريل وهو بأعلى مكة ، فهمز له بعقبة في ناحية الوادي ، فانفجرت منه عين ، فتوضأ جبريل عليه السلام ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ، ليريه كيف الطهور للصلاة ، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأى جبريل توضأ ، ثم قام به جبريل فصلى به ، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاته ، ثم انصرف جبريل عليه السلام ..

___________

لكن كيف صلى جبريل بالرسول عليه الصلاة والسلام ، ومتى : عندما زالت الشمس عن كبد السماء قليلا ، [[ لما صارت الشمس في وسط السماء ، ويسمى وقت الاستواء ، حيث لا ظل للشيء ، أى وقت تعامد الشمس ]] .. 

قال : يا محمد قم فصلي ، 

فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم ، وصلى به جبريل إماما [[ للتعليم ]] .. وأعلمه أن هذا الوقت وقت الظهر أربع ركعات ، 

ثم مضى ..


حتى إذا أصبح ظل كل شيء مثله .. جاء جبريل وقال له قم فصلي .. فصلى به أربع ركعات 

وقال له : هذا وقت العصر أربع ركعات ، ثم مضى ..


حتى إذا سقط قرص الشمس [[ أي وقت الغروب ]] .. جاء إليه جبريل وقال له : 

قم فصلي يا محمد ، وصلى به ثلاث ركعات ، وقال له : 

هذا وقت المغرب يا محمد ، 

ثم ذهب ..


حتى إذا غاب الشفق وبدأ الظلام ، جاء جبريل فصلى به العشاء أربع ركعات ، ثم مضى ..


حتى إذا كان الفجر ، جاءه جبريل وأيقظه وقال : قم فصلي ، فصلى به الفجر ركعتين ، ثم ذهب ..

___________

في اليوم الثاني لم يأت جبريل ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينتظره وقت الظهر .. 

وقبل العصر ، جاء جبريل فصلى به الظهر ، [[ لكي يعلمه ، كم معك مدة من الوقت لكل صلاة ]] ،

ثم ذهب ..


حتى كادت الشمس أن تسقط ، قبل الغروب بقليل ، وقت الاصفرار جاءه فقال له : 

قم فصلي وصلى به العصر ..


فلما غابت الشمس تماماً جاء فصلى به المغرب [[ وعلمه أن المغرب وقته واحد ]] ،

ثم ذهب ..


 حتى مضى ثلث الليل الأول وقارب على النصف جاءه وصلى به العشاء ، ثم ذهب ..

___________

 حتى إذا كان الفجر ، لم يأت جبريل ، حتى أسفر الضوء ،  

ولكن قبل شروق الشمس .. [[ يسمى الإسفار لأن النور قد أسفر عن الظلمة ، أى وقت ظهور النور وانكشاف الظلمة ]] ..

 فجاءه وصلى به الفجر ..


وصلاة الفجر صحيحة إذا صُلّيت قبل طلوع الشمس ، لا خلاف في ذلك بين الأئمة ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( وَوَقْتُ صَلاَةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ )) رواه مسلم .. وإنما وقع الخلاف بينهم في تحديد وقت الأفضيلة ، هل هو أول طلوع الفجر الصادق ، أم بعد ذلك بوقت بحيث يظهر النور وتنكشف الظلمة؟؟..

وما يقع في بعض الدول الإسلامية من تأخير صلاة الفجر ، سببه أنهم من أتباع المذهب الحنفي ، الذي يعتبر أن الإسفار (الإضاءة أو وقت ظهور النور وانكشاف الظلمة) في الفجر هو وقت الأفضيلة ، أي أنه أفضل وقت لأداء صلاة الفجر ، وليس أول طلوع الفجر كما هو مذهب الجمهور ..

___________

قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم ، يا محمد : {{ هذا وقتك ووقت أمتك للصلاة ، بين الوقتين }} ..

فتعلم الصحابة  أوقات الصلاة ،  دون الحاجة إلى ساعة التوقيت .. 


 وهكذا ، اكتملت كيفية الوضوء للصلاة ، وأداء الصلاة ، ووقتها ، وكم ركعة لكل صلاة ،،،



يتبع بإذن الله ..

الأنوار المحمدية 

صلى الله عليه وسلم

الخميس، 14 سبتمبر 2023

 الحبيب المصطفى  « ٨٩ »

السيرة النبوية العطرة .. 

         (( سدرة المنتهى )) 

___________________________

قبل أن يتقدم النبي صلى الله عليه وسلم .. رأى أربعة أنهار ، تخرج من أصل سدرة المنتهى : نهرين ظاهرين ونهرين باطنين . 

فالظاهران هما : النيل والفرات .. والباطنان : نهران في الجنة ، أحدهما نهر الكوثر .. 

فكان من أجمل ما رأى النّبي صلى الله عليه وسلم ، خلال رحلته المباركة نهر الكوثر .. وهو النّهر الذي اختصّه الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم ، وذلك تكريمًا له .. قال تعالى :

《إنا أعطيناك الكوثر* فصلٌِ لربك وانحر* إن شانئك هو الأبتر*》

صدق الله العظيم ،،


فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أنّ النّبي "صلى الله عليه وسلم" قال : ( بينما أنا أسير في الجنّة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدرّ المجوّف ، قلت ما هذا يا جبريل ، قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربّك ، فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر ) رواه البخاري .. 


ولعل رؤية النيل والفرات ، كانت إشارة إلى تمكن الإسلام فى المستقبل ، من هذين القطرين  اللذان يمران بهما .. 


وقد يسأل سائل : كيف ينبع النيل والفرات من الجنة فى السماء السابعة ، ثم يجريان فى الأرض؟؟..

 عن هذا الموضوع ، قَالَ الإمام النَّوَوِيّ رحمه الله في شرحه : 

 هذا الحديث أَن أصل النيل والفُرات من الجَنَة ، وأنَهما يخرجان من أصل سِدرَة المُنتَهَى ، ثم يسيران حيث شاء الله ، ثم ينزلان إلى الأرض ، ثم يسيران فيها ، ثم يخرجان منها ، وهذا لا يمنعه العقل .. 

وما قاله الإمام النووى ليس بمستغرب ، ذلك لأن قدرة الله يعجز أمامها العقل ..

وقَالَ القرطبي : قيل وإنما أُطلق على هذه الأنهار أنها من الجنة ، تشبيهًا لها بأنهار الجنة ، لما فيها من شدة العذوبة والحُسن والبركة ... والله أعلم ،،

___________________________


وصل النبى صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى ، وأراد أن يتمعن النظر فيها .. فإذا يتغشاها أمر الله والأنوار ،  حتى لم يعد أحد يعرف وصفها ..

سؤال ما معنى لا توصف؟؟..

نسمع عبارة أنه يوجد أشياء لا توصف؟!..


الإنسان كما نعلم {{ روح و جسد }} .. الروح من أمر ربي لا نعلم عنها شيء ، ولكن الذي نعلمه أنها [[ مستودع الأسرار ]] ..

الجسد هو ذلك الجسم الذي يحتوي على القلب والعقل والحواس ، له قدرات محدودة ..

النظر محدود ، والسمع محدود ، والعقل محدود .. ومعنى محدود [[ أي هناك حد لقدرته وعمله ، لا يستطيع تجاوزه ]] ..

أنت تستطيع أن ترى إنسان حتى بٌعد معين ، ولكن إذا ابتعد بالمسافة ، لا تستطيع رؤيته .. 

وكذلك السمع ، تستطيع أن تسمع الأصوات لدرجة محدودة لها حد أدنى وحد أقصى .. وكذلك باقي الحواس ، وكذلك العقل له درجة معينة ومحدودة ، ليفهم الأشياء ويعقلها .. 

العين إذا رأت أى شيء  ، تنقل الصورة للعقل ، والعقل يترجم  الصورة لكلمات ينقلها اللسان 

فيخرج وصف الشيء ، عن طريق اللسان .. 

___________________________

الروح داخل هذا الجسد ترى أشياء ، إذا كانت محررة [[ يعني صاحبها مؤمن يذكر الله كثيرا ، فكلما اقترب الإنسان من ربه تحررت روحه أكثر وأنارت ، فنقول عنده بصيرة ]] ..

الذي تراه الروح ، لا يستطيع استقباله أى عضو في الجسم ، 

 إلا عضو واحد ألا وهو {{ القلب }} .. ولكن بشرط واحد ألا يكون هذا القلب مغلق وعليه قفل .. قال تعالى : 

{{ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها }} ..

وعندما يستقبل القلب من الروح ما رأت ، ينقل بدوره المشهد إلى العقل .. فإذا كان المشهد خارج عن حدود قدرة العقل ، هنا يقف العقل عاجزا عن ترجمة مانقله القلب عن الروح .. 

 

 كمثال : إذا رأى الإنسان رؤيا عن الجنة ، فمن شدة جمال وعظمة ما رأى ، الذى يصل لدرجة الإعجاز (جمال خارق) ، فإنه لا يستطيع وصفها ، فيبقى وصفها عنده شعورا داخليا فى الروح والقلب ، لكنه لا يستطيع ترجمته إلى وصف .. فيقول لا يوصف!!!   

___________________________

قال تعالى {{ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ }} ..

فالقلب يعقل ويبصر ، ولذلك يقال : لا تجادلني فى شيء أراه بقلبي ، وتراه بعينك .. 


أما في الجنة ، فبقدرة الله سبحانه وتعالى ، سيكون عقل أصحاب الجنة من البشر ، كامل القدرة لا يحده شيء ، ليكتمل نعيمهم بما أعده الله لهم ، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت .. 

___________________________

يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه :

ثم رفعت إلى سدرة المنتهى .. فلما دنوت منها ، قالوا : كيف هي يا رسول الله؟؟..

قال : فإذا نبقها مثل قلال هجر ، وورقها مثل آذان الفيلة .. 

[[ السدر هو شجر النبق .. وقلال جمع قلة وهى الجرة الكبيرة ، وهَجَر اسم بلدة .. وآذان جمع أذن ]] .. قال : فغشيها من أمر ربي ما غشيها ، ثم عادت نور لا يستطيع أحد أن يصفها .. 

وسميت سدرة المنتهى؛ لأن الأرواح المؤمنة عندما تقبض [[ يموت المؤمن ]] ، وكذلك الشهداء ، تعرج الروح للسماء ، وتفتح لها أبواب السماء ، حتى تنتهي إليها ، وتسجد تحت العرش ، ثم ترد إلى جسدها فى قبر صاحبها للسؤال ، وقيل بعد ذلك تكون فى الجنة طائر ، ويردها الله إلى جسدها إذا شاء .. أما أرواح الكافرين ، فإنها تحبس في الظلام ، وتغلق عنها أبواب السماء ، وتطرح طرحا إلى الأرض فترجع لجسد صاحبها للسؤال ، وقيل بعد ذلك تعذب فى قبرها مع الجسد ، وقيل تستقر بعد ذلك فى النار .. قال تعالى : 

{{  إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ }} ..


وسدرة المنتهى هى شجرة عظيمة فى السماء السابعة ، جذورها فى السماء السادسة ، وعندها جنة المأوى .. وقيل سميت أيضا سدرة المنتهى ، لانتهاء الملائكة والأنبياء إليها ووقوفهم عندها ، فلا يتخطوها إلا لمن شاء الله ..

الحبيب المصطفى  « ٩٠  »

السيرة المحمدية العطرة .. 

(( هل رأى رسول الله ربه ))

___________________________

عند سدرة المنتهى ، وصل جبريل مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحجاب ، وفيه منتهى الخلق .. فاستلمه ملك وتخلف عنه جبريل ، فارتقى به الملك .. 

 يقال حتى تجاوز سبعين ألف حجاب ، ليس فيها حجاب يشبه حجاب ، وبين كل حجاب وحجاب مسيرة خمسمائة سنة ،  وذهب به إلى قرب العرش (( يقول الرسول صلى الله عليه وسلم .. ثم عُرج بى حتى وصلت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام ، وهى صوت أقلام القدرة بيد الملائكة ، تكتب مقادير الخلق )) .. ومنها ترقى حتى وصل إلى منزلة قاب قوسين أو أدنى ، كما قال تعالى : 

(ثم دنا) .. أي دنا محمد إلى ربه تعالى ، أي قرب بالمنزلة والمرتبة لا بالمكان فإنه تعالى منزه عنه ، وإنما هو قرب المنزلة والدرجة والكرامة والرأفة ، (فتدلى) أي سجد لله تعالى ، وفي السجدة أداة القرب من الله ، (فكان قاب قوسين أو أدنى) .. 

ولهذا قال النبى : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ..

 قال تعالى : 

  {{ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ }} ..

___________________________

هنا أحب أن أوضح حقيقة هامة ، أجمع عليها الغالبية العظمى من العلماء ورواة السيرة ، وأنا شخصيا سمعتها من قبل ، بل وكنت أرددها أيضا وهى :


أنه يقال .. إن التحيات ذكرت في قصة المعراج ، عندما عرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء ، ووصل سدرة المنتهى ، فلما تعداها ودنا من العرش ، سجد الرسول صلى الله عليه وسلم وقال : ( التحيات لله والصلوات والطيبات ، فقال الله جل جلاله : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، فقالت الملائكة أو قال الرسول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .. ثم أكملت الملائكة : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ... إلى آخر التشهد ).. فما حقيقة ذلك؟؟


الجواب : أنه لا يعرف لهذه القصة أصل ولا سند ، ولم نقف لها على أثر في كتب السنة الصحيحة ، وقصة المعراج ثابتة بتفاصيلها في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما ، وليس فيها شيء عن مناسبة ذكر التشهد المعروف في الصلاة ، وكذلك لم يرد شيء عن هذه القصة حين عَلَّمَ النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام هذا التشهد ..

فقد روى الشيخان : البخاري  ومسلم  عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ : ( كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ :

إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ ، فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ..


أما حقيقة ما جاء عن العلماء ورواة السيرة ، عن هذا الموضوع هو : أن الرسول عليه الصلاة والسلام ، عندما ارتقى به الملك ( الذى استلمه من جبريل ) ، حتى دنا من العرش .. كان يجب عليه أن يتوجه بالتحية لرب العزة .. فأنطقه الله التحيات ، فقال عليه الصلاة والسلام : [[ التحيات المباركات والصلوات الطيبات لله ]] ، ثم فرض الله على النبى وأمته خمسين صلاة كل يوم وليلة ... لكن لم يحدث هذا الحوار ، الذى يذكره البعض عن أصل نص التشهد ، الذى يأتى فى وسط ونهاية الصلوات .. 

___________________________

وهنا سأتوقف ، عن سرد ما جاء في الروايات عن السلف الصالح ؛ لأننا في  زمن كثر فيه الجدال ، لأتحدث عن موضوع آخر فى منتهى الأمية وهو : 


السؤال الذي يدور في أذهان الكثير من الناس .. هل رأى رسول الله ربه حين عرج به إلى السماء؟!.

جاء في نص صحيح البخاري عن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، أنها عندما سُئلت عن ذلك قالت : 

من حدثك أن محمد قد رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله ، ثم تلت قوله تعالى : {{ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير }} ..


وهناك أقوال أخرى تخص هذا الموضوع ، سأذكرها على سبيل الذكر فقط ، وليس للأخذ بها ..


١ - في مذهب  ابن عباس رضي الله عنه (وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم ، وحبر الأمة وفقيهها ، وإمام التفسير وترجمان القرآن) .. يقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم ، قد رأى ربه ..

٢ - الإمام الحسن البصري عندما سأله أحد تلاميذه هل رأى رسول الله ربه؟!

فقال له : رآه ، رآه ، رآه ، حتى انقطع نفسه ..


هذا الاختلاف فى الأقوال ، كيف يفسر؟؟.. وللعلم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصرح بذلك .. 

حتى حديث {{ السيدة عائشة }} موقوف لم ترفعه إلى النبي ..


فى رأيى أنه لا يوجد اختلاف فى الأقوال ، ولكن الاختلاف في {{ الفهم }} ..

السيدة عائشة تقول : من قال أن محمد رأى ربه فقد أعظم الفرية  على الله .. والمقصود بقولها {{ رؤيا العين الطبيعية }} ..

وابن عباس رضي الله عنه ، قال ... رآه ، ولكن ليس رؤية المثل بالمثل والإحاطة ، رآه بعين قلبه وبصيرته .. 

بدليل قوله تعالى : {{ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور }} ..

نقول : رأى الله كما يريد الله .. 

___________________________

والرؤية ليست مستحيلة ، ولو كانت مستحيلة ما ذكرها الله .. قال تعالى : {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } 


هذه الرؤية ليست فى الدنيا ، ولكن موعدها في الآخرة ، فسوف يرى النبي صلى الله عليه وسلم الله فى الآخرة ، وكذلك المؤمنون سيرونه يوم الحساب ..  وسيرى أهل الجنة الله ، بإجماع أهل السنة والجماعة ، بحيث يرونه رؤية ثابتة واضحة بيقين لا شبهة فيها ، ووضوحها ويقينها كرؤية الشمس والقمر .. وهذه الرؤية خاصة بأهل الإيمان ، أما الكُفار فهم محجوبون عن رؤية الله -تعالى- بنص القرآن الكريم ..

ويوضح لنا النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، قال : 

{{ إنكم سترون ربكم يوم القيامة ، كرؤيتكم هذا البدر لا تضامون فيه }} أي لا تزدحمون عليه ، ولكن كيف؟!. 

الله أعلم ، كما يريد الله سبحانه وتعالى .

الحبيب المصطفى  « ٨٥ » 4 أجزاء

السيرة المحمدية العطرة

 (الإسراء والمعراج - الجزء الأول)

___________________________

                  "مقدمة"   

بعد دخول النبى صلى الله عليه

وسلم إلى مكة ، بجوار المطعم بن عدي .. 

( وذلك بعد انتهاء رحلته إلى الطائف ، التى لم يلق خلالها من أهلها أي تجاوب أو تأييد )


في هذه الظروف الصعبة ، كانت رحلة {{ الإسراء والمعراج }} ..

وكأنها جاءت مواساة له من رب العالمين ، لِما لاقاه من أهل الطائف وقريش .. وذلك بعد أن جبر الله خاطره أيضا ، بلقائه بأمراء ومعهم حشود من الجن ، وتقبلهم للدعوة ودخولهم فى الإسلام .. 

وهذا الدعم والتأييد من الله سبحانه وتعالى لرسوله ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ، بالرغم من أنه بشر مثلنا .. لكنه جاء إلى الدنيا حاملًا قلبًا كبيرًا مليئًا بالخير والحب لكل المخلوقات ، وبالإيمان الصادق للخالق ، فأصبحت له مكانة عظيمة بين البشر ، ومنزلة أعظم عند الله ، 

وبهذه المنزلة وصل هذا المكان في السماوات العلا ، الذى لم يصله بشرٌ من قبله ، وهو سدرة المنتهى ، وصلّىَّ إمامًا بكل الأنبياء في المسجد الأقصى ، وما ذلك إلّا إشارة أنَّ مقامه لا يعدله مقام ، وأنه بلغ من التشريف ما لم يبلغه أحد .. إنه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي صعد إلى السماء في رحلة الإسراء والمعراج .. وكأن الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : {{ إذا كان هذا ما لقيته يا رسول الله من أهل الأرض ، فتعال وانظر إلى مكانتك عند أهل السماء }} 

___________________________


اختلف العلماء كالعادة اختلافا كبيرًا فى توقيت حدوث معجزة "الإسراء والمعراج" ، قيل قبل الهجرة بثلاث سنين .. وقيل حدثت ما بين السنة الحادية عشرة إلى السنة الثانية عشرة من البعثة المحمدية .. وقال بعض العلماء إنها كانت فى ليلة الإثنين الثانى عشر من ربيع الأول ولم تعين السنة ، وقيل أنها كانت قبل الهجرة بسنة ، فتكون فى ربيع الأول ولم تعين الليلة ، وقيل فى ليلة الـ 27 من شهر رجب قبل الهجرة بسنة ، وقيل قبل الهجرة بـ 16 شهرًا .. لكن الذى اتفق عليه أئمة النقل ، أن الإسراء والمعراج حدث مرة واحدة بمكة ، بعد البعثة وقبل الهجرة ..

___________________________

دعونا نركز مع الحدث ، ولا نشغل بالنا باختلاف الآراء عن توقيت حدوث الحدث ... بعد إيمان الجن وتصديقهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم تمض سوى ليلتان أو ثلاث بعد هذا الحدث .. [[ أرجح الروايات تقول الليلة السابعة بعد رجوع النبي من الطائف ]] ،

وكان النبى ، يبيت في بيت أم هانئ .. [[ أم هانى هى بنت عمه أبي طالب ، أخت علي بن أبي طالب رضي الله عنه ]] ..


وهنا اختلف العلماء مرة أخرى ، هناك روايات كثيرة تعددت .. بعضها يقول : كان نائما في حجر الكعبة .. والبعض قال :  كان نائما في بيته .. لكن أغلب الروايات ذكرت أنه كان نائما في بيت أم هانئ .. 

نحن سنأخذ جوهر الموضوع ... لا يهم كثيرا أين كان النبي نائما؟؟.. 

المهم جاءه جبريل ، في منتصف الليل .. 

___________________________

جاء جبريل وناداه ، فأيقظه من النوم ، وسلم عليه .. وقال له : يا محمد استعد للقاء الله !! 

للقاء الله !! كيف سيكون لقاء الله ؟!

قال له جبريل : الله يدعوك لزيارته .. 

الله يدعوني لزيارته ؟!

قال : نعم ، الله يدعوك لزيارته في السماوات ..


هنا نقف عند موضوع مهم ،  

رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هو أعلم الخلق بالله عز وجل .. ومن شرعه صلى الله عليه وسلم تعلمنا :  أن {{ الله عز وجل }}

لا يقالُ عنه متى كان ؟؟..

ولا أين كان ، ولا كيف ؟؟..

لا يتقيدُ بالزمان ، ولا بالمكان ..

 {{ لَيْسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }} .

___________________________

سؤال : لو قلنا لأي انسان قم لزيارة ربك ؟؟

وهل الله عز وجل يتخصص بمكان ، لأذهب لذلك المكان حتى أصل إليه ؟! 

الله عزوجل معنا أينما كنا ،


ألم يخبرنا سبحانه عن نفسه : 

{{ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }} .. صدق الله العظيم ،،


ألم يخبرنا عن قربه :

{{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ }} .. صدق الله العظيم ،،

___________________________

لما قال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن الله يدعوك لزيارته ، ورسول الله أعلم الخلق بالله .. قال : يا جبريل إن الله مقدس عن الجهات .. [[ يعني الله ليس له جهة محددة إذا انطلقت نحوها أصل إليه ]] ..

ولا يوصل إليه بالحركات .. [[ يعني أي وسيلة مواصلات لا تنفع للوصول الى الله ]] ..

ولا يستدل إليه بالإشارات .. [[ هو معي الآن يا جبريل ، كيف اذهب للقائه ]] ..

فقال جبريل : يا محمد ، جيء بالمركب إليك [[ أي البراق ]] لإظهار كرامتك عند الله .. 

فإن الملوك إذا استدعوا حبيباً أو قريباً ، وأرادوا إظهار كرامتهم ، أرسلوا أخص خدمهم ، وأعز دوابهم لنقل أقدامهم ، فزيارتك يا محمد كرامة لك ، على عادة الملوك .. 

  

عندما نذكر حادثة الإسراء والمعراج ، الكل يتصور أن البراق نقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى لقاء الله نتيجة لسرعته الخارقة ، وقدرته على تجاوز الأبعاد اللانهائية ، والله منزه عن المكان والزمان سبحانه وتعالى .. ولكن كل هذا الانتقال والحركة لم يكن إلا بمشيئة الله ، لذلك سُمٌِى بالمعجزة ..

كان كرامة لنبينا صلى الله عليه وسلم ، المخلوق البشري ليبين الله لخلقه جميعاً ، كرامته عند الله ..

___________________________

حتى أهل السماء جميعهم ، مفتقرين إلى الله ، متشوقين لقربه ، احتاروا في عظمة الله ، وكل الأبواب مسدودة بينهم وبين الله ، إلا باب واحد هو محمد رسول الله .. لا ينظرون إلى موضع في السماء منذ أن خلقهم الله ، إلا وجدوا اسم الله مقرون بمحمد .. { لا إله إلا الله ، محمد رسول الله } .

قال تعالى : {{ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ }} ..

صلوا ياملائكتي على محمد ، فالله يصلي عليه ، ويمده بالأنوار الإلهية ، وتستمد منه الخلائق ، (كل الخلائق) الأنوار المحمدية ، كل مخلوق على قدر استطاعته ، 

{{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ }} .. 

حتى الأنبياء ، مأمورين باتباعه صلى الله عليه وسلم قبل أن يخلق ، فهم مأمورون  ومن تبعهم من قبل :

{{ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَٰبٍۢ وَحِكْمَةٍۢ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ ۚ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى ۖ قَالُوٓاْ أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ }} صدق الله العظيم ،، ..

وفي هذا أن الله أخذ الميثاق على كل نبي أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأخذ الميثاق على أمم الأنبياء بذلك ..

كل الخلق في الملأ الأعلى ، ينتظرون قدوم النبي صلى الله عليه وسلم .. 

ألم يقل ربنا عز وجل : 

{{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }}

[[ عالم ]] هو اسم مفرد ، لو أردنا جمعه  لأصبح [[ عوالم ]] ..

وجمع الجمع [[ عالمين ]] ..

ففي ليلة إسرائه ، ثم معراجه للسماء صلى الله عليه وسلم ، كان الملأ الأعلى في فرح وسرور ، طالما انتظروا من يوصلهم إلى أنوار الله .. وقد أخبرهم الله من قبل ، كل الأبواب موصدة دون محمد ..  

كان الملأ الأعلى كلهم ، ينتظر عروجه إلى السماء .. {{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }}

وكأنهم يقولون : نحن من العالمين ، فلا بد لنا من نصيب من تلك الرحمة ، 

فشرّف عالم الملكوت بوطء قدميك قبة السماء ، كما شرفت بهما أديم الأرض .. 


وهناك سؤال يدور في أذهان الجميع : هل رأى رسول الله ربه ليلة المعراج ؟؟

عندما نصل ، إلى عروجه ، إن شاء الله سأجيب على هذا السؤال ..

___________________________

لو أردت أن أذكر تفاصيل الإسراء والمعراج ، الضعيف منها والصحيح ، لذكرت بالإسراء والمعراج أمور كثيرة ، مضمونها صحيح ، وإشارات عجيبة ، تُظهر كرامة نبينا صلى الله عليه وسلم ، في الملأ الاعلى ..

ولكن سأكتفي بما ورد  بالصحيح منها ، لأني لا أحب الجدال ، ونحن أصبحنا في زمن لا نجيد فيه غير الجدال ..

<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<

الحبيب  المصطفى « ٨٦ »

السيرة المحمدية العطرة

 ( الإسراء والمعراج - الجزء الثاني )

___________________________


قال جبريل : استعد للقاء الله ، فالله يدعوك ، لزيارته في السماوات ..

[ وما أجملها من رسالة ، من الله لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم ، أعز خلقه وأقربهم إليه .. إذا كانت الطائف وقريش أغلقت في وجهك أبوابها ، فها هو {{ الله عز وجل }} .. يفتح لك أبواب السماوات السبع .. وإن لم يكونوا أعطوك نصراً ، ولم يحسنوا ضيافتك .. فالله رب العالمين يعطيك نصره هذه الليلة ..

وإذا كان أهل الطائف وأهل مكة ، لم يؤمنوا بك ويتّبعوك ، فأنا سأجعل ملائكة السماوات السبع كلها .. والأنبياء والمرسلين من آدم إلى عيسى يصلون خلفك في هذه الليلة ]

___________________________

فكانت الإسراء والمعراج دعوة تكريم من الله لنبيه وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم .. 


وتبدأ أحداث رحلة الاسراء - كما يرويها صاحِبُها عليهِ أفضَل الصَّلاةِ وأتمُّ التَّسليمِ - بِقدومِ ثلاثةٍ من الملائكةِ الكِرامِ، بينَهم جبريلُ وميكائيلُ، فجعلوا جَسدَ رسولِ اللهِ لِظهرهِ مستقبِلًا الأرضَ وهو نائم ، ثمَّ شقُّوا بطنَهُ ، فغسَلوا ما كانَ بهِ من غلٍّ بماءِ زمزمَ، ثمَّ ملأوا قلبَه إيمانًا وحِكمةً ..


[[ أغلب آراء العلماء تقول : أن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، شُق صدره ثلاث مرات ، الأولى فى طفولته أثناء وجوده عند مرضعته حليمة ، وكانت هذه الحادثة سببا فى أن تعيده حليمة إلى والدته خوفا عليه من أن يصيبه مكروه .. والثانية مع نزول الوحى .. والثالثة عند واقعة الإسراء والمعراج ... الأولى كانت لتهيئته وإعداده للنبوة وإبلاغ الرسالة .. والثانية كانت لتهيئته لتلقى الوحى .. والثالثة قيل أنها تمهيدا نفسيا ليتحمل مفاجآت رحلة الإسراء والمعراج .. والمرة الأولى هى المؤكدة ، لكن اختلف العلماء فى حدوث المرتين الأخريين ]] ..


بعد ذلك قام النبي صلى الله عليه وسلم ، واغتسل ، ثم طلب منه جبريل أن يعتم بعمامة سوداء ، فلبس صلى الله عليه وسلم عمامة سوداء  لها ذؤبتان [[ الذؤبة طرف العمامة يرخيها على كتفه ، وقد دخل يوم فتح مكة صلى الله عليه وسلم وهو يلبسها ]] ..

وقد روي  عن عبد الله بن عمر : {{ عليكم بالعمائم ، فإنَّها سيم الملائكة وارخوها خلف ظهوركم }}

 ثم مشى مع جبريل إلى الكعبة ، فطاف بها سبعة ثم صلى ركعتين 

ثم قدم له جبريل دابة اسمها {{ البراق }} .. يصفها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ، قال :  دابة فوق الحمار ودون الفرس [[ يعني أكبر من الحمار بقليل وأصغر من الحصان .. حجمه بحجم البغل ]] لونه أبيض ..

___________________________

فلما اقترب منه النبي جعل يتفلت [[ يعني مثل الدابة الرافضة حد يركبها ]] .. فقال له جبريل : أتصنع هذا بمحمد ؟ !!!

والذي نفسي بيده ما ركبك أحد أفضل من محمد .. [[ هنا نستنتج أن البراق كان مركوب الأنبياء ، ومما يؤكد هذا المعنى لما وصل النبي لبيت المقدس قال : فربطت البراق بالحلقة التي كانت تربط بها الأنبياء ( هذه الحلقة تقع فى الحائط الغربى للمسجد الأقصى ، لذا فقد سمى هذا الحائط ، بحائط البراق ) .. إذاً البراق هو مركوب الأنبياء من قبل ، وجبريل يؤكد أن أكرم الأنبياء وأقربهم إلى الله هو محمد صلى الله عليه وسلم ]] ..

فلما قال جبريل للبراق ذلك .. سكت البراق وتصبّب عرقا [[حياء وخجلا من رسول الله ]] ..

___________________________

يكمل النبي صلى الله عليه وسلم ، وصف البراق لأصحابه .. قال : إن له بين يديه وفخذيه جناحان يطير بهما .. سرعته ، يضع حافره عند منتهى طرفه ..

[[ ومعناها أن البراق يضع حافره عند منتهى بصره ، يعني أبعد مسافة يستطيع رؤيتها ، يكون حافره عندها فى كل خطوة ]] ..


ركب النبي صلى الله عليه وسلم ، على البراق ..ثم ارتقى به في السماء بعد منتصف الليل ، والدليل أنه بعد منتصف الليل ، قوله تعالى : {{سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً }} ..

وبما أننا في هذا الزمن ، أضعنا لغتنا العربية ، فلم نعد نفهم القرآن ولا أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، الفهم السليم !!! 

توضيحا لمعنى كلمة أسرى :  

كان العرب ، إذا سافر الرجل بعد منتصف الليل يقولون : [[ سرى في الليل ، أى سافر قبل طلوع الفجر ]] ..

أما إذا سافر أول الليل يقولون :

[ أدلج ، أي خرج بعد حلول الظلام ] ..

___________________________


رحل الرسول صلى الله عليه وسلم مع جبريل راكبا البُراق ، فانطَلَق بهِ البُراقُ إلى المسجدِ الأقصى يسوقُهُ جبريل .. فأنزَلَهُ أثناء الرحلة فى يثرب (المدينة المنورة) ، وكان فوق موضع مسجده الآن المعروف بالمسجد النبوى ، فقال له جبريل : صلي ها هنا يا محمد .. فصلى ركعتين ، فكان موضع صلاته موضع قبره الآن ، الذي فيه جسده الشريف .

وقال له جبريل : سيكون لك مسجداً هنا يا محمد ، وأخبره ما يكون من هجرته إليها .. [[ وهذه بشرى للنبي بالخروج من مأزق مكة ]] .. ثمَّ أنزلَهُ طورَ سيناءَ ، حيثُ كلَّمَ الله موسى عليهِ السَّلامُ ، فصلَّى بهِ .. ثمَّ أنزَلهُ بيتَ لحم مولِدَ عيسى عليهِ السَّلامُ ، فصلَّى فيها .. ثمَّ دنا بهِ إلى بيتِ المقدِسِ فأنزَلهُ بابَ المَسجِدِ ، ورَبَطَ البراقَ بالحلقةِ التي كان يربط بها الأنبياءُ ، ثمَّ دخلَ إلى المسجد ..

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
الحبيب المصطفى « ٨٧ »

السيرة المحمدية العطرة

 ( الإسراء والمعراج ، الجزء الثالث ) .

___________________________

يقول الله سبحانه : "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " ... 

"سبحان" ، أي: تنزه الله في قولـه عن كل قول ، وتنزه الله في فعله عن كل فعل ، وتنزه الله في صفاته عن كل صفات ... "الذي أسرى" ، أي : الذي أكرم رسوله بالمسير والانتقال ليلا .. "بعبده" أي : بمخلوقه الإنسان الذي اختاره لهذه المهمة العظمى ، وهي مهمة هداية البشر جميعا .. ولم يقل الله سبحانه : " بخليله " أو " بحبيبه " أو " بنبيه " ، وإنما قال : " بعبده " ، وفي هذا معنى هام .. هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم ، حقق مقام العبودية الخالصة لله سبحانه ، فكان حقا  العبد الكامل ، أو الإنسان الكامل ، لأن المطلب الأول للإسلام هو تحقيق العبودية الخالصة لله سبحانه ...

 "ليلا" وفي هذا دلالة على أن الإسراء كان في جزء من الليل ولم يستغـرق الليل كله ، وكان الليل هو وقت الرحلتين ، لأنه أحب أوقات الخلوة ، وكان وقت الصلاة المفضل لدى رسول الله ، بل كان هو وقت الصلاة قبل أن تفرض الصلاة بالهيئة والأوقات المعروفة عليها الآن ، وكان الإسراء ليلا ليكون أيضا أبلغ للمؤمن في الإيمان بالغيب ..

وأما قوله تعالى : "من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى" فتفسيره : أن انتقال الرسول في رحلته الأرضية كان بين مسجدين ، أولهما : المسجد الحرام بمكة في أرض الجزيرة العربية ، وهو أحب بيوت الله في الأرض ، والصلاة فيه تعدل مائة ألف صلاة في غيره من المساجد .. وثانيهما : هو المسجد الأقصى بأرض فلسطين ، مهد الأنبياء والرسل ، وقد كان القبلة الأولى للمسلمين قبل أن يأتيهم الأمر بالتحول شطر المسجد الحرام الذي هو قبلتهم منذ ذلك الوقت إلى آخر الزمـان ... والمسجد الأقصى من أفضل مساجد الأرض جميعا ، والصلاة فيه تعدل خمسمـائة صلاة في غيره من المساجد ... "الذي باركنا حوله" ، أي : الذي أفضنا عليه وعلى ما حوله بالبركات ، دنيوية ومعنوية ... 

"لنريه من آياتنا" ، أي : بعض الآيات الدالة على قدرة الله وعظمته ، وليس بالطبع كل الآيات .. 

__________________________

وهنا يهمنا أن نلقى الضوء على نقطة فى منتهى الأهمية .. 

بعض المشككين قالوا ، كيف ينتقل الرسول بجسده من مكة إلى بيت المقدس .. والأغرب من ذلك كيف يُعرج به إلى السماء أيضا ، ويُتم هذه الرحلة ويعود فى نفس الليلة ؟؟.. وقالوا أنه ربما أُسرى بروحه فقط ، بمعنى أن ذلك كان فى عداد الرؤية فى المنام !! .. 

وللرد على ذلك ، نقول أنه لا معنى لقول من قال : أسري بروحه دون جسده .. لأن ذلك لو كان كذلك ، لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون دليلاً على نبوته ، ولا حجة له على رسالته ، ولا كانوا الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك ، يدفعون به عن صدقه فيه ، إذ لم يكن منكرًا عندهم ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم ، أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة بل وأكثر ، فكيف بما هو مسيرة شهر أو أقل .. والأهم من ذلك ، أن الله إنما أخبر في كتابه أنه أسرى بعبده ، ولم يخبرنا بأنه أسري بروح عبده ، وليس جائزًا لأحد أن يتعدى ما قاله الله إلى غيره .. وأيضا الأدلة الواضحة ، والأخبار المتتابعة عن رسول الله ، أن الله أسرى به على دابة يقال لها البراق ، ولو كان الإسراء بروحه ، لم تكن الروح محمولة على دابة وهى البراق ، إذ كانت الدواب لا تحمل إلا الأجساد ..


أضف إلى ذلك أنه ، لو كانت رحلة {{ الإسراء والمعراج }} منامًا ، لما حدث ما حدث من رد فعل قريش ، عندما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الرحلة ، حيث ضجت واستهزأت وسخرت ؛ لأنه من المألوف أن يرى أى إنسان فى المنام أنه يسافر ويطير ، ويصعد فوق الغيوم ، فلو أخبرت أي إنسان بما رأيت ، لصدقك وما أنكره عليك .. أى أنه لو كان النبي صلى الله عليه وسلم ، أخبر قريش أنه رأى في نومه كذا وكذا ، لما قامت الدنيا ولم تقعد عندما أخبرهم .. 

___________________________

انطلق به البراق كما ذكرنا فى الحلقة السابقة ، وسرى حتى إذا جاء بيت المقدس .. [ الوقت ليل والإنارة معدومة ، ودخل ليلا .. الرسول لا يعرف من أين دخل ولا إلى أين دخل اللهم كان دليله جبريل ] .

هبط به إلى الصخرة المعروفة الآن : {{ مسجد قبة الصخرة }} طبعا القبة لم تكن موجودة فوق الصخرة في ذلك الوقت .. فقط صخرة ، وربط البراق كما ذكرنا ، ثم دخل مع جبريل إلى المسجد فصلى ركعتين ..


وهنا اختلف العلماء ورواة السيرة : 

منهم من قال صلى ركعتين منفردًا ، ثم عرج به إلى السماء ، ولما نزل من السماء بعد أن انتهى من المعراج ، صلى بالأنبياء إمامًا ..


ومنهم من قال ، صلى بالأنبياء إماما عند وصوله ، ثم عرج به الى السماء ..


هناك حديث من صحيح البخاري ، يمكن أن نسترشد به كى نصل إلى الصواب ... والله أعلم .. مختصر الحديث :

[[ كان الرسول عليه الصلاة والسلام ، كلما وصل إلى سماء من السماوات السبع ، استفتح جبريل ، ثم أخذ جبريل يُعرفه على كل نبي من الأنبياء الذين التقى بهم فى السماوات .. 

في السماء الأولى ، يسأل النبي جبريل من هذا يا أخي جبريل .. هذا آدم يا محمد  ، فيسلم عليه ، ويدعو له آدم .. وفي السماء الثانية ابنيّ الخالة عيسى ويحيى .. وفي السماء الثالثة من هذا ؟.. هذا يوسف ]] ..

وهكذا فى كل سماء ، جبريل يُعرٌِف النبي على الأنبياء عليهم السلام .. 

___________________________

هنا نطرح سؤال : 

هل من المنطق والصواب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم .. إذا كان قد صلي بالأنبياء إماما في بيت المقدس قبل المعراج ،  ثم عرج به إلى السماء .. فيصبح لا يعرفهم ولا يتعرف عليهم فى السماء ؟!

النبي صلى الله عليه وسلم أعقل وأذكى من ذلك .. 

فالربط الأصح بين اختلاف الروايات فى رأيى الشخصى :

أن الصلاة حصلت مرتين : عند وصوله مع جبريل صلى ركعتين منفردًا ... ثم عرج به إلى السماء وتعرف على الأنبياء ، ثم هبط والأنبياء معه وكبار الملائكة ، وصلى بهم ركعتين بالمسجد الأقصى .. هذا أقرب إلى الصواب ونحن كمسلمين عندنا العقل .. نربط الأحداث بما يتفق مع العقل والمنطق ... والله أعلم ،،،

___________________________

نحن ما زلنا فى المسجد .. قام  جبريل بواجب الضيافة للنبى ، فجاءه بطبق فيه كأسين .. كأس من لبن [[ لبن يعني حليب ]] ..

وكأس من خمر [[ خمر الجنة مش خمر يفقد العقل ، كالذي قام البشر بتغيير الاسم الآن ، وسموها مشروبات روحية! .. خمر الجنة حسب وصف الله : {{ويسقون فيها كأسًا كان مزاجها زنجبيلا }} .. كأس من خمر لا تؤدى لفقدان العقل ]] ..

فتناول صلى الله عليه وسلم كأس اللبن وشرب .. 

فقال له جبريل : هديت إلى الفطرة ، وأخذتها لأمتك  ..

___________________________

ثم عرج به صلى الله عليه وسلم إلى السموات السبع ..

وهنا اختلف العلماء ورواة السيرة مرة أخرى فى أمر :

كيف صعد الرسول إلى السماء ليلة الاسراء والمعراج؟


صعود الرّسول إلى السّماء .. أى وسيلة المعراج وآلة الصعود إلى السماوات العلا ، لم تثبت بحديثٍ صحيحٍ ، وإنّما جاء ذكرها بأحاديث وروايات ضعيفة لا يُعتدّ بها عند أهل العلم ، خلافًا لوسيلة الانتقال في رحلة الإسراء من مكّة إلى بيت المقدس ، التى ثبت يقينا أنّها كانت عن طريق البُراق وصحّ بها الخبر ... ولكنّ الروايات الصحيحة لم تذكر أنّ جبريل عليه السّلام ، أخذ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على البراق مرّة ثانية بعد الخروج من المسجد الأقصى ، والعروج إلى السّماء ، ولم تذكر تلك الروايات الثابتة أيّ شيء عن البراق في محطّات رحلة المعراج إلى السّماوات العُلى .. لذلك اختلفت آراء العلماء بين أمرين :

الأول : ذهب بعض العلماء ، إلى أن صعوده إلى السماء كان عن طريق معراجٍ - أي سُلّم - نُصب له وعرج به إلى السماء .. وقد جاءت بعض الروايات التي تصف المعراج الذي صعد به النبي صلى الله عليه وسلم بالحسن والجمال ، وأنه مكوّنٌ من الذهب والفضة ، ومُرصّعٌ باللؤلؤ ، وقد جيء به من جنة الفردوس ، وكانت الملائكة تقف على يمينه ويساره ، ويقول بعض العلماء ، إن المعراج مصعدٌ لا تُعلم حقيقته ، ولا تُدرك صورته ، وإنما كان وسيلةً عرج به النبي صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس إلى السماء برفقة جبريل عليه السلام ... ثم عاد الرسول عليه الصلاة والسلام بعد انتهاء رحلة المعراج ، برفقة جبريل أيضا ، إلى المسجد الأقصى ، للصلاة إماما بالأنبياء والملائكة ... وكان البراق فى انتظاره فى نفس المكان الذى تركه مربوطا فيه .. ثم حمله البراق عائدا به إلى مكة .. 

الثانى : أنه ركب البراق أيضا فى رحلة صعوده إلى السماوات السبع ، ثم أعاده البراق إلى المسجد الأقصى للصلاة .. وأخيرا حمله وعاد به إلى مكة ..

___________________________

ويقال أن الله سبحانه وتعالى جهز النبى لهذا العروج .. (( ربما كان لحادثة شق الصدر قبل الإسراء مباشرة دخل فى ذلك ، والله أعلم )) ، لأنه صلى الله عليه وسلم ، سيجتاز مرحلة الجاذبية إلى مرحلة انعدام الجاذبية ، التي يعد لها رواد الفضاء العدة ، فيتجهزون بما يؤمن سلامتهم أثناء رحلتهم المحدودة جدا ، لمسافة لا تتعدى الوصول للقمر أو لأحد الكواكب القريبة من الأرض ، وللعلم .. الكرة الأرضية ومجموعة الكواكب المشتركة معها فى نفس المجموعة ( المجموعة الشمسية ) لا تمثل إلا جزء ضئيل جدا لا يكاد يذكر ، داخل مجرتنا التى نتبعها وهى درب التبانة .. فمجرة درب التبانة تحتوى على من (٢٠٠ إلى ٤٠٠) مليار نجم ، وأكثر من مليار كوكب ( المليار ، ألف مليون) .. فما بالك بالكون الذى يحتوى على ٢٠٠ مليار مجرة مثل درب التبانة ، ( أى ٢٠٠ ألف مليون مجرة ) ، ومنهم ما هو أكبر من درب التبانة ، حسب ما ذكره العلماء .. هذا عن سعة الكون .. أما عن المسافات التى قطعها النبى أثناء رحلة المعراج ، فيكفى أن تعلم أن أقرب نجم على بعد 4.2 سنة ضوئية من الأرض .. [[ السنة الضوئية وحدة مسافات وليست وحدة زمن ، وهى المسافة التى يقطعها الضوء فى سنة كاملة بالتقويم الميلادى ، مع العلم أن سرعة الضوء تساوى (  ٣٠٠ ألف كيلو متر فى الثانية ) .. وعلى ذلك يكون أقرب نجم على مسافة ٤٠ × ١٠ أس١٢ كيلو متر تقريبا من الأرض ]] ..!!!..  كل هذا ولم نصل للسماء الأولى ..

فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم ، الذى سيُعرج به إلى السماوات السبع كلها؟؟.. لذلك أعدّه الله إعدادا ملائكيا يصلح لهذا الصعود  ... (( كل ما يعلو على سطح الأرض وتراه عيناك ،  يقع تحت السماء الأولى .. الشمس والقمر والنجوم والمجرات ، وهذا الكون الواسع اللانهائى الذى حيٌر العلماء إلى الآن برغم العلم والتطور ، فلم يصلوا إلا إلى القليل من أسراره ..

كله ضمن السماء الأولى )) .. والدليل قوله تعالى :

{{ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ }} ، أى أن كل ذلك لا يتعدى حدود السماء الدنيا .. فما بالك بعروج النبى ووصوله إلى السماء السابعة؟؟!!!..

________________________________________________________

آسف لخروجى عن النص ، بذكر معلومات عن الكون ، تخرج عن أحداث رحلة المعراج .. لكن أردت أن أبين للقاريء عظمة خلق الله سبحانه ، التى تتجلى فى بديع صنع هذا الكون ، وحتى يتخيل القاريء  رحلة معراج النبى ، وما قطعه من مسافات ، وما مر به من عجائب ، حتى يصل للسماء السابعة ... وما أوتيت من العلم إلا قليلا ..    


عرج النبي صلى الله عليه وسلم مع جبريل ، فلما وصل للسماء الدنيا .. إستأذن جبريل [[ وليس معنى استأذن ، أن يدق جبريل الباب ويفتحوله .. السماوات محروسة بالملائكة ، والله خلق هذه الملائكة ، وجعل مهمتهم ألا يدخل أحد منها إلا بإذنه .. ذلك تقدير العزيز العليم ]] .


يتبع ..

الأنوار المحمدية 

صلى الله عليه وسلم

الحبيب المصطفى  « ٨٨  »

السيرة المحمدية العطرة

 ( الإسراء والمعراج ، الجزء الرابع )

___________________________

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :

 لما فرغت مما كان في بيت المقدس ، أُتِىَ بالمعراج ، ولم أر شيئا قط أحسن منه ، وهو الذي يمد إليه ميتكم عينيه إذا حُضِر ، فأصعدني صاحبي فيه ، حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء يقال له باب الحفظة ، عليه ملك من الملائكة ، يقال له إسماعيل ، تحت يديه اثنا عشر ألف ملكٍ ، فقال وأتى بي إلى السماء الدنيا فاستفتح قيل من هذا ؟ قال : جبريل ، قيل : من معك ؟ قال : محمد ، قيل :

 أ وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم ، قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء .. 


فوجدت في السماء الأولى ، رجل ينظر عن يمينه فيجد سواد عظيم .. [[ وسواد يعني ناس ، لأن الشعر لونه أسود ، عندما تنظر لعدد كبير من الناس ، ترى سواد ]] .. ينظر الرجل عن يمينه فيرى سواد عظيم ، فيضحك

وينظر عن يساره فيرى سواد عظيم ، فيبكي ..

قلت من هذا يا جبريل ؟!.

 قال: هذا أبوك آدم ، ينظر إلى أبنائه من أهل الجنة فيضحك ، وينظر إلى أبنائه من أهل النار فيبكي ..

لماذا يضحك ولماذا يبكي ؟!.

لأنهم أبناؤه ، هناك من أبنائه من استفاد من تجربته فدخل الجنة ، وهناك من أبنائه من لم يستفد من تجربته فأصبح من أهل النار ؛ لأن قصة آدم عليه السلام كانت درس لكل البشرية .. 

فيسلم النبي صلى الله عليه وسلم على آدم ، فيقول له آدم : مرحبا بالابن الصالح ، والنبي الصالح ، والأخ الصالح ..

________________________

قال النبى : رأيت الجنة والنار .. ورأيت مالكا خازن النار ، وهو لا يضحك أبدا ، وليس على وجهه بشر ولا بشاشة .. ثم رأيت رجالاً لهم مشافر كمشافر الإبل ( المشافر هنا بمعنى الشفاة الغليظة ) ، في أيديهم قطع من نار كالأفهار (حجر حجمه مقدار ملىء الكف) ، يقذفونها في أفواههم ، فتخرج من أدبارهم ، فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ ، قال هؤلاء أكلة أموال اليتامى ظلما .. قال : ثم رأيت رجالاً لهم بطون لم أر مثلها قط ، لا يقدرون لكبرها أن يتحولوا عن أماكنهم ، ويمر بهم آل فرعون حين يعرضون على النار فيطأونهم ، قال : قلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال هؤلاء أكلة الربا .. ثم قال : رأيت نساء معلقات بثديهن ، فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ ، قال هؤلاء اللاتي أدخلن على رجالهن من ليس من أولادهم (الزانيات) .. قال : ثم رأيت رجالا ، بين أيديهم لحم سمين طيب ، وبجانبه لحم غث نتن ، يأكلون من الغث المنتن ويتركون الطيب السمين ، فقلت من هؤلاء يا جبريل؟.. ، قال : هؤلاء هم الزناة .....  قال : ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية .. فتكرر نفس الحديث للإذن بالدخول ، فلما خلصت إذا يحي وعيسى وهما أبناء خالة ، (( يقال أبناء خالة مجازا ، لكن الواقع أن سيدنا يحيى ابن زكريا ، هو ابن خالة العذراء مريم والدة سيدنا عيسى )) ، قال جبريل : هذا يحي بن زكريا وعيسى بن مريم فسلم عليهما ، فسلمت وردا السلام ثم قالا : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح .. قال ثم صعد بي إلى السماء الثالثة ، فاستفتح وتكرر نفس الحديث ، فلما خلصت فإذا فيها رجل صورته كصورة القمر ليلة البدر ، قلت : من هذا يا جبريل؟ ، قال هذا أخوك يوسف بن يعقوب فسلم عليه ، فسلمت فرد السلام ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح .. قال : ثم صعد بي إلى السماء الرابعة ، فإذا فيها رجل فسألته : من هو ؟ ، قال هذا إدريس ، وتكرر معه السلام فرد السلام وذكر عبارات الترحيب .. قال : ثم صعد بي إلى السماء الخامسة فاستفتح ، وتكرر نفس الحديث ، فلما خلصت إذا فيها رجل كهل أبيض الرأس واللحية ، لم أر كهلاً أجمل منه ،  قلت : من هذا يا جبريل؟ ، قال هذا المحبب في قومه هارون بن عمران فسلم عليه ، فسلمت عليه فرد ، ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح .. قال : ثم صعد بي إلى السماء السادسة فاستفتح ، وتكرر نفس الحديث ، فلما خلصت ، قال هذا أخوك موسى بن عمران ، فسلم عليه ، فسلمت عليه فرد السلام ، ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، فلما تجاوزت بكى ، قيل ما يبكيك؟ .. قال : أبكي لأن غلاما بعث بعدي ، يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتي .. قال : ثم صعد بي إلى السماء السابعة ، فاستفتح وتكرر نفس الحديث ، إذا فيها رجل كهل ، جالس مسندا ظهره على باب البيت المعمور ، فقلت : يا جبريل ما هذا ؟ قال : هذا البيت المعمور ، وهو بيت فوق الكعبة مباشرة ، يتعبد إليه أهل السماء ، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، وإذا خرجوا منه لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة ، وفوقه مباشرة عرش الرحمن ، فقلت : من هذا يا جبريل؟ ، قال : هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه ، فسلمت عليه فرد السلام ، وقال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح .. قال : 

وبعد أن سلم إبراهيم عليه السلام ، على الرسول صلى الله عليه وسلم .. بعث إلينا مع النبى برساله ، قال إبراهيم : أقرأ أمتك مني السلام .. [ ونحن جميعا نرد و نقول ، وعليك السلام يا نبي الله إبراهيم ، يا أبا الأنبياء ].

ثم أكمل الرسالة بقوله :  وقل لهم : إن الجنة طيبة التربة عذبة الماء ، وإن غراسها {{ سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر }} ...

___________________________


 وهنا تتضح الحكمة من : لماذا نخصَّ سيدنا إبراهيم عليه السلام من بين سائر الأنبياء عليهم السلام بذكرنا إياه في الصلاة؟.. والجواب : لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، رأى ليلة المعراج  جميع الأنبياء والمرسلين وسلَّم على كل نبي .. ولم يسلم أحد منهم على أمته غير إبراهيم عليه السلام ، فأمرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن نصلي عليه في آخر كل صلاة ، "فى التشهد" ، إلى يوم القيامة مجازاةً على إحسانه ..

والسبب الثانى ، يقال : إن إبراهيم عليه السلام ، لما فرغ من بناء الكعبة ، دعي لأمة محمد عليه الصلاة والسلام وقال : اللهم من حج هذا البيت من أمة محمد فهَبْه مني السلام ، وكذلك دعي أهله وأولاده بهذه الدعوة ، فأمرنا بذكرهم في الصلاة مُجازاة على حُسْن صنيعهم ..

___________________________

وهكذا التقى صلى الله عليه وسلم ، بأنبياء الله في السماء الأولى ، والثانية ، والثالثة .. إلى أن ارتقى السبع الطباق ، فوصل صلى الله عليه وسلم إلى مكان بعد السماء السابعة ، وهي سدرة المنتهى .. فإذا بجبريل تتغير هيأته ، ويأخذ صورته الملائكية .. 

بدليل قوله تعالى : {{ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ * لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ }} ..

هذه هى المرة الثانية ، التى يرى النبي صلى الله عليه وسلم ، جبريل على صورته الملائكية .. 

والسؤال : متى كانت المرة الأولى؟؟..

[[ للتذكرة : كما قلنا من قبل ، عند نزول الوحي ، عندما جاء جبريل إلى النبي في غار حراء أول مرة ، والحوار : اقرأ ، ما أنا بقارئ .. جاء إليه بصورة بشر حتى لا يرهبه .. ثم انقطع عنه الوحي ، ليشتد شوق النبي إليه .. وبعد ٤٠ يوما ، جاءه جبريل المرة الثانية ،  وهو صاعد إلى جبل حراء ، على صورته الملائكية .. فسد له الأفق ، فارتعد النبي وارتعب وجثا على ركبتيه ، من هيبة رؤية جبريل على هذا الشكل .. فكانت هذه هى المرة الأولى التى رآه فيها بصورته الملائكية ]] ..

جبريل ، صورته الملائكية عظيمة ، يقال إن له {{ ٦٠٠ جناح }} .. إذا نشر جناحين من أجنحته ، غطى هذا الكون بأكمله ، من مشرقه الى مغربه .. 

[[ وحدث عندما أتى جبريل أرض سدوم لإهلاكهم بأمر الله ( أرض سدوم هى مكان قرى قوم لوط ) .. رفع قرى قوم لوط عليه السلام ( ويقال أنها كانت سبع قرى ) ،  بطرف جناحه ، ووصل بهم إلى السماء ، حتى سمعت الملائكة أصوات صراخهم .. ثم تركهم فسقطوا من هذا الارتفاع الشاهق إلى سطح الأرض .. فنشأ البحر الميت ، إذ خرجت المياه من باطن الأرض الصحراوية فى موضع ارتطامهم بالأرض ، وحدث أن دفن قوم لوط بقراهم جميعا تحت هذا البحر .. وهذا البحر نسبة الملوحة فى مياهه عالية جدا ، لذلك لا تعيش فيه أى أحياء مائية أو نباتات ، وهذا سبب تسميته بالبحر الميت .. وهناك علامة أخرى : من ذهب منكم فى زيارة إلى البحر الميت فى الأردن ، فليتأمل جبالها .. سيجد أثر طرف جناح جبريل بجرف الجبال من أسفل، إذ مرر جناحه بأسفل جبالهم وجرفهم من القاع ، ورفعهم لهذا نراها أدنى بقعة على وجه الأرض ]] .. 

___________________________

 هنا رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته الملائكية .. يقول : 

فلما وصل جبريل إلى مكان توقف ، فنظرت إليه فإذا هو كالحنث البالي [[ يقال عن الصوف عندما يوضع فى الماء فينكمش .. نحن نقول عنه بعد الغسيل كش وصغر حجمه ]] ..

 جبريل وقف وقد انكمش من أنوار الحق .. فنظرت إليه ، 

فقال جبريل : تقدم يا محمد .. 

[[ تقدم؟!!.. أين أتقدم يا جبريل ، أنا في عالم لا أعرفه فوق السماوات السبع ]] ..

 قال : تقدم يا محمد .. 

 فقلت له : ها هنا يا جبريل يترك الخليل خليله؟.. 

قال : تقدم .. هذا المقام لا ينبغي لغيرك .. [[ لا ينبغي لغيري؟.. وقف النبي متحيراً ]] ..

 فطمأنه جبريل وقال: والذي أرسلك ونفسي ونفسك بيده ، لو تقدمت معك بعد الآن قيد أنملة .. [[ يعني عرض أصبع اليد ]] ، لاحترقت ، من سبوحات أنوار الحق .. 

 يا محمد : لكل منا مقام معلوم ، وهذا المقام لا ينبغي إلا لك .. تقدم ، تقدم يا محمد  ..

يقول صلى الله عليه وسلم : 

فتقدمت ، عند سدرة المنتهى ،،

___________________________

هل عرفتم قدر نبيكم صلى الله عليه وسلم ؟؟..

والله لا يعرف {{قدر محمد إلا رب محمد}} ، صلى الله عليه وسلم .. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ،،، 


يتبع إن شاء الله .. 

الأنوار المحمدية 

صلى الله عليه وسلم

المتابعون

أرشيف المدونة الإلكترونية