الاثنين، 17 سبتمبر 2018
حكاية الشيخ محمود خليل الحصري شيخ المقارئ المصرية
الشيخ محمود خليل الحصري
الثلاثاء 13 أيار (مايو) 2003
خادم القرآن بحق.. مدرسة فريدة في التلاوة وهو أول من سجل المصحف المرتل للإذاعة وصاحب المصحف المعلم.. ( حملت ) جماهير المسلمين سيارته في ماليزيا على الأكتاف وهو بداخلها .. وهو القاريء الوحيد الذي قرأ القرآن الكريم في البيت الأبيض الأمريكي.
وهو من مواليد قرية شبرا النملة مركز طنطا محافظة الغربية عام1917م .. كان أبوه قد نزح من قرية سنورس محافظة الفيوم إلى قرية شبرا النملة فألحقه بكتابها عند بلوغه الرابعة من عمره فكان يحفظ القرآن سماعي ثم يكتب ما حفظه على اللوح بعد أن تعلم الحروف الأبجدية وقد أتم حفظ القرآن في الثامنة من عمره .. ولم تكن المعاهد الدينية في ذلك الوقت تسمح بقبول الطلاب قبل أن يتم الثانية عشرة من عمره فظل مع شيخه ومحفظه بالكتاب فتعلم التجويد فكان يذهب إلى مسجد القرية في صلاة العصر ليقرأ ما يتيسر من آيات الذكر الحكيم فنال إستحسان مستمعيه وفي ذلك الوقت أيضاً بدأت الناس تتعرف عليه وتدعوه ليشاركهم أفراحهم وحفلاتهم حتى نضج صوته وعلى صيته في القرية كلها.. وعند بلوغه الثانية عشر من عمره إلتحق بالمعهد الديني بمدينة طنطا وظل يدرس حتى مرحلة الثانوية العامة ثم إنقطع عن الدراسة بعد لك لتعلم القراءات العشر وفي تلك الفترة كان يذهب لإحياء الليالي والمآتم كلما دعي إلى ذلك وظل مقيماً بقرية شبرا النملة حتى ألتحق بالإذاعة عام 1944م.
الأستاذ سيد الحصري ...عندما ذاع صيت الشيخ الحصري في قرية شبرا النملة دعاه شيخ الخفر أكثر من مرة للقراءة في داره وأبخسه حقه فماذا كان يفعل وماذا كان يعطيه من الأجر؟
** هذه كانت بدايته مع القرآن سنة 1928م دعاه شيخ الخفر لإحياء حفل في داره في بيته ووعده باعطاءه
ثلاثين قرشاً في نهاية هذا الشهر وكانت سعادته كبيرة فسنه مازالت صغيرة وهب وقرأ إلا أن شيخ الخفر لم يعطه سوى عشرين قرشاً قائلاً له: إبقى عدي علي بعد العيد عشان أعطيك الباقي ولما هب إليه قال لأهل بيته: كيلو للحصري كيلتين ونصف فول بالبريزة بتاعتو علشان ما يجلناش ثاني.
ولماذا كانت الناس تتركه يقرأ وحده وينصرفون عنه في بيت شيخ الخفر؟
** أبداً لم ينصرف الناس عن قراءته ولكن شيخ الخفر كان يدعوه للقراءة في بيته كما ذكرت ويتركه وحيداً في صحن الدار ليقرأ بعد صلاة العشاء حتى آذان الفجر وكانت الناس تريد أن تقضي مصالحها فتنصرف فكان الصبي محمود الحصري يستمر في القراءة ولا أحد يسمعه فالكل مشغول بإعداد السحور في داره.. وبينما هو كذلك إذا بأهل البيت يأتون بطعام السحور إليه ويضعونه بجواره ليأكل وقتما شاء إلا أن النوم غلب عليه فنام ولما أستيقظ وجد كلباً يأكل طعامه نتيجة غفلته ونومه.
كيف عرف الشيخ الحصري طريقه للإذاعة المصرية؟
** في عام 1944م تقدم للإذاعة بطلب تحديد ميعاد لامتحانه و بالفعل تم تحديد ذلك الميعاد وأجتاز الاختبار وتم التعاقد معه في نفس اليوم فكانت أول قراءة له على الهواء مباشرة يوم 16 نوفمبر عام 1944م وكان وقتها لا يزال مقيماً بقرية شبرا النملة.
في عام 1948م صدر قرار بتعيينه مؤذناً لمسجد سيدي حمزة بمدينة طنطا إلا أنه طلب أن يكون قارئاً للسورة رغم أن أجر الوظيفة الأخيرة أقل من الأولى فما السبب وراء ذلك؟
** لقد عين أول تعيين له كشيخ لمقرئة سيدي عبد المتعال بمدينة طنطا وفي عام 1948م صدر قرار بتعيينه مؤذناً بمسجد سيدي حمزة وكان ذلك بتاريخ 7\8\1948م إلا أن حبه لقراءة القرآن وتلاوته ولرغبته في أن يكون صيته مشهوراً فطلب أن يكون قارئاً للسورة يوم الجمعه بدلاً من وظيفة المؤذن الذي راتبه أعلى فصدر قرار بنقله إلى وظيفة قارئ سورة بتاريخ 10\10\1948م بنفس المسجد إلى جانب عمله شيخاً لمقرئة سيدي عبد المتعال ثم صدر قرار وزاري بقيامه بمهمة الإشراف الفني على مقاريء محافظة الغربية وفي 17\4\ 1949م إنتدب للقراءة بمسجد سيدي أحمد البدوي بمدينة طنطا وظل بالمسجد الأحمدي حتى عام 1955م حيث توفى الشيخ الصيفي الذي كان قارئاً للسورة بمسجد الإمام الحسين بالقاهرة فتم نقله إلى القاهرة قارئاً للسورة بمسجد الإمام الحسين فأنتقل إلى القاهرة وأقام فيها حتى وفاته.
تقلد الشيخ الحصري مناصب عديدة كلها في خدمة القرآن .. نود مزيداً من الضوء على هذه المناصب؟
** تم تعيينه شيخاً بعموم المقاريء المصرية عام 1960م ثم مستشاراً فنياً لشؤون القرآن بوزارة الأوقاف في عام 1963م فرئيساً للجنة تصحيح المصاحف ومراجعتها بالأزهر عام 1963م فخبيراً فنياً لعلوم القرآن والسنة عام 1967م بمجمع البحوث الإسلامية.
الشيخ الحصري كان أول من سجل المصحف مرتلاً للإذاعة عام 1960م فمن صاحب هذه الفكرة وما الهدف منها؟
** كان الشيخ الحصري بعيد النظر في كثير من الأمور الخاصة بالعقيدة فقد أحس بخطورة التبشير وحملات التنصير في أفريقيا والتي بدأت تحرف في القرآن فأراد أن يكون القرآن مسجلاً على شرائط كاسيت أو أسطوانات فكانت رحلته مع الأستاذ لبيب السباعي وآخرين فتم تسجيل المصحف المرتل بصوت الشيخ الحصري بعد أن رفض العديد من المشايخ والقراء الفكرة من بدايتها لإختلافهم حول العائد المادي منها وبذلك أصبح الشيخ الحصري أول صوت يجمع القرآن الكريم مرتلاً على أسطوانات وكان ذلك برواية حفص وقد تم تسجبل بعض السور ثم عرضت على وزارة الأوقاف التي وافقت على الاستمرار في تسجيل المصحف مرتلاً كاملاً وقد كتب لهذا التسجيل النجاح المنقطع النظير ثم تم التسجيل مرتلاً برواية ورش عن نافع ثم سجل الشيخ الحصري أيضاً القرآن مجوداً بصوته ثم مرتلاً برواية قالون والدوري ثم سجل المصحف المعلم وقد مكث مدة تقترب من العشرة سنوات لتسجيل المصحف مرتلاً بالروايات المختلفة.
كيف كان إستقبال المستمعين للمصحف المرتل بصوت الشيخ الحصري؟
** لقد كان نجاحه باهراً وقد منحه الرئيس عبد الناصر وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1967م تكريماً له لتسجيله المصحف المرتل كذلك نال تقدير الملوك والرؤساء في العالم العربي والإسلامي.
ما هي حصيلة ما كسبه من بيع المصحف المرتل مسجلاً ؟
** لم يسجل المصحف المرتل لحساب أي شركة من شركات القطاع الخاص أو لحسابه هو ولكن لحساب المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية على أن يتولى المجلس توزيعه على إذاعات العالم الإسلامي ولم يكن الشيخ الحصري يسعى إلى العائد المادي قدر سعيه لنيل رضاء الله عز وجل عنه وخاصة بعد أن رفض العديد من القراء التسجيل المرتل لإختلافهم حول نسبة العائد المادي من التوزيع ولكن الشيخ الحصري لم يهتم بكل ذلك حتى أنه كان يردد قائلاً: إن النجاح الذي تحقق لم أكن أتوقعه وهذا فضل من ربي علي كبير.
عندما رشحته وزارة الأوقاف لمرافقة الرئيس جمال عبدالناصر في رحلته إلى الهند .. ضل الطريق في شوارع الهند وتاه.. فما قصة هذه الزيارة؟
** في عام 1960م رشحته وزارة الأوقاف لمرافقة الرئيس جمال عبد الناصر في زيارته لبعض الدول الإسلامية في آسيا كالهند وباكستان وكان من المفروض أن يسبقه الشيخ الحصري إلى تلك الدول ليقرأ القرآن للمسلمين هناك فأرسلت وزارة الأوقاف خطاباً إلى سفارتها في الهند تخطرهم بميعاد وصول الشيخ ليكون هناك من يستقبله إلا أن الشيخ فوجئ عند وصوله مطار بومباي بالهند بعدم وجود من يستقبله فكان في حيرة شديدة ولم يدر ماذا يفعل إلا أن الله هداه لأن يستقل إحدى سيارات التاكسي ووقف بأحد الشوارع بوسط المدينة حائراً ينظر إلى الناس وهم كذلك ينظرون إليه وإلى عمامته وجبته وشكله غير المألوف بالنسبة لهم فأستوقف أحد المارة وأخذ يشير إليه بكلتا يديه بإشارات تعني رغبته في إرشاده عن مكان يبيت فيه فأصطحبه إلى أحد الفنادق وفور وصوله قام بإعطاء المسؤولين عن الفندق خطاباً مدون عليه بالإنجليزية مستر صلاح العبد وكان مستشار مصر الثقافي في الهند وهو بلديات الشيخ وأفهم المسؤلين عن الفندق بإشارات توحي بأنه يريد الاتصال به وفعلا تم الاتصال به عن طريق التلفون وأتى إليه وانتهت مشكلته في تلك الزيارة بلقائه بالأستاذ صلاح العبد ولكنه ومنذ ذلك الوقت قرر ألا يسافر إلى أي دولة أجنبية أو عربية إلا بعد أن يتصل بنفسه بالمسوؤلين بالسفارات المصرية حتى لا يقع في حيرة مرة أخرى وكان رحمه الله يضحك كثيراً كلما تذكر هذه الواقعة.
قام الشيخ الحصري بتأليف العديد من الكتب وبذلك فهو يعد أول قاريء بل وآخرهم فيما أعتقد يؤلف كتباً في القراءات المختلفة.. فما الدافع وراء تأليف هذه الكتب؟ ومن الذي أوحى إليه بهذه الفكرة؟
** أستاذه المرحوم الشيخ الضباع شيخ عموم المقاريء المصرية الأسبق هو الذي أوحى إليه بهذه الفكرة لما رأى فيه قدرة كبيرة على الصياغة والتأليف وكان الشيخ الضباع يتابع ويراجع ما يكتبه الشيخ الحصري .. وقد ألف الشيخ الحصري بعض الكتب عن القراءات العشر وكان يطبعها على حسابه ويوزعها مجاناً حتى انه أعطى هذه الكتب للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية مجاناً وكان المجلس يوزعها بسعر رمزي جداً وكان ذلك يسعد الشيخ الحصري جداً.
تزوج الشيخ الحصري عام 1938م.... فما دور الزوجة في حياته؟
** كان الشيخ كثير الأسفار ولذا فالعبء الأكبر يقع على عاتق الزوجة الأم فهي التي قامت بإعداد الأبناء وتربيتهم وخاصة وأن الشيخ كان نادراً ما يجلس مع أبناءه لكثرة إنشغاله بالقرآن ورسالة تلاوته وقراءاته وإعداد الكتب الخاصة بالتسجيلات كل ذلك كانت الأم والزوجة هي التي تشرف على توفير سبل الراحة له ولأولاده وأعتقد أنها نجحت نجاحاً كبيراً في مهمتها واستطاعت أن تهيء المناخ المناسب ليستمر في رسالته دون أن تحمله مشقة متابعة وتربية الأبناء وما يحتاج من جهد كبير وكان كل ذلك تقوم به عن طيب خاطر.
** لقد كان أباً حنوناً جداً ولكنه يهتم إهتماماً شديداً بحفظ القرآن وقد إستطعنا جميعاً حفظ القرآن كاملاً والحمد لله وقد كان يعطي كل من حفظ سطراً قرش صاغ بجانب مصروفه اليومي وإذا أراد زيادة يسأل ماذا تحفظ من القرآن فإن حفظ وتأكد هو من ذلك أعطاه وقد كانت له فلسفة في ذلك فهو يؤكد دائماً على حفظ القرآن الكريم حتى نحظى برضاء الله علينا ثم رضاء الوالدين فنكافيء بزيادة في المصروف وكانت النتيجة أن ألتزم كل أبناءه بالحفظ وأذكر أنه في عام 1960م كان يعطينا عن كل سطر نحفظه خمسة عشر قرشاً وعشرة جنيهات عن كل جزء من القرآن نحفظه وكان يتابع ذلك كثيراً إلى أن حفظ كل أبناءه ذكوراً وإناثاً القرآن الكريم كاملاً والحمد لله.
كيف بدأت رحلته مع المرض ؟
** في عام 1980 م عاد من رحلته من السعودية مريضا وقد زاد عناء السفر وإجهاده من مرضه الذي كان يعاني منه وهو القلب إلا أن المرض إشتد عليه بعد ثلاثة أيام من عودته ونصحنا الأطباء بضرورة نقله إلى معهد القلب إلا أنه رفض نصيحة الأطباء بل ورفض تناول الأدوية مرددا : الشافي هو الله ولما تدهورت صحته تم نقله رغما عنه إلى معهد القلب وقد تحسنت صحته فعاد إلى البيت مرة أخرى حتى ظننا أنه شفي تماما وظن هو كذلك إلا أنه في اليوم الأثنين الموافق 24 نوفمبر عام 1980 م فاضت روحه إلى بارئها بعد أن أدى صلاة العشاء مباشرة.
كان الشيخ يقوم بنفسه بمتابعة إتمام بناء المعهد الديني ببلدته ومسقط رأسه شبرا النملة قبل وفاته بعام واحد ... فهل كان يشعر بدنو أجله وخاصة بعد أن جمع كل أولاده وعرض عليهم وصيته ؟
** أعتقد أنه كذلك ففي عامه الذي توفى فيه كان يحاول الإنتهاء من بناء مسجد البلدة ومسجد آخر أعد ليكون مكتب لتحفيظ القرآن وقد تم الإنتهاء من بناء المسجد الكبير وتسلمته إدارة الأزهر قبل وفاته بخلاف المعهد الديني وقد جمعنا الشيخ رحمه الله وأشار علينا بوصيته التي قرر فيها التبرع بثلث جميع أملاكه لاستكمال الأعمال الخيرية التي كان يقوم بها وقد سعدنا بما وصى به والحمد لله فقد تحقق له ما أراد.
كيف كان يبدأ حياته اليومية ؟
** كان يومه يبدأ مع آذان الفجر حيث ينهض للصلاة ثم يعاود النوم مرة أخرىلمدةثلاثساعاتويستيقظفي العاشرة صباحا تقريبا ويتناول طعام الإفطار وهو عبارة عن طبق من الفول منزوع القشر وطبق سلطة وقطعة من الجبن الأبيض وأقل من نصف رغيف أما وجبة الغذاء فطعامه كان مسلوقا و لايزيد في وجبة العشاء عن قطعة من الجبن الأبيض وكوب من الزبادي .
وما هي الفاكهة التي كان يفضلها ؟
** البطيخ .. وكان يحبه جدا مع قطعة من الجبن الأبيض والخبز الجاف.
ما هو أعلى أجر حصل عليه ؟
** لم يتفق على أجر ابدا ولذا كان اجره أكبر مما توقع.
هل ورث أحد أبنائه مهنة القراءة وإحتراف التلاوة في السهرات؟
** كل أولاده يتمتعون بصوت جميل طيب ولم يمتهن أحد من أبنائه هذه المهنة إلا محدثك السيد الحصري حيث تم إعتمادي قارئا للسورة بمسجد العزباني بحي الموسكي بالقاهرة.
كيف احتفل الشيخ الحصري بزواج ابنته الكبرى ؟
** أتى الشيخ الفيومي لينشد الأناشيد الدينية وقد كنا سعداء بهذا الإنشاد سعادة بالغة.
(...)
ما هي آخر المناصب التي تقلدها الشيخ الحصري ؟
** انتخب رئيسا لاتحاد قراء العالم الأسلامي عام 1968 م وكان أول من قرأ في الكونجرس الأمريكي وهيئة الأمم المتحدة.
حكاية الشيخ محمد صديق المنشاوي صاحب الصوت الباكي
الشيخ محمد صديق المنشاوي
الأحد 11 أيار (مايو) 2003
هو نبتة الشيخ صديق المنشاوي وهو أول قاري تنتقل إليه الإذاعة لتسجل له ويرفض طلبها والاعتماد بها.. كان لا يكف عن قراءة القرآن .. يتلوه في كل أحواله.. عندما استمع المسلمون في اندونيسيا لصوته أجهشهم البكاء....
وهو من مواليد مركز المنشأة محافظة سوهاج عام1920م من أسرة حملت رسالة تعليم القرآن وتحفيظه وتلاوته على عاتقها فأبوه المقريء الشيخ صديق المنشاوي الذي ذاع صيته في أنحاء مصر والوجه القبلي معلماً وقارئاً ومجوداً للقرآن وله تسجيلاته النادرة بإذاعات سوريا ولندن والتي تذاع بصوته حتى الآن وعمه الشيخ أحمد السيد وهو الذي رفض القراءة بالقصر الملكي فكان الشيخ محمد صديق المنشاوي هو نبت هذا الفضل القرآني وقد التحق بكتاب القرية وعمره أربع سنوات ورأى شيخه أبو مسلم خيراً كثيراً لسرعة حفظه وحلاوة صوته فكان يشجعه ويهتم به فأتم حفظه قبل أن يتم الثامنة من عمره فأصطحبه عمه الشيخ أحمد السيد معه إلى القاهرة ليتعلم القراءات وعلوم القرآن ونزل في ضيافة عمه وعند بلوغه الثانية عشرة درس علم القراءات على يد شيخ محمد مسعود الذي انبهر به وبنبوغه المبكر فأخذ يقدمه للناس في السهرات والليالي وظل الصبي محمد صديق على ذلك الحال حتى بلغ الخامسة عشر فأستقل عن شيخه ووالده بعد ذيوع صيته بمحافظات الوجه القبلي بصفة عامة ومحافظة سوهاج بصفة خاصة فزادت ثقته بنفسه وكان له عظيم الأثر في رحلته مع القرآن بعد ذلك.
*الحاج سعودي محمد صديق.. في عام 1953م كتبت مجلة الإذاعة والتلفزيون في إحدى أعدادها عن الشيخ محمد صديق المنشاوي أنه أول مقريء تنتقل إليه الإذاعة.. فكيف كانت تلك الواقعة ؟ ولماذا انتقلت الإذاعة إليه؟ وهل كان يرفض القراءة لها؟
** كان صيته وشهرته وحسن قراءته وتلاوته حديث الناس في مصر ولما علم المسؤلون بالإذاعة بتلك الموهبة أرسلوا إليه يطلبون منه أن يتقدم بطلب للإذاعة ليعقد له اختبار فإن اجتازه يعتمد مقرئاً بها فرفض الشيخ هذا المطلب وقال: لا أريد القراءة بالإذاعة فلست في حاجة إلى شهرتها ولا أقبل أن يعقد لي هذا الامتحان أبداً... فما كان من مدير الإذاعة في ذلك الوقت إلا أن أمر بأن تنتقل الإذاعة إلى حيث يقرأ الشيخ محمد صديق المنشاوي وبالفعل فوجئ الشيخ وكان يحي حفلاً رمضانياً في قرية إسنا بدار أحد الأثرياء لعائلة حزين بأن الإذاعة أرسلت مندوبها لتسجل قراءته وتلاوته وفي ذات الوقت كانت مجموعة أخرى من الإذاعة قد ذهبت لتسجل قراءة أبيه الشيخ صديق المنشاوي والذي كان يقرأ بقرية العسيرات بمحافظة سوهاج في بيت الحاج أحمد أبو رحاب وكانت تلك التسجيلات من جانب الإذاعة لتقييم صوتيهما فكانت تلك أول حادثة في تاريخ الإذاعة أن تنتقل بمعداتها والعاملين بها ومهندسيها للتسجيل لأحد المقرئين فكان ما قلته لحضرتك وفعلاً كتبت إحدى المجلات عن هذه الواقعة.
عندما قيم المسؤلون بالإذاعة الشريطين الذين سجلا للشيخ محمد صديق وأبيه أرسلوا إليهما لإعتمادهما إلا أنهما رفضا مرة ثانية... فكيف تم إذن اعتماد الشيخ محمد صديق المنشاوي بالإذاعة ولماذا أصر أبوه على موقفه؟
** أثار هذا الموقف غضب المسؤلين بالإذاعة وكادت أن تصبح مشكلة كبيرة إلا أن أحد المقربين من الشيخ محمد صديق وكان ضابطاً كبيراً برتبة اللواء وهو عبد الفتاح الباشا تدخل في الأمر موضحاً للشيخ محمد أن هذا الرفض ليس له أي مبرر و لا يليق به خاصة وأن الإذاعة قد أرسلت إليه مهندسيها وفنييها لتسجل له بعد رفضه، وطالما أن المسؤلين قد أعطوه قدره وأنصفوه فليس هناك أي مبرر للرفض ولا بد أن يحسن معاملة المسؤلين كما أحسنوا معاملته، وبعد إلحاح شديد ذهب الشيخ محمد صديق المنشاوي للإذاعة واستكمل تسجيلاته وظل قارئاً بالإذاعة منذ ذلك إلى أن توفاه الله، أما والده فقال: يكفي الإذاعة المصرية من عائلة المنشاوي ولدي محمد.
ولهذا السبب أيضاً سجل بعض الشرائط لإذاعات سوريا ولندن؟
** هو بالضبط كذلك فقد كانت شهرة الشيخ صديق السيد تملأ آفاق العلم العربي رغم أنه لم يقرأ بالإذاعة المصرية فطلبت منه إذاعتا سوريا ولندن تسجيل القرآن بصوته لهما... فرفض في البداية ولكنه بعد معاودة الاتصالات والإلحاح عليه وافق على تسجيل خمس أشرطة للقرآن بصوته للإذاعتين ولم يزد على ذلك وكان يقول: لولا إلحاحهم المستمر ما وافقت على تلك التسجيلات.
كيف استقبل الشيخ محمد صديق المنشاوي رفض أبيه للقراءة بالإذاعة المصرية؟
** كان لا يعارض أباه أبداً ويحترم رأيه دون نقاش ولم يعلق على ذلك الأمر.
طلب الملك فاروق من الشيخ أحمد السيد عم الشيخ محمد صديق المنشاوي أن يكون قارئاً بالقصر الملكي... إلا أنه رفض.... لماذا؟
** هو لم يرفض.. ولكنه اشترط على الملك أن تمتنع المقاهي عن تقديم المشروبات ولعب الطاولة اعتبارا من الساعة الثامنة مساء وقت إذاعة القرآن الكريم والذي كانت تنقله الإذاعة من القصر الملكي قائلاً للملك: إن للقرآن جلاله فهو كلام الله ولا يجب أن ينشغل الناس عنه وقت تلاوته بالسؤال عن المشروبات والحديث واللهو ولعب الطاولة فقال له الملك: ذلك يعني أن نكلف حارساً على كل مقهى وهذا أمر يتعذر علينا فقال الشيخ أحمد: كذلك فهذا أمر يتعذر علينا أيضاً وتلا قوله تعالى" وإذا قريء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلم ترحمون" فما كان من الملك إلا أن أجله وقدره ولم يجبره على القراءة بالقصر الملكي.
تزوج الشيخ محمد صديق المنشاوي مرتين فما سبب زواجه الثاني ؟
** لقد تزوج عام 1938م من ابنة عمه وكان ذلك هو زواجه الأول وأنجب منها أربعة أولاد ولدين وبنتين ثم تزوج الثانية وكان عمره قد تجاوز الأربعين وكانت من مركز أخميم محافظة سوهاج وأنجب منها تسعة أبناء خمسة ذكور وأربع إناث وكانت زوجتاه تعيشان معاً في مسكن واحد يجمعهما الحب والمودة وكان يقول: الناس يحبونني ويتمنون مصاهرتي وقد توفت زوجته الثانية أثناء تأديتها فريضة الحج قبل وفاته بعام واحد.
*كان قد أشيع أن صوت الشيخ محمد صديق المنشاوي ضعيف ولا يستطيع تبليغه لمستمعيه إلا من خلال ميكرفون.. فمن كان صاحب تلك الإشاعة ؟ وكيف استقبلها الشيخ محمد صديق؟
** هي بالفعل كانت إشاعة ونكاية وحقداً من أحد المقرئين وقد حكى لنا بعض المخلصين من المقرئين عن واقعة أثبتت ما أقول حيث دعي الشيخ محمد لأحياء سهرة بمحافظة المنيا ودعي معه مقريء آخر وكان الحضور كثيرين جداً قد يزيد عددهم عن العشرة الآلاف جاءوا جميعاً ليستمعوا على القرآن بصوت الشيخ محمد فلما أحس ذلك المقريء بشغف الناس ومطالبتهم صاحب الدعوة بتعجل الشيخ محمد صديق بالتلاوة فما كان منه إلا أن أوصى عامل الميكرفون بافتعال عطل فني في الميكرفون وأطلق بين الناس شائعة أن صوت الشيخ محمد ضعيف جداً ولولا الميكرفون ما كان له هذا الصيت وعندما بدأ الشيخ محمد صديق يستعد للقراءة فوجيء بعامل الميكرفون يخبره بوجود عطل فني بالميكرفون يتعذر إصلاحه في حينه فاستشعر الشيخ محمد صديق بأن هناك مؤامرة لإحراجه وسط هذا الجمع الغفير فما كان منه إلا أن استعاذ من الشيطان الرجيم وأخذ يقرأ بين الناس ماشياً على قدميه تاركاً دكة القراءة والناس تتجاوب معه حتى أبهر الناس بقوة صوته فانخسأ هذا المقريء الحاقد تاركاً الحفل للشيخ محمد صديق المنشاوي الذي أحياه على تلك الحالة حتى ساعة متأخرة وعندما سألنا والدنا عن هذه الواقعة قال: لقد حدث ما قيل لكم، فسألناه عن اسم هذا المقريء فقال: إن الله حليم ستار.
قيل أن نبوغ الشيخ محمد صديق المنشاوي المبكر في التلاوة سبب له الكثير من المتاعب التي وصلت بالحاقدين عليه أن يدسوا له السم في الطعام... فكيف نجا من هذا الموت المحقق؟ ومن الذي دس له هذا السم؟
** لقد حكى هذه الواقعة بنفسه ولو أن أحداً غيره قصها ما صدقته فقد جلس يحكي لجدي الشيخ صديق ونحن جلوس عنده أنه كان مدعواً في إحدى السهرات عام1963م وبعد الانتهاء من السهرة دعاه صاحبها لتناول الطعام مع أهل بيته على سبيل البركة ولكنه رفض فأرسل صاحب إليه بعضاً من أهله يلحون عليه فوافق وقبل أن يبدأ في تناول ما قدم إليه من طعام أقترب منه الطباخ وهو يرتجف من شدة الخوف وهمس في إذنه قائلاً: يا شيخ محمد سأطلعك على أمر خطير وأرجوا ألا تفضح أمري فينقطع عيشي في هذا البيت فسأله عما به فقال: أوصاني أحد الأشخاص بأن أضع لك السم في طعامك فوضعته في طبق سيقدم إليك بعد قليل فلا تقترب من هذا الطبق أو تأكل منه، وقد استيقظ ضميري وجئت لأحذرك لأني لا أستطيع عدم تقديمه إليك فأصحاب السهرة أوصوني بتقديمه إليك خصيصاً تكريماً لك، وهم لا يعلمون ما فيه ولكن فلان... ولم يذكر الشيخ اسمه أمامنا... أعطاني مبلغاً من المال لأدس لك السم في هذا الطبق دون علم أصحاب السهرة ففعلت فأرجوا ألا تبوح بذلك فينفضح أمري... ولما تم وضع الطبق المنقوع في السم عرفه الشيخ كما وصفه له الطباخ وادعى الشيخ ببعض الإعياء أمام أصحاب الدعوة ولكنهم أقسموا عليه فأخذ كسرة خبز كانت أمامه قائلاً: هذا يبر يمينكم ثم تركهم وانصرف.
ألم يفصح الشيخ محمد عن اسم ذلك الرجل الذي أراد قتله؟
** كل الذي حدث أنه تعجب واندهش من أفعال ذلك الرجل وخاصة بعد علمه أنه مقريء ولكنه لم يذكر اسمه حتى أننا تعجبنا من عدم سؤال جدي لابنه عن اسم ذلك المقريء وأمام هذا الأمر لم يكن باستطاعتنا أن نسأل الشيخ محمد عنه مادام لم يفصح هو عنه.
لم يلتحق الشيخ محمد صديق المنشاوي بأي معهد لتعلم الموسيقى ولم يدرسها على يد أحد الموسيقيين فكيف اكتسب صوته هذا النغم في التلاوة؟
** هي موهبة أنعم الله عليه بها وأذكر أن أحد الموسيقيين الكبار في فترة الستينات عرض عليه أن يلحن له القرآن قائلاً له: يا شيخ أنت الصوت الوحيد الذي يقبل الموسيقى في القرآن فقال له الشيخ محمد: يا سيدي لقد أخذت الموسيقى من القرآن فكيف تلحن أنت القرآن بالموسيقى فخجل الرجل من نفسه.
هل كان يستمع إلى الموسيقى أو إلى المطربين؟
** كان كثيراً ما يستمع إلى الموسيقى وكان يحب الاستماع إلى صوت السيدة أم كلثوم ويقول أن في صوتها قوة رقيقة ونغم موسيقي كذلك كان يعشق صوت الشيخ طه الفشني وبخاصة أدائه الرفيع في الابتهالات والتواشيح الدينية وكان كثيراً ما يتصل به ويلتقيان ليقف معه على مواطن الجمال الموسيقي في صوته.
عندما دعي للقراءة في حفل يحضره الرئيس جمال عبد الناصر رفض رفضاً تاماً... فماذا عن علاقته بالرئيس جمال عبد الناصر؟ ولماذا رفض؟
** لم تكن له علاقة بالرئيس جمال عبد الناصر ولكن الدعوة وجهها إليه أحد الوزراء قائلاً له: سيكون لك الشرف الكبير بحضورك حفل يحضره الرئيس عبد الناصر ففاجأه الشيخ محمد صديق بقوله: ولماذا لا يكون هذا الشرف لعبد الناصر نفسه أن يستمع إلى القرآن بصوت محمد صديق المنشاوي، ورفض أن يلبي الدعوة قائلاً: لقد أخطأ عبد الناصر حين أرسل إلي أسوأ رسله.
*رغم ذيوع صيته واتساع شهرته إلا أنه عندما كان يجلس أمام بيته لا يعرفه الناس ويسألونه عنه... ألم يسبب ذلك له شيئاً من الضيق والحزن لعدم معرفة الناس به رغم تلك الشهرة؟
** الشيخ محمد كان شديد التواضع وكان كثيراً ما يتحرر من عمامته ويرتدي جلباباً أبيض وطاقية بيضاء ويجلس أمام باب بيته فكان بعض الناس يعتقدون أنه بواب العمارة وخاصة وأن بشرته قمحية ولكن ذلك لم يكن يضايقه وذات مرة اقترب منه أحد الأخوة المسيحيين وكان جاراً لنا في المسكن فلما اقترب من الشيخ محمد صديق لم يعرفه وقال له: لو سمحت يا عم ما تعرفش الشيخ محمد صديق المنشاوي موجود في شقته ولا لأ فنظر إليه الشيخ محمد قائلاً له: حاضر يا بني انتظر لما أشوفو لك وبالفعل تركه الشيخ محمد صديق وصعد إلى شقته وارتدى العمة والجلباب والنظارة ثم نزل إليه وسلم عليه هذا الذي سأل عنه منذ لحظات ولم يقل له الشيخ عندما سأله أنه هو من يسأل عنه حتى لا يسبب له حرجاً لعدم معرفته به وهو صاحب الصيت والشهرة في العالم العربي وقضى لذلك الرجل مسألته.
كيف كانت علاقته بأهل بلدته بعد أن نال هذا القدر العظيم من الشهرة؟
** كانت علاقته بأهل بلدته لا تنقطع وهذه عادات أهل الصعيد فكان عطوفاً بهم محباً لفقرائهم وأذكر أنه قال لنا ذات مرة أنه يريد عمل وليمة كبيرة لحضور بعض الوزراء وكبار المسؤلون على العشاء فتم عمل اللزوم ولكننا فوجئنا بأن ضيوفه كانوا جميعاً من الفقراء والمساكين من أهل البلدة وممن يعرفهم من فقراء الحي الذي كنا نعيش فيه.
دوالي المريء.... هي المرض اللعين الذي هاجم الشيخ محمد صديق المنشاوي في سن مبكرة.... فتوفى دون الخمسين من عمره.. فما هي قصته مع المرض؟
** في عام 1966م أصيب رحمه الله بدوالي المريء وقد استطاع الأطباء أن يوقفوا هذا المرض بعض الشيء بالمسكنات ونصحوه بعدم الإجهاد وخاصة إجهاد الحنجرة إلا أنه كان يصر على الاستمرار في التلاوة وبصوت مرتفع حتى أنه في عامه الأخير الذي توفى فيه كان يقرأ القرآن بصوت جهوري بالدرجة الأمر الذي جعل الناس يجلسون بالمسجد الذي كان أسفل البيت ليستمعوا إلى القرآن بصوته دون علمه ولما اشتد عليه المرض نقل إلى مستشفى المعادي ولما علم الرئيس عبد الناصر بشدة مرضه أمر بسفره إلى لندن للعلاج على نفقة الدولة إلا أن المنية وافته قبل السفر في 20/6/1969م.
وهل كان الشيخ يعلم بخطورة مرضه ودنو أجله؟
** كان يعلم بذلك تماماً وكان يشغل نفسه بقراءة القرآن وأذكر انه كان عندي بالمحل قبيل وفاته بشهر تقريباً وكان من عادته أن يعطي حذاءه لعامل الورنيش ليمسحه فلما رآه هذا العامل بالمحل أسرع إليه طالباً حذاءه ليمسحه كعادته لأن الشيخ يجزل له في العطاء إلا أن الشيخ محمد قال له: خذ هذه المرة حسابك من سعودي... فقال له عامل الورنيش: ليه يا مولانا.. فقال: لن أدفع مرة أخرى وكانت تلك آخر مرة يحضر فيها إلى المحل وكأنه يعلم بدنو أجله.
ما هو الأجر الذي كان يتقاضاه الشيخ محمد صديق المنشاوي بعد أن أصبح قارئاً مشهوراً؟
** كان لا يطلب أجراً من أي إنسان وذلك كما عوده والده الشيخ صديق السيد فإذا ما دعي لأي سهرة يأخذ ما يعطى له دون أن ينظر في هذا المبلغ وقد أثار هذا الأمر انتقاد بعض المقرئين الذين طلبوا منه أن يرفع أجره حتى لا تضيع قيمته كمقريء له وزنه فأدرك ذلك الأمر مؤخراً حيث وجد أن الناس يقولون أنه يقبل أي شيء لأنه دون مستوى أقرانه من المقرئين فما كان منه إلا أن رفع أجره ولكن مع الذين لا يعرفهم ويخشى أن يشهروا به بهتاناً وزوراً.
في أي المساجد عينته وزارة الأوقاف بعد اعتماده مقرئاً في الإذاعة؟
** بمسجد الزمالك بحي الزمالك وظل قارئاً لسورة الكهف به حتى توفاه الله.
(...)
كيف استقبل أبوه الشيخ صديق السيد نبأ وفاته؟
** لم يتأثر على الإطلاق تأثر الخارجين عن الرضا بقضاء الله وقدره قائلاً: نحن نعيش كل يوم هذه الحقيقة فكيف لا نرضى وإنا لله وإنا إليه راجعون.
*لماذا لم يسجل الشيخ محمد صديق المنشاوي القرآن مجوداً للإذاعة؟
** لقد سجل الشيخ محمد صديق القرآن بصوته مجوداً للإذاعة ينقصه خمس ساعات تقريباًُ ولكن للأسف الشديد فإن المسؤلون في الإذاعة لا يهتمون بتسجيلات المقرئين وفي عام 1980م ذهبت للإذاعة ووجدت أن الشرائط المسجل عليها القرآن بصوت الشيخ محمد صديق تم تسجيل برامج أخرى عليها مثل ما يطلبه المستمعون أو خطاب الرئيس عبد الناصر وللأسف لم ننتبه لهذا الإهمال إلا عندما ذهبنا إلى الإذاعة لنحصل على نسخة من القرآن بصوته مجوداً.. أما فيما يتعلق بالقرآن المرتل فقد سجله للإذاعة كاملاً وحصلنا على نسخة منه.
*ماذا عن علاقته بالشيخ محمد رفعت؟
** كان يحبه حباً شديداً وقد تأثر بصوته وتلاوته وكان يقول لنا ذلك كذلك كان يحب الاستماع إلى القرآن بصوت من عاصروه من المقرئين دون استثناء فكان إذا جلس في البيت لا يترك الراديو باحثاً عن أية محطة إذاعية تذيع القرآن بصوت أحد المقرئين فكان يستمع إليهم جميعاً دون استثناء.
عندما سافر إلى اندونيسيا في أول زيارة له خارج مصر بكى أثناء تلاوته للقرآن... لماذا؟
**كان في تلك الرحلة مرافقاً للشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد بدعوة من الرئيس الإندونيسي أحمد سوكارنو فأرسل إلي خطاباً قال فيه: لم أر استقبالاً لأهل القرآن أعظم من استقبال الشعب الإندونيسي الذي يعشق القرآن بل ويستمع إليه في إنصات شديد ويظل هذا الشعب واقفاً يبكي طوال قراءة القرآن مما أبكاني من هذا الإجلال الحقيقي من الشعب الإندونيسي المسلم وتبجيله لكتاب الله.
هل كان الشيخ محمد يمارس الرياضة؟
** نعم... كان يحب المشي وكان يترك سيارته يومياً أمام مسجد الإمام الحسين ويبلغ السائق بألا ينتظره ويعود للمنزل بحي حدائق القبة مشياً على الأقدام.
كان الشيخ محمد صديق مقلاً في ركوب سيارته.... فلماذا اشتراها إذن؟
** اشترى السيارة عام 1955م ولم يكن له بها هوى ولكنها فقط كانت تعينه في تنقلاته خارج القاهرة أما فيما عدا ذلك فكان قليلاً ما يركبها.
هل ورث أحد أبناءه حلاوة صوته ومهنة القراءة في السهرات؟
** كل أولاده يحفظون القرآن والحمد لله كاملاً ولكن لم يتمتع أحد منا بحلاوة الصوت باستثناء ولديه صلاح وعمر الأول يعمل محاسباً والثاني معيداً بجامعة الأزهر وهما دون الثلاثين من عمرهما ويتميزان بصوت طيب جميل وقد شهد لهما الكثير من المتخصصين في علوم القراءاتوهما يدرسان الآن علوم القراءات استعداداً لاحتراف هذه المهنة فيما بعد إن شاء الله.
ما هي الجوائز التي حصل عليها؟
** منحه الرئيس الإندونيسي أحمد سوكارنو وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى وحصل على وسام الاستحقاق من الطبقة الثانية من سوريا.
وماذا عن تكريم الحكومة المصرية له؟
** لم يحصل على أية تكريم من مصر حتى الآن وإن كانت الدولة كرمت والده الشيخ صديق السيد رحمه الله بعد وفاته عام 1985م فمنحته وسام الاستحقاق من الطبقة الثانية.
حكاية الشيخ كامل يوسف البهتيمي ذو الحنجرة الفولاذية
الشيخ كامل يوسف البهتيمي
==========================
تلميذ الشيخ محمد الصيفي الذي تبناه واصطحبه في حفلاته وأخذ بيده من قريته التي نشأ بها واستضافه في بيته بالقاهرة فعرف طريق الشهرة حتى أصبح مقرىء القصر الجمهوري.
وهو من مواليد حي بهتيم بشبرا الخيمة محافظة القليوبية عام 1922 م. ألحقه ابوه الذي كان من قراء القرآن بكتاب القرية وعمره ستة سنوات وأتم حفظ القرآن قبل بلوغ العاشرة من عمره فكان يذهب إلى مسجد القرية بعزبة ابراهيم بك ليقرأ القرآن قبل صلاة العصر دون أن يأذن له أحد بذلك وكانت ثقته بنفسه كبيرة فكان يطلب من مؤذن المسجد أن يسمح له برفع الآذان بدلا منه ولما رفض مؤذن المسجد ظل الطفل محمد ذكي يوسف الشهير بكامل البهتيمي يقرأ القرآن بالمسجد وبصوت مرتفع ليجذب انتباه المصلين فكان له ما أراد إذ أن حلاوة صوته أخذت تجذب الانتباه فبدأ المصلون يلتفون حوله بعد صلاة العصر يستمعون إلى القرآن بصوته مبهورين به وبدأوا يسألون عنه وعن أهله فعرفوه وألفوه وزاد معجبوه في هذه السن الصغيرة فسمح له مؤذن المسجد أن يرفع الآذان مكانه تشجيعا له وأذن له بتلاوة القرآن بصفة دائمة قبل صلاة العصر فصار صيت الصبي كامل البهتيمي يملأ ربوع القرى المجاورة وأخذ الناس يدعونه لأحياء حفلاتهم وسهراتهم فكان أبوه يرافقه وظل على هذا الحال مدة طويلة حتى استقل عن أبيه وأصبح قارىء معروفا بالبلدة وكذلك قارىء للسورة يوم الجمعة بمسجد القرية, وكان أهل القرية يعتبرون ذلك اليوم عيدا لأنهم سيستمتعون بصوت ذلك الصبي وظل كذلك حتى أوائل الخمسينيات والتي شهدت شهرة الشيخ كامل يوسف البهتيمي.
الأستاذ عصام البهتيمي ... هل كان الشيخ كامل يتقاضى أجرا مقابل قراءته بمسجد القرية بذلك الوقت ؟
** كان لا يتقاضى مليما واحدا إلا أنه كان يقول لنا أنه يذهب للمسجد ليدرب صوته على تلاوة القرآن ويقلد الشيخان محمد سلامة ومحمد رفعت ليثبت لمن يستمع إليه أنه موهبة فنال التشجيع الكبير والاستحسان وكان ذلك مبعث الثقة في نفسه وكانت أمه تدعو له فيقول لها : سيأتي اليوم الذي يصبح فيه ابنك من مشاهير القراء في مصر. فكانت أمه تفرح بهذا الكلام كثيرا وتدعو له فكان له ما سعى إليه بفضل الله تعالى.
مع بداية عام 1952 م استمع إليه الشيخ محمد الصيفي فكان ذلك فاتحة خير عليه قادته لطريق الشهرة ...كيف التقى بالقارىء الشيخ محمد الصيفي ؟ وكيف كانت البداية نحو الشهرة في القاهرة ؟
** كان الشيخ الصيفي قد علم بوجود قارىء جديد ببهتيم يتمتع بحلاوة الصوت فذهب إلى بهتيم واستمع إلى تلاوة الشيخ كامل دون علمه فأعجب به وطلب منه أن ينزل ضيفا عليه في القاهرة فأصطحبه ونزل ضيفا عليه في بيته بحي العباسية فمهد له الطريق ليلتقي بجمهور القاهرة وجعل بطانته له في الحفلات والسهرات وقدمه للناس على أنه اكتشافه وبعد فترة وجيزة بدأ جمهور القاهرة يتعرف عليه فأصبح يدعى بمفرده لأحياء الحفلات والسهرات فكان ذلك يسعد الشيخ محمد الصيفي فأخذ يشجعه من زاد من ثقته حتى ذاع صيته في أحياء وضواحي القاهرة , وأصبح قارىء له مدرسة وأسلوبه في الآداء وأفاض الله عليه من الخير الكثير والمال الوفير فأشترى قطعة أرض بشارع نجيب بحي العباسية أقام عليه عمارة كبيرة واستأذن من الشيخ الصيفي أن يستقل بحياته شاكرا له حسن ضيافته وكريم صنيعه وما قدمه له من عون طوال فترة إقامته بالقاهرة حتى استطاع أن يثبت جدارته وأهليته لقراءة القرآن وسط كوكبة من مشاهير وعظام القراء بالقاهرة.
لم يلتحق الشيخ كامل يوسف بأي معهد لتعليم القراءات..فكيف تعرف على أحكام التلاوة وعلوم التجويد؟
** هو بالفعل لم يلتحق بأي معهد من معاهد القرآن وتعليم القراءات بل لم يدخل أي مدرسة لتعليم العلوم العادية ولكن بالممارسة والخبرة والاستماع الجيد إلى القراء مثل المشايخ محمد رفعت ومحمد سلامة والصيفي وعلى حزين تعلم احكام التلاوة دون ان يشعر هو بذلك وقد اكتملت عناصر النجاح لديه بعد الاستماع إلى هؤلاء العمالقة في قراءة القرآن.
رغم نجاح القارىء البهتيمي جماهريا إلا أن عدم ألتحاقه بمعهد القراءات ظل العقدة التي تطارده وتحول بينه وبين تقدمه لأختبار القراء بالأذاعة ...فكيف تخلص من تلك العقدة ؟ ومتى تم اعتماده بالأذاعة المصرية ؟
** هذا كلام صحيح مئة بالمائة ففي عام 1953 م عرض عليه الشيخ محمد الصيفي أن يتقدم بطلب للأذاعة لعقد امتحان له امام لجنة اختبار القراء إلا انه رفض خشية أن يتم احراجه لعدم إلمامه بعلوم وأحكام القرآن وعلوم التجويد وأته لم يدرس بأي معهد للقراءات ولكن المشايخ محمد الصيفي وعلي حزين أقنعاه بضرورة التقدم لهذا الامتحان وأن موهبة تفوق كثيرين تعلموا بمعاهد القراءات , فقهر ذلك الكلام خوفه وفك عقدته وتقدم للأمتحان ونجح بامتياز فتعاقدت معه الأذاعة المصرية في أول نوفمبر عام 1953 م وتم تحديد مبلغ أربعة جنيهات شهريا مقابل التسجيلات التي يقوم بتسجيلها للأذاعة وتم تعيينه بعد ذلك قارىء للسورة يوم الجمعة بمسجد عمر مكرم بميدان التحرير بالقاهرة والذي ظل به حتى وفاته.
كانت علاقة الشيخ البهتيمي بالرئيس جمال عبدالناصر وطيدة ... كيف ترجمت هذه العلاقة ؟
** كان الشيخ كامل البهتيمي محبوبا من كل أعضاء مجلس قيادة الثورة وكان الرئيس عبدالناصر يحبه حبا شديدا ويطلبه لرئاسة الجمهورية لأحياء معظم الحفلات التي تقام بمقر الرئاسة وكان الناس يظنون أن اقتراب الشيخ البهتيمي من الرئيس عبدالناصر بغرض التقرب للسلطة أو سعيا وراء الشهرة ولأن عهد عبدالناصر كان مليئا بالمتناقضات ولم يكن محبوبا من بعض فئات شعبه فكان سخط الناس على الشيخ البهتيمي هو ترجمة لسخطهم الحقيقي على الرئيس عبدالناصر ولذا فبعد وفاة الشيخ كامل ومن بعده عبدالناصر تغيرت معاملة الحكومة لنا حتى معاملة الناس تغيرت فبدأت الحكومة تطالبنا بسداد ضرائب قديمةلانعرفعنها شيئا وامتنعت الأذاعة المصرية عن إذاعة تسجيلات الشيخ البهتيمي وكذلك التلفزيون الأمر الذي وصل بالدولةأنها لم تكرم الشيخ حتى الآن.
في عام 1967 م ذهب الشيخ كامل يوسف البهتيمي إلى مدينة بور سعيد تلبية لدعوة وجهت إليه لأحياء ليلة مأتم ...فتلعثم لسانه أثناء القراءة وعجز عن النطق ...فماهي حقيقة هذا الأمر؟
** كنت مصاحبا له في تلك الليلة وبينما كان الشيخ يقرأ في السرداق المقام فؤجئت وفؤجى الحاضرون بعدم قدرته على مواصلة القراءة بل وعجزه عن النطق وقد شعر بأن شيئا يقف في حلقه فثقل لسانه فقمنا بنقله إلى الفندق الذي كنا ننزل به وتم إسعافه ونقله إلى القاهرة ولكن بعد تلك الحادثة بأسبوع واحد أصيب بشلل نصفي فتم علاجه واسترد عافيته وقد قيل لنا فيما بعد أنها كانت محاولة لقتله في مدينة بور سعيد بعد أن وضع له مجهول مواد مخدرة في فنجان قهوة كان قد تناوله قبل بدء التلاوة بالمآتم ورغم أن الشيخ أسترد عافيته إلا أن صوته لم يعد بنفس القوة التي كان عليها عن ذي قبل, ومرت الشهور حتى فؤجئنا به يدخل علينا البيت ذات يوم بعد رجوعه من إحدى السهرات وهو في حالة إعياء شديد وقمنا بإستدعاء طبيبه الخاص الدكتور مصطفى الجنزوري الذي صرح لنا بأنه مصاب بنزيف في المخ وبعدها بساعات قليلة فارق الشيخ كامل البهتيمي الحياة, وأذكر أن الدكتور فرحات عمر الفنان المعروف بالدكتور شديد قال لي مؤخرا وبالحرف الواحد أبوك يابني مات مقتول.
ما هو أول أجر تقاضاه الشيخ البهتيمي وماهو آخر أجر كذلك ؟
** أول أجر تقاضاه كان 25 قرشا ببلدته بهتيم ووضع هذا المبلغ على مخدة أمه قائلا لها أصبري يا أماه بكرة ربنا حيفتحها علينا وكان آخر أجر تقاضاه هو مبلغ 60 جنيها عن إحياء حفلة بالقاهرة و150 جنيها خارجا عن الليلة .
هل سجل القرآن الكريم مرتلا للأذاعة ؟
** للأسف وافته المنية قبل أن يتم ذلك ولكن سجله مجودا.
ما هي الأمنية التي توفى دون تحقيقها ؟
** الرجوع إلى القرية والاستقرار بها والوفاء ورد الجميل لأهلها إلا أن المنية وافته عام 1969 م عن عمر يناهز 47 عاما فحال ذلك دون تحقيق حلمه. رحمه الله رحمة واسعة.
"منصور بدار".. مقرئ الخليفة العثماني الذى تنبأ بعظمة "عبدالوهاب"
فى قرية"مجول" الواقعة ببنها، يلتف خفر العمدة حول منزل مبني على الطراز العثماني، يحاول كل منهم الانتباه وإحكام غلق أبواب المنزل الثلاثة، استجابة لتعليمات العمدة التي جاءت تنفيذًا لقرار الملك فؤاد الأول، فمالك هذا البيت يحظُر خروجه نتيجة مواقفة المناهضة للملك والأسرة الحاكمة، فى الداخل يجلس الشيخ منصور بدار مقرئ ثورة 1919، محاولًا إيجاد سبيل للخروج دون لفت أنظار الخفر، فاليوم مر 40 يومًا على وفاة والدة صديقه سعد باشا زغلول زعيم الثورة، ولن يُحيي هذه الليلة أحد سوى الشيخ منصور بدار، المقرئ السابق للخليفة العثماني فى تركيا.
لُقِبَ بقارئ ثورة 1919، وكان على علاقة وطيدة بالزعيم سعد زغلول، يزوره فى مكتب الوفد حتى صُنف بأنه وفدي، فكان نشاطه السياسي يتسم بالثورية، وهو ما جعله غير مرغوب فيه بالنسبة للعائلة المالكة فى مصر.
بين جدران قرية "مجول" عام 1882 كانت الصرخات الأولى له، نبغ منذ صغره وعُرف بعذوبة الصوت، التحق بالأزهر الشريف، بدأ فى إحياء المناسبات بقراءة القرآن، تهافت عليه مريديه فذاع صيته حتى سمعه الخليفة العثماني فعينه المقرئ الخاص له، وسافر إلى تركيا ضمن مجموعة من المصريين المهرة فى المجالات المختلفة.
استقر "بدار" فى تركيا قرابة الـ15 عامًا، ومع بوادر حركة "كمال الدين أتاتورك" عام 1912، قرر الشيخ العودة إلى مصر، فأخبر الباب العالي بسفره إلى أرض الحجاز لأداء فريضة الحج، والعودة إلى تركيا، إلا أنه عاد من الحجاز إلى أرض الوطن، ليستقر فى مصر، ويكون أحد المساندين والمشاركين فى ثورة 1919، وصار له عمود للتدريس فى الأزهر الشريف.
«البداية فى مصر بعد العودة»
الحافظ منصور بدار هكذا لُقب فى تركيا، حتى أنهم طبعوا اسمه بماء الذهب على بعض الكتب التي أُهديت له خصيصًا، وظل فى تركيا حتى عام 1912، وهو الوقت الذي بدأت فيه خلافات الخليفة العثماني مع الإنجليز وشهد تحضيرات الثورات.
عاد "بدار" إلى مصر، بثروة كبيرة جدًا بدأ يترجمها على شكل أراضي وسرايا، وتم عمل طريق خاص لنقل"الطوب" الذي استخدم فى بنائها، ولكن قبل البدء فى مرحلة "التشطيب" توفى والده، وهو ما غلف حياته بالغموض، يقول عامر عاشور بدار حفيد منصور بدار إن الشيخ لم يكن محبًا للظهور كثيرًا، وفى ظل مجده اعتزل تلاوة القرآن فى الثلاثينات من عمره، دون أن يعلم أحد السبب، وكان يقرأ الجمعة اليتيمة كل عام بأحد مساجد قريته، وتملأ السيارات شواع القرية فى ظل قلة السيارات.
حالت الشروط التي فرضها "بدار" على الإذاعة المصرية دون تسجيل صوته، حيث طالب بأن يسبق تلاوته تعرفة بالتلاوة، ويليها ملخص لموضوعها، إضافة إلى رأيه فى أن القرآن لا ينبغي أن يسجل فيُتلى لمن يسمع ومن لا يسمع.
رغم احترامهم لرغبته فى عدم التسجيل، إلا أن عائلة "بدار" مازالت تتشبث بأمل الاستماع لصوته ومعرفة أسراره بعدما سمعوه من روايات، يقول "عامر" إن "بدار" كان على صداقة بشخص من عائلة "زعزع" فى طوخ، وكان يزوره بصورة شبه دورية وفى أحد المرات، شاهد فى طريقه امرأة يظهر عليها رقة الحال، تبيع زوج من الحمام، فتعاطف معها الشيخ، وجلس حاملًا الحمام، وبدأ يغني له"يا حمام يا بني مين يشتريك مني؟"، فاجتمع الناس على حلاوة الصوت، فأقام مزاد علني على الحمام وباعه بجنيهات.
الشيخ محمد رفعت كان واحدًا ممن عاصروا "بدار"، ويعد أول من سجّل القرآن، ولم يختلط الشيخ "منصور" بالجيل التالي بصورة مباشرة، بينما سمعه الشيخ مصطفى إسماعيل فى إحدى المناسبات وتأثر به، فقرر التلاوة على طريقته، حتى أن بعض ممن سمعوا الشيخ منصور فى حياته أكدوا أن طريقة "إسماعيل" هي الأقرب له.
«حافظ أسراره يجعله غامضًا طوال حياته»
لكل منا حافظ لأسراره، رغم بعد المسافات لم يجد سواه، يروي له ما حدث وما صار فى أيامه، فكان والد الشيخ منصور بدار هو حافظ أسراره، لا يعلم أحد عنه شيء إلا هو، وبعد وفاته أصبح الشيخ غامضًا فى حديثه، وفى أفعاله، وفى تصرفاته.
حاول العديد التقرب منه، ليصبحوا أصدقائه المقربين، ولكنه كان دائمًا يرفض أن يقص لأحد شيء عن حياته، فعاش غامضًا، ومات غامضًا، على حد قول أحد أحفاده.
«بدار تنبأ لعبد الوهاب بالنجومية»
الأصوات مذاهب ومدارس، وهنا اجتمعت المذاهب والمدارس فى شيخًا واحد، عندما قرر والد الموسيقار محمد عبدالوهاب أن يجعله يحفظ القرأن على يد الشيخ منصور بدار، وبعد أن قضي "عبد الوهاب" شهرًا مع الشيخ إلا أنه قال لوالده أنه لا يصلح لتلعيم القرآن، وأولى به أن يهتم بالأغاني، والآلات الموسيقية، لأنه شغوف بها.
وأكد أحد أحفاد العلامة منصور بدار، أنه بعدها بسنوات قليلة بدأت شهرة محمد عبد الوهاب تجوب المحافظات إلى أن أصبح أحد المطربين العظماء، بعد ان تبنأ له الشيخ منصور بدار بهذا الأمر.
* تعددت الوقائع التاريخية التي تؤكد بما لايدع مجالا للشك علو مكانة الشيخ منصور بدار في ساحة القراء من خلال مرحلتين تمثلان نقاط تحول في مسيرته القرآنية على النحو التالي:
- المرحلة الأولى: بامتداد خمسة عشرة عاما ، وهي الفترة التي قضاها في اسطنبول قارئا خاصا للسلطان عبد الحميد ، حيث استمع إليه السلطان في الجامع الازهر أواخر القرن التاسع عشر واختاره ليكون قارئه الخاص ومنحه جواز سفر مفتوحا، قبل أن يتم اسقاطه عن عرش الدولة العثمانية عام 1909م.
- المرحلة الثانية، وامتدت عشر سنوات منذ اندلاع ثورة الشعب عام 1919 بزعامة سعد زغلول، وحرص خلالها الشيخ منصور بدار على القراءة يوميا بالازهر طوال فترة الثورة بهدف جذب آلاف المصلين والتنديد بالاستعمار الانجليزي، ولذا أطلق عليه لقب "قارئ الثورة" ليجمع بذلك بين لقبي "قارئ السلطنة وقارئ الثورة"
* انضم القارئ الشيخ منصور بدار إلى موكب السلطان فؤاد، باعتباره قارئ السورة في الأزهر منذ مطلع العشرينات وفي كتاب الشاعر "عبد الحليم المصري: بعنوان " (المرحلة السلطانية وتاريخ السلطنة المصرية). وصف تلاوة الشيخ في حضرة الملك أثناء احدى زياراته للصعيد بقوله: "هو أطرب من يسمعك كلام الله وهز النفوس خشوعا، حيث اتصل صوته باليقين وملك عليك نفسك فاسكتك حينا وانطقك حينا ، وأنت مأخوذ لا تعرف كيف تسير طربا" .. جدير الذكر أن منصور بدار قرأ في مأتم سعد زغلول عام 1924 لمدة سبعة أيام متوالية.
* لا توجد تسجيلات على الاطلاق للقارئ العبقري الشيخ منصور بدار (1884 - 1967) نظرا لرفضه التعاقد مع الاذاعة المصرية وقد أخبرني الدكتور حسين زاهر نقلا عن والده الشيخ عبد العظيم زاهر وهو من بلديات الشيخ بدار بقرية مجول في محافظة القليوبية أن الاذاعة قد حاولت مرارا وتكرارا التعاقد مع لاشيخ منصور بدار خلال النصف الثاني من حقبة الثلاثينيات لكنه اشترط عليهم عدم التقيد بالوقت ، وهو شرط مستحيل.

الشــــــيخ / منصور محمد بدار
يقول الكاتب الراحل محمود السعدني، إن الأصوات كالمعادن بعضها كالصفيح وبعضها كالفضة وبعضها لها بريق الذهب وبعضها له رنينه ويندر جدا أن يكون الصوت من الذهب. ومن هذه الأصوات الذهبية صوت الشيخ منصور بدار، الذي أعتزل القراءة وآثر الراحة في قريته حتى وافته المنية.
صاحب هذا الصوت الذهبي الذي ولد عام 1884 لم يصلنا منه في الظاهر إلا تسجيل واحد فقط لآيات من سورة المؤمنون، لكن الحقيقة أنه ترك لنا تلميذه، الذي ملأ حياتنا عذوبة بصوته الشجي وهو الشيخ مصطفى إسماعيل، إلى جانب تأثيره بالشيخ عبد الباسط عبد الصمد، لأنه كان احد أساتذته.
مكانة الشيخ لا ينازعه فيها أحد، وتظهر بشكل واضح من بداية حياته عندما كان دولة التلاوة في مقتبل حياته يدوام على
القراءة بالأزهر وهو لم يدخل بعد مرحلة الشباب، فيما كان السلطان عبد الحميد الثاني في زيارة إلى مصر وفي أثناء زيارة للأزهر للصلاة سمع صوت الشيخ الأزهري الصغير وانبهر بحلاوة تلاوته وقرر على الفور أن يستأثر بصوته الخلاب، ويصطحبه معه إلى تركيا وأن يجعله "قارئ السلطان الخصوصي" على امتداد 14 سنة،حتى قامت الثورة على يد السلطان وخلع من الحكم في 1909، ليعود بعدها الشيخ إلى مصر، وقد تغير حاله وتسيد دولة التلاوة وصاحبه الساسة والأعلام بالبلاد كافة، وبعد سنوات قليلة كان الشيخ على موعد هام مع حدث سيلعب به دورا هاما وهو ثورة 1919، حيث ظل الشيخ منصور بدار يقرأ بشكل شبه يومي ليتجمع آلاف المستمعين ويجري توزيع منشورات الثورة على أكبر عدد منهم، حتى أطلق عليه لقب "قارئ الثورة" لينضم إلى لقب " قارئ السلطان"، وخلال تلك الفترة توطدت علاقته بزعيم الثورة سعد زغلول وأصبحت صداقة متينة العروة، لذلك قرأ الشيخ في مأتم سعد زغلول لمدة أسبوع كامل كما حرص على القراءة في ذكراه السنوية ببيت الأمة، وظل وفيا للثورة بعد ذلك وتوطدت صداقته بزعيم الوفد مصطفى النحاس.
علاقة الشيخ بالقرآن الكريم يمكن تبين بعض ملامحها من خلال عدة مواقف برحلته مع كتاب الله، والتي بدأها من كتاب القرية على يد الشيخ علي جاسر قبل أن يلتحق بالأزهر الشريف ويقطع شوطا كبيرا في مراحل التعليم الأزهري واختياره قارئ للسورة بمسجد الأزهر، ثم ارتقائه إلى قمة دولة التلاوة في عصره، ومن أهم هذه المواقف، ما جاء بكتاب "عباقرة التلاوة في القرن العشرين" للكاتب شكري القاضي أن الشيخ منصور بدار خلال قراءته في مأتم الملك فؤاد عام 1936 توقف عن التلاوة فجأة، ولما سئل عن السبب أشار إلى السيجارة بيد وريث العرش الأمير فاروق وهو يدخن وطلب إطفاء السيجارة وأذعن الملك لرغبة الشيخ. كذلك عندما طلبت الإذاعة في منتصف الثلاثينيات التعاقد مع الشيخ كان شرطه أن يسبق تلاوته حديث ديني ويعقبه حديث آخر، وهو ما توافق عليه الإذاعة. وكان الشيخ منصور بدار حريصا على قراءة الجمعة اليتيمة في رمضان في مجول بمركز بنها في محافظة القليوبية سواء في مسجد الشعنة أو في مسجد الشيخ حجاج العزب، وذلك قبل أن يعتزل الشيخ التلاوة في المناسبات الخاصة عام 1936 وهو بعامه الرابع والخمسين، ويستقر ببلدته يقرأ في مساجدها آيات الله خاصة ما تيسر من سورتي الحاقة والنجم وذلك حتى وافته المنية عام 1967 عن واحد وثمانين عام قضاها صاحب الصوت الذهبي في تلاوة آيات الله.
الخضر والياس عليهما السلام
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
-أما الخضر:
1-فقد تقدم أن موسى عليه السلام رحل إليه في طلب ما عنده من العلم اللدني، وقص الله من خبرهما في كتابه العزيز في سورة الكهف، ، وأوردنا هنا ذكر الحديث المصرح بذكر الخضر عليه السلام وأن الذي رحل إليه هو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل عليه السلام الذي أنزلت عليه التوراة.
2-وقد اختلف في الخضر في اسمه ونسبه ونبوته وحياته، إلى الآن - على أقوال .
قال البخاري - رحمه الله: ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنما سمي الخضر لانه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه، خضراء " .
و الفروة: الحشيش الابيض وما أشبهه يعني: الهشيم اليابس، وقال الخطابي : الارض البيضاء التي لا نبات فيها، وقال غيره هو الهشيم اليابس شبهه بالفروة ومنه قيل فروة الرأس وهي جلدته بما عليها من الشعر قال الخطابي: إنما سمي الخضر خضرا لحسنه وإشراق وجهه.قلت: هذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح فإن كان ولا بد من التعليل بأحدهما فما ثبت في الصحيح أولى، وأقوى بل لا يلتفت
2-وقد دل سياق القصة على نبوته من وجوه.
أحدها: قوله تعالى (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من من لدنا علما)
الثاني: قول موسى له (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا.قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا.قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا.قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا)
أحدها: قوله تعالى (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من من لدنا علما)
الثاني: قول موسى له (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا.قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا.قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا.قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا)
فلو كان وليا وليس بنبي لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة، ولم يرد على موسى هذا الرد، بل موسى إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصه الله به دونه، فلو كان غير نبي لم يكن معصوما، ولم تكن لموسى، وهو نبي عظيم ورسوله كريم، واجب العصمة، كبير رغبة ولا عظيم طلبة، في علم ولي غير واجب العصمة، ولما عزم على الذهاب إليه والتفتيش عليه، ولو أنه يمضي حقبا من الزمان قيل ثمانين سنة، ثم لما اجتمع به تواضع له وعظمه واتبعه في صورة مستفيد منه،دل على أنه نبي مثله يوحى إليه كما يوحى إليه، وقد خص من العلوم اللدنية، والاسرار النبوية، بما لم يطلع الله عليه موسى الكليم نبي بني إسرائيل الكريم، وقد احتج بهذا المسلك بعينه البلقاني على نبوة الخضر عليه السلام.
الثالث: أن الخضر أقدم على *** ذلك الغلام وما ذاك إلا للوحي إليه من الملك العلام.وهذا دليل مستقل على نبوته.وبرهان ظاهر على عصمته لان الولي لا يجوز له الاقدام على *** النفوس، بمجرد ما يلقي في خلده، لان خاطره ليس بواجب العصمة إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق.ولما أقدم الخضر على *** ذلك الغلام، الذي لم يبلغ الحلم علما منه بأنه إذا بلغ يكفر. ويحمل أبويه عن الكفر لشدة محبتهما له فيتابعانه عليه، ففي ***ه مصلحة عظيمة تربو عل بقاء مهجته، صيانة لابويه عن الوقوع في الكفر وعقوبته، دل ذلك على نبوته وانه مؤيد من الله بعصمته.وقد رأيت الشيخ أبا الفرج ابن الجوزي طرق هذا المسلك بعينه في الاحتجاج على نبوة الخضر وصححه.
الرابع: أنه لما فسر الخضر تأويل تلك الافاعيل لموسى، ووضح له عن حقيقة أمره وجلى، قال بعد ذلك كله (رحمة من ربك وما فعلته من أمري) [ الكهف: 82 ] يعني ما فعلته من تلقاء نفسي، بل [ أمر ] بل أمرت به وأوحى إلي فيه.فدلت هذه الوجوه على نبوته.
ولا ينافي ذلك حصول ولايته، بل ولا رسالته كما قاله آخرون، ، وإذا ثبتت نبوته كما ذكرناه لم يبق لمن قال بولايته وإن الولي قد يطلع على حقيقة الامور دون أرباب الشرع الظاهر، مستند يستندون إليه، ولا معتمد يعتمدون عليه
الثالث: أن الخضر أقدم على *** ذلك الغلام وما ذاك إلا للوحي إليه من الملك العلام.وهذا دليل مستقل على نبوته.وبرهان ظاهر على عصمته لان الولي لا يجوز له الاقدام على *** النفوس، بمجرد ما يلقي في خلده، لان خاطره ليس بواجب العصمة إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق.ولما أقدم الخضر على *** ذلك الغلام، الذي لم يبلغ الحلم علما منه بأنه إذا بلغ يكفر. ويحمل أبويه عن الكفر لشدة محبتهما له فيتابعانه عليه، ففي ***ه مصلحة عظيمة تربو عل بقاء مهجته، صيانة لابويه عن الوقوع في الكفر وعقوبته، دل ذلك على نبوته وانه مؤيد من الله بعصمته.وقد رأيت الشيخ أبا الفرج ابن الجوزي طرق هذا المسلك بعينه في الاحتجاج على نبوة الخضر وصححه.
الرابع: أنه لما فسر الخضر تأويل تلك الافاعيل لموسى، ووضح له عن حقيقة أمره وجلى، قال بعد ذلك كله (رحمة من ربك وما فعلته من أمري) [ الكهف: 82 ] يعني ما فعلته من تلقاء نفسي، بل [ أمر ] بل أمرت به وأوحى إلي فيه.فدلت هذه الوجوه على نبوته.
ولا ينافي ذلك حصول ولايته، بل ولا رسالته كما قاله آخرون، ، وإذا ثبتت نبوته كما ذكرناه لم يبق لمن قال بولايته وإن الولي قد يطلع على حقيقة الامور دون أرباب الشرع الظاهر، مستند يستندون إليه، ولا معتمد يعتمدون عليه
3-.وأما الخلاف في وجوده إلى زماننا هذا، فالجمهور على أنه باق إلى اليوم.قيل لانه دفن آدم بعد خروجهم من الطوفان فنالته دعوة أبيه آدم بطول الحياة.وقيل لانه شرب من عين الحياة فحيى ة.
4-وأما الذين ذهبوا إلى أنه قد مات ومنهم البخاري و أبو الفرج بن الجوزي وقد انتصر لذلك و احتجوا لهم بأشياء كثيرة *
1- منها قوله [ تعالى ] (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) فالخضر إن كان بشرا فقد دخل في هذا العموم لا محالة، ولا يجوز تخصيصه منه إلا بدليل صحيح انتهى.والاصل عدمه حتى يثبت.ولم يذكر ما فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله.
2-ومنها أن الله تعالى قال (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول الله مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أقررتم وأخذتم على ذلك إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) [ آل عمران: 81 ] قال ابن عباس ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه.وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق، لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به وينصرنه. ذكره البخاري عنه.
2-ومنها أن الله تعالى قال (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول الله مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أقررتم وأخذتم على ذلك إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) [ آل عمران: 81 ] قال ابن عباس ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه.وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق، لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به وينصرنه. ذكره البخاري عنه.
2- فالخضر إن كان نبيا أو وليا، فقد دخل في هذا الميثاق، فلو كان حيا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان أشرف أحواله، أن يكون بين يديه، يؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحد من الاعداء إليه،
لانه إن كان وليا فالصديق أفضل منه، وإن كان نبيا فموسى أفضل منه.
وقد روى الامام أحمد في مسنده: عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني " وهذا الذي يقطع به ويعلم من الدين علم الضرورة.وقد دلت عليه هذه الآية الكريمة أن الانبياء كلهم لو فرض أنهم أحياء مكلفون في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكانوا كلهم أتباعا له، وتحت أوامره، وفي عموم شرعه.
كما أنه صلوات وسلامه عليه لما اجتمع معهم ليلة الاسراء، رفع فوقهم كلهم، ولما هبطوا معه إلى بيت المقدس وحانت الصلاة، أمره جبريل عن أمر الله أن يؤمهم، فصلى بهم في محل ولايتهم ودار إقامتهم فدل على أنه الامام الاعظم، والرسول الخاتم المبجل المقدم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
5-فإذا علم هذا - وهو معلوم عند كل مؤمن - علم أنه لو كان الخضر حيا لكان من جملة أمة محمد صلى الله عليه وسلم وممن
يقتدي بشرعه لا يسعه إلا ذلك * هذا عيسى بن مريم عليه السلام إذا نزل في آخر الزمان بحكم بهذه الشريعة المطهرة، لا يخرج منها ولا يحيد عنها، وهو أحد أولى العزم الخمسة المرسلين وخاتم أنبياء بني إسرائيل
6- والمعلوم أن الخضر لم ينقل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفس إليه، أنه اجتمع برسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم واحد، ولم يشهد معه قتالا في مشهد من المشاهد.
وهذا يوم بدر يقول الصادق المصدوق فيما دعا به لربه عزوجل، واستنصره واستفتحه على من كفره: " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الارض " وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ، وسادة الملائكة حتى جبريل عليه السلام،
وهذا يوم بدر يقول الصادق المصدوق فيما دعا به لربه عزوجل، واستنصره واستفتحه على من كفره: " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الارض " وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ، وسادة الملائكة حتى جبريل عليه السلام،
7-ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ليلة العشاء ثم قال: " أرأيتم ليلتكم هذه فإنه إلى مائة سنة لا يبقى ممن هو على وجه الارض اليوم أحد ".وفي رواية " عين تطرف ".قال ابن عمر: فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه وإنما أراد انخرام قرنه.
8-قال الامام أحمد: أن عبد الله بن عمر قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة العشاء في آخر حياته فلما سلم قام فقال: " أرأيتم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن على ظهر الارض أحد "
9-وقال الامام أحمد: ، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بقليل أو بشهر: " ما من نفس منفوسة أو ما منكم من نفس اليوم منفوسة يأتي عليها مائة سنة وهي يومئذ حية "
10- وقال أحمد: ، عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قبل أن يموت بشهر: " يسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله أقسم بالله ما على الارض نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة "
11-وقال الترمذي: عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما على الارض من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة ".12-قال ابن الجوزي فهذه الاحاديث الصحاح تقطع دابردعوى حياة الخضر.
11-وقال الترمذي: عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما على الارض من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة ".12-قال ابن الجوزي فهذه الاحاديث الصحاح تقطع دابردعوى حياة الخضر.
13-قالوا: فالخضر إن لم يكن قد أدرك زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو المظنون الذي يترقى في القوة إلى القطع فلا إشكال.وإن كان قد أدرك زمانه فهذا الحديث يقتضي أنه لم يعش بعد مائة سنة فيكون الآن مفقودا لا موجودا لانه داخل في هذا العموم والاصل عدم المخصص له حتى يثبت بدليل صحيح يجب قبوله والله أعلم.
-الياس عليه السلام
1-فقال الله تعالى بعد قصة موسى وهرون من سورة الصافات (وإن الياس لمن المرسلين.إذ قال لقومه ألا تتقون.أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين.الله ربكم ورب آباءكم الاولين.فكذبوه فانهم لمحضرون.إلا عباد الله المخلصين.وتركنا عليه في الآخرين سلام على الياسين.إنا كذلك نجزي المحسنين.إنه من عبادنا المؤمنين)
قال علماء النسب هو الياس بن العازر بن العيزار بن هارون بن عمران.
قالوا وكان إرساله إلى أهل بعلبك غربي دمشق
قالوا وكان إرساله إلى أهل بعلبك غربي دمشق
(قال الطبري: كان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنما يعبدونه من دون الله يقال له بعل.وقال ابن قتيبة في المعارف: إلياس من سبط يوشع بن نون بعثه الله في أهل بعلبك وكانوا يعبدون صنما يقال له بعل وملكهم اسمه احب وامرأته أزبيل.أما الطبري فيقول أن أحاب أحد ملوك بني إسرائيل واسم امرأته ازبل فقد كان يسمع منه ويصدقه - دون سائر ملوك بني إسرائيل الذين عبدوا بعل.) فدعاهم إلى الله عزوجل وأن يتركوا عبادة صنم لهم كانوا يسمونه بعلا.
ولهذا قال لهم (ألا تتقون. أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين. الله ربكم ورب آباءكم الاولين)] فكذبوه وخالفوه وأرادوا ***ه فيقال إنه هرب منهم واختفى عنهم *
وقوله تعالى.(فكذبوه فانهم لمحضرون) أي للعذاب إما في الدنيا والآخرة أو في الآخرة. ( إلا عباد الله المخلصين) [] أي إلا من آمن منهم وقوله (وتركنا عليه في الآخرين) أي ابقينا بعده ذكرا حسنا له في العالمين فلا يذكر إلا بخير ولهذا قال (سلام على الياسين) أي سلام على الياس.
العرب تلحق النون في أسماء كثيرة وتبدلها من غيرها كما قالوا إسماعيل وإسماعين وإسرائيل وإسرائين والياس والياسين.
ومن قرأ سلام على آل ياسين أي على آل محمد وقرأ ابن مسعود وغيره سلام على ادراسين.
ونقل عن ابن مسعود انه قال: الياس هو إدريس
والحمد لله رب العالمين
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)