alt="حكم الخروج على الحاكم الجائرعند أهل السنة والجماعة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا إله غيره، أول بلا ابتداء وآخر بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد. لا شيء مثله ولا شيء يعجزه. " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿الشورى: ١١﴾" وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة وجاهد في سبيل الله حتى آتاه اليقين، صلواتك ربي وسلامك عليه كل ما طلع الليل والنهار. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴿النساء: ١﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿الأحزاب: ٧٠ - ٧١﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿آلعمران: ١٠٢﴾ أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألها، وإن ما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين. المقدمة من المسلمات التي لا خلاف فيها عند علماء السلف أن مذهب أهل السنة والجماعة هو الخروج على الحاكم إذا كفر. ولكن الخلاف وقع في الخروج على الحاكم المسلم إذا جار أو فسق أو دعى إلى بدعة. وقد راق لحكام هذا الزمان أصحاب المذهب القائل بعدم الخروج، فقربوا أهله وجعلوهم على رأس المؤسسات الدينية ليكونوا السيف الذي يفتك بأهل الحق والدعاة الصادقين. فتجد هؤلاء العلماء رحماء لينون مع الحاكم الظالم المبدل لشرع الله وغلاظ أشداء مع المخالفين يصفونهم بأقذع الأوصاف. فعظم شأن هؤلاء العلماء، فأصبح ديدنهم الذب عن السلاطين المبدلين لشرع الله وأضفاء الشرعية على ولايتهم، حتى وصل الأمر عند هؤلاء العلماء أن جعلوا الخروج على الحاكم إذا كفر مسألة فيها نظر وتتعلق بالمصالح والمفاسد، ثم جعلوا القدرة شرط صحة لا يجوز الخروج إلا إذا تحققت، وادعوا الإجماع عند أهل السنة والجماعة على عدم الخروج على الحاكم إذا جار. ثم قالوا أن الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله المبدل لشرع الله ليس بكافر ليدخلوه في خانة الحاكم الجائر أو المبتدع، لينازعوا المخالف في مسألة الخروج عليه. فمن أهم مبررات علماء السلاطين بالقول بعدم الخروج على حكام عصرنا أنهم حكام جور، والخروج قد يؤدي إلى مفسدة ويؤثر على مصلحة الدعوة، ويصفون المخالف الذي يقول بالخروج على هؤلاء الحكام بالجهل والحماس والثورية والإنشائية. فواعجباه، أهم أكثر علماً بمصلحة الدعوة وعندهم حكمة أكثر من السلف الذين كانوا يرفضون تولي القضاء عند الحاكم الذي يحكم بالشرع لظلمه. ويصدعون بالحق ولا يثنيهم عن قول الحق السجن والتعذيب، فلا يقولوا مصلحة الدعوة تثنينا عن قول الحق. أفعلماء هذا الزمان أعلم أما أخلص أما أفهم من علماء السلف، فليجيبوا. فما أظن علماء عصرنا إلا مداهنون للحكام جبناء في قول الحق إلا من رحم ربي ممن ينتمي للطائفة المنصورة. فليقرؤا سيرة الإمام النابلسي[1] الذي سلخ جلده حياً ليعود عن قول الحق فما فعل. فوقف – رحمه الله - في وجه الحاكم العبيدي وقال الحق، وهذه قصته نسردها لعل عباد مصلحة الدعوة يعودوا لعبادة الله. قال الذهبي في ترجمة أبي بكر النابلسي: قال أبو ذر الحافظ: سجنه بنو عُبيد ،وصلبوه على السنة، سمعت الدارقطنَّي يذكره ويبكي، ويقول كان يقول، وهويُسلخ:{كَانَ ذَلَكَ فِي الكِتَابِ مَسْطُوراً}. قال أبو الفرج بن الجوزي:أقام جوهر القائد لأبي تميم صاحب مصر أبا بكر النابلسي، وكان ينزل الأكواخ فقال له: بلغنا أنك قلت:إذا كان مع الرجل عشرة أسهم، وجب أن يرميَ في الروم سهماً،وفينا تسعة. قال:ما قلت هذا،بل قلت:إذا كان معه عشرةُ أسهم، وجب أن يرميكم بتسعة، وأن يرمي العاشر...فيكم أيضاً؛فإنكم غيرتم الملة،وقتلتم الصالحين،وادعيتم نور الإلهية، فشهَره ثم ضربه ثم أمر يهوديا فسلخه، وقال ابن الأكفاني: (سُلِخ ،وحُشِيَ تبناً-علف الماشية-،وصُلب)،وقيل: (سُلخ من مفرِقِ رأسه حتى بلغ الوجه، فكان يذكر الله، ويصبر حتى بلغ الصدر،فرحمه السلاخ، فوكزه بالسكين موضع قلبه، فقضى عليه،وقيل: ((لما سُلخ كان يُسمع من جسده قراءة القرآن))[2]، فرحم الله الإمام النابلسي رحمة واسعة. وقد انقسم العلماء في هذه المسألة إلى طائفتين. الأولى تذهب إلى عدم جواز الخروج على الحاكم الجائر، والآخرى تذهب إلى جواز الخروج على الحاكم الجائر. فالغاية من هذا البحث إثبات أن القول بالخروج على الحاكم الجائر من أقوال أهل السنة والجماعة وليس قول الخوارج أو البغاة. بل هناك من خرج على الحاكم الجائر من كبار الأئمة وأهل العلم من أمثال الحسين بن علي وعبدالله ابن الزبير – رضي الله عنهما – وسعيد ابن جبير وابن الأشعث – رحمهما الله – وكذلك النفس الزكية خرج على أبو جعفر المنصور. فكما هو واضح أن كبار أئمة أهل السنة قالوا بالخروج، وخرجوا على حكام الجور الذين إذا ما قورنوا بحكام اليوم لعدوا حكام عدل، لقد أقاموا الدين وقاموا بالجهاد وفتحوا البلاد، وعندما ظلموا خرج الأئمة عليهم. يتالف هذا البحث من مقدمة ، ومبحثين، وخاتمة. المبحث الأول : يتضمن ثلاثة مطالب: الأول: عقد الإمامة وإلتزامات الإمام اتجاه الأمة، والثاني: طاعة الإمام، والثالث: الأسباب التي ينعزل الإمام بها. المبحث الثاني : يتضمن مطلبين الأول: أهل المذهب القائل بعدم الخروج على الحاكم الجائر. والثاني: أهل المذهب القائل بجواز أو وجوب الخروج على الحاكم الجائر. الخاتمة : تدور حول الترجيح بين المذهبين وواقع حكام عصرنا وحكم الخروج عليهم. المبحث الأول يدور هذا المبحث حول كيفية عقد الإمامة، ووجوب طاعة الإمام وحدود الطاعة، وبما يعزل الإمام. وينقسم إلى ثلاثة مطالب: الأول: عقد الإمامة وإلتزامات الإمام اتجاه الأمة، والثاني: طاعة الإمام، والثالث: الأسباب التي ينعزل الإمام بها. المطلب الأول: عقد الإمامة الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع وإن شذ عنهم الأصم، واختلف في وجوبها هل وجبت بالعقل أو الشرع[3]. وهناك شروط يجب أن تتوفر في أهل الإمامة، وكيفية انعقادها، كل هذا مذكور في كتب الفقه لمن أراد أن يعرفها، فهذا ليس موضع ذكرها. ولكن هناك إلتزامات من أمور العامة يجب على الإمام أن يأديها ويعمل على إقامتها، لأن هذه الإلتزامات من مستحقات الرعية على الراعي ومن ضمن مسؤولياته، وهذا ثابت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ـ عن عبد الله بن عمر ـ رضى الله عنهما ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته"[4]. وتتلخص هذه الإلتزامات فيما يلي[5] : 1. حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحجة وبين الصواب وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروساً من خلل، والأمة ممنوعة من زلل. 2. تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعم النصفة، فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم. 3. حماية البيضة والذب عن الحريم ليتصرف الناس بالمعايش وينتشروا في الأسفار آمنين من تغرير بنفس إو مال. 4. إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك. 5. تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرماً أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دماً. 6. جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله. 7. جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصاً واجتهاداً من غير خوف ولا عسف. 8. تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير. 9. استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال، لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة والأموال بالأمناء محفوظة. 10. أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال، لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلاً بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغش الناصح، وقد قال الله تعالى: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴿ص: ٢٦﴾ فإذا قام الإمام بحقوق الأمة التي ذكرت آنفاً، فقد أقام حق الله فيهم وبرأت ذمته أمام الله، فوجب على الأمة أن تؤدي الحقوق الواجبة عليها للإمام وهي السمع والطاعة والنصرة. فلو نظرت رحمك الله وتأملت في حال حكام هذا الزمان لوجدتهم لا يلتزمون بشيء مما ذكر آنفاً، فلا حفظوا ديناً، ولا نفذوا الأحكام، ولا حموا بيضة المسلمين بل أعانوا الكفار على احتلال بلاد المسلمين، ولا أقاموا الجهاد، بل هم أسوء من حكام الغرب الكافر، لأنهم لا تقوم سياستهم على الانحياز لشعوبهم بل يدأبون بالعمل ضد مصالح شعوبهم، ويعادونهم، فتجد أحدهم منذ أن يحكم حتى يهلك وهو متبع أسياده الأمريكان والأنجليز. فوالله إنهم في ميزان الشيطان جواسيس وخونة، فلا هم أقاموا ديناً ولا أقاموا دنيا. المطلب الثاني: طاعة الأمام وحدودها فلقد فرض الله علينا طاعة أولي الأمر فينا وهم الأمراء والعلماء كما قال شيخ الإسلام ابن تيميه، وثبت ذلك في كتاب الله، بقوله سبحانه: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴿النساء: ٥٩﴾"، وعلى لسان رسوله صلى الله علية وسلم قال: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني "[6] . فطاعة الإمام واجبة ما أقام الدين ولم يأمر بمعصية، وعلى المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " السمع والطاعة على المرء المسلم، فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة"[7]. وروى البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت قال دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذعلينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان[8]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع " . قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم قال " لا ما صلوا " [9]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم " . قالوا قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك قال " لا ما أقاموا فيكم الصلاة لا ما أقاموا فيكم الصلاة ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة "[10] . الواضح من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن طاعة الإمام مقيدة بإقامة الصلاة أي إقامة الدين، وأن لا نرى كفراً بواحاً فيه من الله برهان. فإن لم يقم الدين وأظهر الكفر البواح، فلا سمع ولا طاعة. فإذاً،لا طاعة للإمام إذا أمر بمعصية أو إذا لم يقم الدين. فإذا طبقت هذه القاعدة على حكام عصرنا (مع إيماننا الكامل بأنهم كفار خارجون عن ملة الإسلام لتبديلهم شرع الله وموالاتهم أعداء الإسلام وتمكين الأعداء من رقاب المسلمين، فما تركوا باباً من أبواب الكفر إلا وولجوا فيه ولا ناقضاُ من نواقض الإسلام العشر إلا وفعلوه، ولكن محاججة لمرجئة العصر الذين يقولون عنهم حكام جور وواجب طاعتهم)، فما يأمرون إلا بمعصية ولا يقيمون إلا دين الغرب الملحد ودين ماركس ودين إليزابيث. فها هم نحوا شريعة خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم، ويحكمون بشريعة ياسق العصر، دساتير الانحلال والانحطاط، ويجبرون المسلمين على التحاكم إليها، وينشرون الرذيلة ويعيثون في الأرض الفساد. فقل لي بربك، هل هناك معصية أكبر من إجبار الناس على التحاكم إلى شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم. فكيف نطيع من بدل الدين وأهلك الحرث والنسل، كيف نطيع من ينصر الكفار على المسلمين في العراق وأفغانستان وتسبب في قتل أكثر من مليون طفل عراقي بمساعدة الكفار في فرض الحصار على العراق إبان التسعينيات من القرن الماضي، وسمح للطائرات الأمريكية بالانطلاق من أرضه لضرب المسلمين بأفغانستان، ولقد أنكر شيخنا الإمام حمود بن عقلاء الشعيبي على حكام الجزيرة هذا الفعل، فاستدعاه جهاز الأمن للتحقيق فلم يلبث بعدها إلا أياماً معدودة ثم توفاه الله، والراجح مقتولاً على أيدي طاغوت الجزيرة مسموماً كما شهد بهذا ثقات. قال تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴿الإسراء: ٣٣﴾ . وعن عبدالله ابن عمر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم"[11]، عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار"[12] ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من اعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله عز وجل مكتوب بين عينيه ايس من رحمة الله "[13]. فلا سمع ولا طاعة لمثل هؤلاء الطواغيت. لأن الطاعة لهم تكريساً للظلم والرضى به، وهذا خلاف لدعوة الإسلام التي جاءت لرفع الظلم وتحرير الناس من الاستبداد والاستعباد وتكريس العدل، وليقوم الناس بالقسط، قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿الحديد: ٢٥﴾ . المطلب الثالث: بما يعزل الإمام فالمقصود من الإمامة كما ذكرالماوردي من إلتزامات الإمام (انظر ص 4) حفظ الدين على أصوله المستقرة، وإقامة الحدود وتحكيم الشرع، والجهاد في سبيل الله. فلا تصح بيعة الإمام إلا إذا قام بهذه الإلتزامات وحرص على تنفيذها، لإن إمامته لا تصح إلا إذا بايع الأمة على القيام بهذه الإلتزامات وإلا وجب خلعه بالإجماع. وقد يعزل الإمام لأسباب كثيرة قد ذكرها الأئمة في كتب الفقه والآثر. قال الماوردي: وإذا قام الإمام بما ذكرناه من حقوق الأمة (هذه الحقوق ذكرت في المطلب السابق) فقد أدى حق الله تعالى فيما لهم وعليهم، ووجب له عليهم حقان: الطاعة والنصرة ما لم يتغير حاله. والذي يتغير به حاله فيخرج به عن الإمامة شيئان: أحدهما: جرح في عدالته. والثاني: نقص في بدنه. فأما الجرح في عدالته وهو الفسق فهو على ضربين: أحدهما: ما تابع فيه الشهوة. والثاني: ما تعلق فيه بشبهة. فأما الأول منهما: فمتعلق بأفعال الجوارح وهو ارتكابه للمحظورات، وإقدامه على المنكرات تحكيماً للشهوة وانقياداً للهوى، فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة واستدامتها، فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها، فلو عاد إلى العدالة لم يعد إلى الإمامة إلا بعقد جديد. وأما الثاني منهما: فمتعلق بالاعتقاد المتأول بشبهة تعترض فيتأول لها خلاف الحق، فقد اختلف العلماء فيها. فذهب فريق منهم إلى أنها تمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها ويخرج بحدوثه منها لأنه لما استوى حكم الكفر بتأويل وغير تأويل وجب أن يستوي حال الفسق بتأويل وغير تأويل. وقال كثير من علماء البصرة: إنه لا يمنع من انعقاد الإمامة ولا يخرج به منها كما لا يمنع من ولاية القضاء وجواز الشهادة. وأما ما طرأ على بدنه من نقص فينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: نقص الحواس، والثاني: نقص الأعضاء، والثالث: نقص التصرف[14]. وهناك تفصيل لكل قسم من الأقسام الثلاثة ليس هذا موضع ذكرها لأنها ليست محل البحث ومخافة أن يطول المقام. وقال العلائي [15] – رحمه الله - في ( المجموع المُذْهَب في قواعد المذهب ) : " الإمام الأعظم إذا طرأ فسقُه ، فيه ثلاثة أوجُهٍ : أحدها : أنه ينعزل ، وصححه في البيان .الثاني : لا ينعزل ، وصححه كثيرون ، لما في إبطال ولايتِه من اضطراب الأحوال . الثالث : إنْ أمكنَ استتابَتُه أو تقويمُ أَوَدِهِ ، لَم يُخلع ، وإنْ لَم يمكن ذلك ، خُلِعَ " [16]. وقال القاضي عياض – رحمه الله - لا تنعقد الإمامة لفاسق ابتداءً، وحكاه عن القاضي عياض النفيس العلوي[17]. وكذلك ذكر الإمام القرطبي – رحمه الله – في تفسير قول الله تعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴿الحجرات: ٦﴾ " فبعد أن ذكر عدة مسائل حول هذه الآية، ثم ذكر قول ابن العربي، حيث قال " قَال ابن العربي : ومن العجب أن يجوز الشافعي ونظراؤه إمامة الفاسق. ومن لا يؤتمن على حبة مال كيف يصح أن يؤتمن على قنطار دين. وهذا إنما كان أصله أن الولاة الذين كانوا يصلون بالناس لما فسدت أديانهم ولم يمكن ترك الصلاة وراءهم، ولا استطيعت إزالتهم صُلي معهم ووراءهم ، كما قال عثمان : الصلاة أحسن ما يفعل الناس ، فإذا أحسنوا فإحسن ، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم . ثم كان من الناس من إذا صلى معهم تقية أعادوا الصلاة لله ، ومنهم من كان يجعلها صلاته. وبوجوب الإعادة أقول، فلا ينبغي لأحَدٍ أن يترك الصلاة مع من لا يرضى من الأئمة، ولكن يعيد سراً في نفسه، ولا يؤثر ذلك عند غيره." [18] وكذلك لا يكون الظالم إماماً كما ذكر الجصاص في تفسير آية : وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴿البقرة: ١٢٤﴾ . وقد روي عن السدي في قوله تعالى : ** لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } أ نه النبوةَ . وعن مجَاهد : أنه أَراد أن الظالم لا يكون إمامًا ، وعن ابن عباس أَنَّه قَال : " لا يلزم الوفَاء بعهد الظالم ، فإِذا عقد عليك في ظلم فَانقضه " . وقَال الحسن : " ليس لهم عند اللَّه عهد يعطيهم عليه خيرًا في الآخرة " [19]. فكما هو واضح من كلام الأئمة أنه لا تنعقد الإمامة لفاسق وإذا طرأ عليه الفسق وجب خلعه. فهذا دليل واضح على عدم جواز انعقاد الإمامة لحكام عصرنا لأن فسقهم لا يخفى إلا على أعمى البصر والبصيرة، فوجب خلعهم بقول الأئمة وتنصيب إماماً عادلاً متى أمكن ذلك. لأن خطر بقاء هؤلاء الحكام على الدين شديد، وكلما طال بقاؤهم، زاد هدم الدين، واستشرى الفساد وترسخ الباطل وضعف الحق. المبحث الثاني يتضمن مطلبين، الأول: أهل المذهب القائل بعدم الخروج على الحاكم الجائر. والثاني: أهل المذهب القائل بجواز أو وجوب الخروج على الحاكم الجائر. المطلب الأول: أهل المذهب القائل بعدم الخروج على الحاكم الجائر عمدة أهل هذا المذهب من العلماء والأئمة، هي قوله سبحانه: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴿النساء: ٥٩﴾"، والأحاديث النبوية التي ذكرت في هذا الباب في كتب الحديث ومنها: عن عبادة بن الصامت قال دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذعلينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان[20] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع " . قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم قال " لا ما صلوا " [21]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم " . قالوا قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك قال " لا ما أقاموا فيكم الصلاة لا ما أقاموا فيكم الصلاة ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة" [22]. وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قلت يا رسول الله إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شر قال " نعم ". قلت هل وراء ذلك الشر خير قال " نعم " . قلت فهل وراء ذلك الخير شر قال " نعم " . قلت كيف، قال " يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداى ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس " . قال قلت كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك قال " تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع " [23]. ننتقل إلى ذكر أقوال العلماء الذين قالوا بعدم جواز الخروج على الحاكم الجائر. يعتبر الحنابلة على رأس أهل هذا المذهب والمشهور من قولهم هو بعدم جوازالخروج على الحاكم الجائر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : والصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة[24] . وقال ايضاً - رحمه الله - : وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة ؛ كما كان عبد الله ابن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد ، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث، ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين. وكذلك قال - رحمه الله - : ولهذا لما أراد الحسين - رضي الله عنه - أن يخرج إلى أهل العراق لما كاتبوه كتباً كثيرة :أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين كابن عمر وابن عباس وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن لا يخرج، وغلب على ظنهم أنه يقتل [25]. فأهل العلم قد نصحوا الحسين - رضي الله عنه - مخافة أن يقتل، ولو كانوا يرون الخروج حرام قطعاً لذكروا له الدليل وأمروه بعدم الخروج، ولكن كانت نصيحة يريدون منها المصلحة حسب ما رأوها، وأما الحسين - رضي الله عنه – قرر الخروج لظنه أن المصلحة في الخروج. قال الإمام أبو جعفر الطحاوي: ولا نرى الخروج على أئمّتنا ولا ولاة أمرنا و إن جاروا ، ولا ندعوا عليهم ، ولا ننزع يداً من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضةً ، ما لم يأمروا بمعصيةٍ ، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة [26]. وهذا لا يمثل رأي الأحناف لأنه المشهور من مذهب أبو حنيفة الخروج على أئمة الجور، وقد رد الإمام الجصاص على الطحاوي في هذه المسألة، يقول الإمام الجصاص وهومن أئمة المذهب الحنفي، وقد توفي بعد الإمام الطحاوي بحوالي خمسين عاماً : وكان مذهبه رحمه الله ( أي الإمام أبي حنيفة) مشهوراً في قتال الظلمة وأئمة الجور [27] ( وسنذكر كلام الجصاص كاملاً في المطلب القادم إن شاء الله) . فمن أين للطحاوي – رحمه الله – هذه العقيدة التي خالف بها عقيدة إمام المذهب أبي حنيفة وما الشيء الذي جعله يخالف إمام المذهب. قال أبي الحسن الأشعري: و يرون الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح و أن لايخرجوا عليهم بالسيف [28]. وقال الإمام البزدوي : إذا فسق الإمام يجب الدعاء له بالتوبة ، ولا يجوز الخروج عليه لأنّ في الخروج إثارة الفتن و الفساد في العالم [29]. قال الباقلاني: بعدما ذكر فسق الإمام و ظلمه بغصب الأموال ، و ضرب الأبشار ، و تناول النفوس المحرّمة ، و تضييع الحقوق ، و تعطيل الحدود. لاينخلع بهذه الامور ولا يجب الخروج عليه ، بل يجب و عظه و تخويفه ، و ترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله [30]. قال الإمام النووي رحمه الله : " وأما الخروج على أئمة الجور وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين ، وإن كانوا فسقة ظالمين ، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته ، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق ، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل وحكى عن المعتزلة أيضاً فغلط من قائله مخالف للإجماع ، قال العلماء وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء ، وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه " [31]. وكذلك نقل ابن حجر - رحمه الله - الإجماع على عدم جواز الخروج على السلطان الظالم: فقال: قال ابن بطال: " وفى الحديث حجة على ترك الخروج على السلطان ولو جار وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء" [32]. وكلام النووي وابن حجر – رحمهما الله - في دعوى الإجماع رد عليه بعض أهل العلم وأستنكروه، منهم بن حزم وغيره، وكيف وقع الإجماع بعد الصحابة وكثيراُ من أهل العلم لم يقل بانعقاد الإجماع بعد الصحابة ومهنم الإمام أحمد ابن حنبل حيث قال من ادعى الإجماع فقد كذب. وكذلك استدل أهل هذا المذهب بالمفسدة المترتبة على الخروج من إراقة الدماء، واستبدال الأمن بالخوف، والفساد في الأرض، فقالوا هذه الأمور أعظم من الصبر على جور الحاكم. وكذلك استدلوا بعبارات لبعض الصحابة في إنكار قيام الحسين رضي الله عنهم أجمعين على يزيد. قال ابن كثير - رحمه الله -عن خروج الحسين - رضي الله عنه -: ولما استشعر الناس خروجه : أشفقوا عليه من ذلك ، وحذروه منه ، وأشار عليه ذوو الرأي منهم والمحبة لـه بعدم الخروج إلى العراق ، وأمروه بالمقام بمكة ، وذكروا ما جرى لأبيه وأخيه معهم [33]. وبلغ ابنَ عمر - رضي الله عنهما - أن الحسين - رضي الله عنه - توجّه إلى العراق فلحقه على مسيرة ثلاثة ليال ، فقال : أين تريد ، قال : العراق ، وهذه كتبهم وبيعتهم ، فقال لـه ابن عمر : لا تذهب ، فأبى، فقال ابن عمر : إنّي محدثك حديثاً : إن جبريل - عليه السلام - أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فخيّره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا ، وإنّك بضعة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يليها أحدٌ منكم أبداً ، فأبى أن يرجع ، فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال : استودعك الله من قتيل .وقال سعيد بن ميناء سمعت عجّل حسين - رضي الله عنه - قدره والله ، ولو أدركته ما تركته يخرج إلاّ أن يغلبني . وجاءه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - فقال: يا أبا عبد الله ؛ إني لكم ناصح ، وإنّي عليكم مشفق ، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج فلا تخرج إليهم ، فإنّي سمعت أباك - رضي الله عنه - يقول بالكوفة : والله لقد مللتهم وأبغضتهم وملّوني وأبغضوني . وقال عبد الله بن مطيع العدوي - رضي الله عنه - : إنّي فداك وأبي وأمي ؛ فأمتعنا بنفسك ولا تسر إلى العراق ، فوالله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذونا عبيداً وخولاً . وكما هو واضح من عبارات الصحابة أنهم لم ينهوا الحسين – رضي الله عنه - عن الخروج لعدم جواز الخروج، ولكن خوفاُ عليه من القتل، ولمعرفتهم بخيانة أهل الكوفة وأنهم ليسوا أهل نصرة. ولا حجة لسدنة حكام عصرنا بهذا الأقوال للنهي عن الخروج على أسيادهم. لأن الصحابة أرادوا مصلحة الحسين ومصلحة المسلمين، والدين كان قائماً والجهاد نافذاً، فرؤا أن مقتل الحسين مفسدة. أما الأمرمع حكام عصرنا مختلف تماماً، فليس هناك أي مصلحة في عدم الخروج عليهم، فالدين قد هدم والشريعة قد نحيت، وهل هناك مفسدة أعظم من هدم الدين وإكراه المسلمين على التحاكم إلى القوانيين الوضعية وشريعة الغرب الملحد. والضروريات الخمس قد وضعت لحفظ الدين، فإذا الدين لم يحفظ فالدم الدم والهدم الهدم حتى يقام الدين وتحكم الشريعة. قال الشوكاني: وقد استدل القائلون بوجوب الخروج على الظلمة ومنابذتهم بالسيف ومكافحتهم بالقتال بعمومات من الكتاب والسنة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا شك ولا ريب أن الأحاديث التي ذكرها المصنف في هذا الباب وذكرناها أخص من تلك العمومات مطلقاً وهي متواترة المعنى كما يعرف ذلك من له أنسة بعلم السنة ولكنه لا ينبغي لمسلم أن يحط على من خرج من السلف الصالح من العترة وغيرهم على أئمة الجور فإنهم فعلوا ذلك باجتهادهم وهم أتقى لله وأطوع لسنة رسول الله من جماعة ممن جاء بعدهم من أهل العلم ولقد أفرط بعض أهل العلم كالكرامية ومن وافقهم في الجمود على الأحاديث حتى حكموا بأن الحسين السبط رضي الله عنه وأرضاه باع على الخمير السكير الهاتك لحرم الشريعة المطهرة يزيد بن معاوية لعنهم الله، فيا لله العجب من مقالات تقشعر منها الجلود ويتصدع من سماعها كل جلمود[34]. والواضح من كلام الشوكاني – رحمه الله - أنه لا يخطئ الإمام الحسين بخروجه على يزيد وقد أغلظ على من قال بهذا ووصفهم بالجمود على الأحاديث، وهذا يدل على أن المسألة ليست محسومة بعدم الجواز، بل هي اجتهادية وإن الأحاديث حمالة لأكثر من وجه، وأن من خرج من السلف، قد فعلوا ذلك باجتهادهم ولو كانت الأحاديث قطعية الدلالة لنزلوا عند حكم الله ورسوله لأنهم كما وصفهم الشوكاني أنهم أتقى لله وأطوع لسنة رسول الله. المطلب الثاني: أهل المذهب القائل بجواز الخروج على الحاكم الجائر قال ابن المبارك رحمه الله: وهل أفسد الدين إلا الملوكُ وأحبار سوء ورهبانها قبل عرض أقوال العلماء القائلين بجواز الخروج على الحاكم الجائر لا بد من التعريف بالبغاة وذكر الشروط التي يجب أن تتوفر فيهم. فلا يمكن لأحد كائن من كان أن يسمي الخارج على الحاكم الظالم الجائر باغياُ، لأن البغاة لا بد أن تتوفرفيهم شروط قد وضعها العلماء . قال النوويُّ رحمه اللهُ : " الباغي في اصطلاح العلماء : هو المخالفُ لإمامِ العدلِ ، الخارجُ عن طاعته بامتناعهِ من أداءِ واجبٍ عليه أو غيرِه . أن يكون لهم شوكة وعدد بحيث يحتاج الإمام في ردهم إلى الطاعة إلى الكلفة، ببذل مال، وإعداد رجال، ونصب قتال "[35] . فالبغاة لا بد أن تتوفر فيهم أربعة شروط [36] : 1. الخروج عن طاعة الحاكم العادل التي أوجبها الله على المسلمين لأولياء أمورهم. 2. أن يكون الخروج من جماعة قوية، لها شوكة وقوة، بحيث يحتاج الحاكم في ردهم إلى الطاعة، إلى إعداد رجال ومال وقتال، فإن لم تكن لهم قوة ، فإن كانوا أفراداً، أو لم يكن لهم من العتاد ما يدفعون به عن أنفسهم، فليسوا ببغاة، لأنه يسهل ضبطهم وإعادتهم إلى الطاعة . 3. أن يكون لهم تأويل سائغ يدعوهم إلى الخروج على حكم الإمام ، فإن لم يكن لهم تأويل سائغ كانوا محاربين، لا بغاة. 4. أن يكون لهم رئيس مطاع يكون مصدراً لقوتهم، لأنه لا قوة لجماعة لا قيادة لها. وقال الخليلُ بنُ إسحاق المالكي في مختصره : الباغيةُ : فرقةٌ خالفت الإمام بمنع حق ، أو لقلعِه ، فللعدلِ قتالهم وإِن تأولوا . انتهى بعد أن استقر لدينا من هم البغاة، ننتقل إلى ذكر أقوال الأئمة والعلماء القائلين بجواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسيف لأن الخروج على الحاكم الجائر أو المبتدع فرع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لقد اجمعت الأمة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي على المنكر بدون خلاف من أحد يعتد بخلافه لقول الله سبحانه وتعالى : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿آلعمران: ١٠٤﴾. ولقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان، ليس بعد ذلك من الإيمان شيء" [37]. ولكن اختلفوا في كيفية الأمر بالمعروف والنهي على المنكر أتكون بالقلب واللسان فقط أو تكون كذلك باليد وسل السيوف . وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه تلا قوله تعالى : " يا أيها الناس عليكم أنفسكم لايضركم من ضل إذا اهتديتم " فقال : أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية فتضعونها في غير موضعها وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه ، أوشك أن يعمهم بعقابه ". وقد ورد " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه" [38]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من نبي بعثه الله قبلي إلا كان له من أمته حواريون ، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف ، يقولون مالا يفعلون ، ويفعلون مالا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " [39]. قال ابن رجب معلق على هذا الحديث : " وهذا يدل على جهاد الأمراء باليد " [40]. وقال ابن حزم – رحمه الله – عن القائلين أن الكيفية تكون بالقلب واللسان، قد وجب عندهم بلا خلاف سل السيوف مع الإمام العدل إذا قام عليه فاسق، وقد روى ابن حزم عن ابن عمر أنه قال لا أدري من هي الباغية؟ ولو علمتها ما سبقتني أنت ولا غيرك إلى قتالها. وكذلك قال رحمه الله إنّ سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ، إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك [41]. والآن ننتقل لذكر أقوال العلماء الذين قالوا بجواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسل السيوف والخروج على الحاكم الجائر. فلنبدأ بذكر مذهب سيد الفقهاء أبي حنيفة – رحمه الله - : فالمشهور من مذهبه جواز قتال حكام الجور والظلمة، والقول بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسيف. وننقل ما ذكر الإمام الجصاص – رحمه الله – عن أبي حنيفة في هذا المسألة، وقد رد الإمام الجصاص وأغلظ القول على من أنكر على أبي حنيفة مذهبه في الخروج على أئمة الجور وقولهم بأن أبى حنيفة يرى إمامة الفاسق فقال: "وهذا إنما أنكره عليه أغمار أصحاب الحديث الذين بهم فُقِد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تَغلب الظالمون على أمور الإسلام، فمن كان هذا مذهبه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كيف يرى إمامة الفاسق" [42]. وفي هذا رد على الإمام الطحاوي من إمام حنفي من كبار أئمة المذهب الحنفي. ولقد أيد الإمام أبو حنيفة وساعد كل من خرج على أئمة الجور في عصره، كزيد بن علي في خروجه على الخليفة الأموي فقد أمده أبو حنيفة بالمال، وكان ينصح الناس ويأمرهم بالوقوف إلى جانبه، وهذا ما ذكره الجصاص في هذه المسألة:" وقضيته في أَمر زيد بن علي مشهورة وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سراً في وجوب نصرته والقتَال معه " [43]. وكذلك مساندته لمحمد ابن عبد الله الملقب بالنفس الزكية ودعوت الناس وحثهم على مناصرته ومبايعته، وقال بأن الخروج معه أفضل من جهاد الكفار، كما ذكر ذلك الجصاص: " وكذلك أمره مع محمد وإِبراهيمَ ابني عبد اللَّه بن حسن. وقال لأَبي إسحاق الفزاريِ حينَ قَال له : لمَ أشرت على أَخي بالخروج مع إبراهيم حتى قتل ؟ قَال : مخرج أَخيك أَحب إلي من مخرجك " . وكان أَبو إسحاق قد خرج إلى البصرة " [44]. وقد نقل الموفق المكي وابن البزاز صاحب الفتاوى البزازية وهم من أجلة الفقهاء مثل هذا عن أبي حنيفة، ورأي أبو حنيفة واضح جلي أنّ الجهاد لتخليص الناس والمجتمع المسلم من سطوة الحاكم الجائر المبتدع أفضل من قتال الكفارالأصليين. وكذلك ذكر الجصاص أن كبار التابعين قد نابذوا الحجاج بالسيف، حيث قال: " وقد كان الحسن وسعيد بن جبير والشعبي وسائر التَابعين يأْخذون أَرزاقهم من أَيدي هؤلاء الظلمة ، لا على أَنهم كانوا يتولونهم ولا يرون إمامتهم ، وإِنما كانوا يأْخذونها على أَنها حقوق لهم في أَيدي قوم فجرة . وكيف يكون ذلك على وجه موالاتهم وقد ضربوا وجهَ الحجاج بالسيف ، وخرج عليه من القرَاء أربعة آلاف رجل هم خيار التابعين وفقهاؤهم فَقَاتلوه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بالأهواز ثمَ بالبصرة ثمَ بدير الجماجم من ناحية الفرات بقرب الكوفة وهم خالعون لعبد الملك بن مروان لاعنون لهم متبرئون منهم " [45]. كذلك حين ثار عبد الرحمن بن الأشعث على الدولة الأموية في زمن ولاية الحجاج الظالمة وقف إلى جانبه آنذاك أكابر الفقهاء أمثال سعيد بن جبير والشعبي وابن أبي ليلى وأبي البختري، ويذكر ابن كثير أن فرقة عسكرية من القُرَّاء (يعني العلماء والفقهاء) وقفت معه ولم يقل واحد من العلماء الذين قعدوا عن القيام معه أن خروجه هذا غير جائز، والخطب التي ألقاها هؤلاء الفقهاء أمام جيش بن الأشعث تترجم نظريتهم ترجمة أمينة، قال بن أبي ليلى: " أيها المؤمنون إنّه من رأى عُدْواناً يُعمل به ومُنكراً يُدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ، ومن أنكره بلسانه فقد أجر وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ونُور في قلبه اليقين، فقاتلوا هؤلاء المحلّين المحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحق فلا يعرفونه وعملوا بالعدوان فلا ينكرونه ". وقال الشعبي: " يا أهل الإسلام قاتلوهم ولا يأخذكم حرج في قتالهم، فوالله ما أعلم قوما على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور منهم في الحكم، فليكن بهم البدار". وقال سعيد بن جبير: " قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنيّة ويقين، وعلى آثامهم قاتلوهم على جورهم في الحكم وتجبرهم في الدين واستذلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاة " [46]. أما نجم العلماء ومفتي المدينة الإمام مالك فقد روى ابن جرير عنه أنه أفتى الناس بمبايعة محمد بن عبد الله بن الحسن الذي خرج سنة 145هـ، فقيل له : " فإن في أعناقنا بيعة للمنصور، فقال: إنما كنتم مكرهين وليس لمكره بيعة، فبايعه الناس عند ذلك عن قول مالك ولزم مالك بيته " [47]. وقد أفتى الإمام مالك - رحمه الله - للناس بمبايعة محمد بن عبدالله بن حسن عندما خلــع الخليفة المنصور ، حتى قال الناس لمالك : في أعناقنا بيعة للمنصور ، قال : إنما كنتم مكرهين ، وليس لمكره بيعة ، فبايع الناس محمد بن عبدالله بن حسن عملا بفتوى الإمام مالك .[48]. وقد ذكر ابن العربي أقوال علماء المالكية : " إنما يقاتل مع الإمام العدل ، سواء كان الأول ، أو الخارج عليه ، فإن لم يكونا عدلين ، فأمسك عنهما إلا أن تراد بنفسك ، أو مالك ، أو ظلم المسلمين فادفع ذلك ". [49] وكذلك قال ابن العربي : " وقد روى ابن القاسم عن مالك : إذا خرج على الإمام العدل ، خارج وجب الدفع عنه ، مثل عمر بن عبد العزيز ، فأما غيره فدعه ، ينتقم الله من ظالم بمثله ، ثم ينتقم الله من كليهما ، قال الله تعالى: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ﴿الإسراء: ٥﴾ ، قال مالك : إذا بويع للإمام فقام عليه إخوانه ، قوتلوا إن كان الأول عدلاً ، فأما هؤلاء فلا بيعة لهم ، إذا كان بويع لهم على الخوف "[50]. وقد ذكر أبن أبي يعلى في ذيل طبقات الحنابلة عن الإمام أحمد في رواية : " من دعا منهم إلى بدعة فلا تجيبوه ولا كرامــة ، وإن قدرتم على خلعه فافعلوا ".[51] والمشهور من مذهب الإمام أحمد ، تحريم خلع الإمام الجائر ، غير أنه يمكن التوفيق بأن قوله بالتحريم يحمل على عدم القدرة لأنه حينئذ فتترجح المفسدة ويبقى الظلم بل قد يزداد . ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي ، رحمهم الله .[52] وقد نقل العلامة محمد بن إبراهيم الوزير اليماني - رحمه الله - في هذه المسألة كلاماً نفيساً لأئمة السلف في رده على الروافض في كتابه العواصم والقواصم في الذَّبِّ عن سنَّةِ أبي القاسم. ومن هذه الآراء التي نقلها العلامة محمد بن إبراهيم الوزير اليماني : " قال القاضي عياض : ( لو طَرَأَ عليه كفرٌ ، أو تغييرٌ للشرع ، أو بدعةٌ ، خرج عن حكم الولاية ، وسقطت طاعته ، ووجب على المسلمين القيام عليه ، ونصب إمام عادل إِن أمكنهم ذلك ، فإن لَم يقع ذلك إلا لطائفة ، وجب عليهم القيام بخلع الكافر ، ولا يجب على المبتدع القيام إلا إذا ظنوا القدرةَ عليه ، فإن تحققوا العجز ، لَم يجب القيام ، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ، ويفر بدينه .. وقال بعضهم : يجب خلعه إلا أن يترتب عليه فتنةٌ وحرب (صحيح مسلم شرح النووي 12\229) . انتهى وقال ابنُ بطال : وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه ، وأنصف المظلوم غالباً ، وأنَّ طاعته خيرٌ من الخروج عليه لِمَا في ذلك من حقن الدماء و تسكين الدهماء ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها. (الفتح). وفي كلام ابن بطال ما يدل بمفهومه على جواز الخروج وعدمه ، لأنه قال : إن طاعته خيرٌ من الخروج عليه .. ولو كان الخروجُ حراماً قطعاً والطاعةُ واجبةً قطعاً ، لَم يقل : إن الطاعة خيرٌ من الخروج . قال ابن عبد البر- رحمه الله - في ( الاستيعاب ) : واختلفَ الناس في معنى قوله : وأن لا ننازعَ الأمرَ أهلَه . فقال قوم : هم أهل العدل والفضل والدينِ ، وهؤلاء لا ينازَعُون ، لأنهم أهل الأمر على الحقيقة . وقال أهل الفقه : إنما يكون الاختيار في بدء الأمر ، ولكن الجائر من الأئمة إذا أقامَ الجهاد والجمعةَ والأعياد ، سكنت له الدهماء ، وأنصف بعضها من بعض في تظالُمها ، لم تجب منازعته ، ولا الخروج عليه ، لأنَّ في الخروج عليه استبدال الأمن بالخوف ، وإراقةَ الدماء ، وشنَّ الغارات ، والفساد في الأرض ، وهذا أعظم من الصبر على جوره وفسقه ، والنظر يشهد أن أعظم المكروهين أولاهما بالترك ، وأجمع العلماء على أن من أمر بمنكرٍ ، فلا يطاع ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق ) ، قال اللهُ تعالى : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿المائدة: ٢﴾. انتهى فإذا عرفت هذا ، تبيّن لك أنهم لا يعيبون على مَن خرج على الظلمة ، لأن جوازه منصوص عليه في كتب فقههم ، ولو كان محرماً عندهم قطعاً ، لم يختلفوا فيه ، ويجعلوه أحد الوجوه في مذهبهم الذي يحل للمفتي أن يفتي به ، وللمستفتي أن يعمل به ، كما أنه ليس لهم وجه في جواز شيءٍ من الكبائر ، ولا شك أن كل مسألةٍ لهم فيها قولان أو وجهان أنهم لا يحرمونَ فعل أحدهما ، ولا يجرحون من فعله مستحلاً له ، ولا يفسقونه بذلك ، وهذا يعرفه المبتدئ في العلم ، كيف المنتهي ؟! فصل في بيان أن من منع الخروج على الظلمة استثنى من ذلك من فحش ظلمه ، وعظمت المفسدة بولايته ، مثل يزيد والحجاج ، فلم يقل أحد ممن يعتد به بإمامة من هذا حاله ، وإن ظن ذلك من لم يبحث من ظواهر بعض إطلاقهم ، فقد نصوا على بيان مرادهم ، وخصوا عمومَ الفاظهم ، ويظهر ذلك بذكر ما أمكن من نصوصهم . قال إمام مذهب الشافعية الجويني - وقد ذكر أن الإمامَ لا ينعزل بالفسق - ما لفظه : وهذا في نادر الفسق ، فأما إذا تواصل منه العصيان ، وفشا منه العدوان ، وظهر الفساد ، وزال السداد ، وتعطلت الحقوق ، وارتفعت الصيانةُ ، ووضحَت الخيانةُ ، فلا بدَّ من استدراك هذا الأمر المتفاقم ، فإن أمكن كف يده ، وتولية غيره بالصفات المعتبرة ، فالبدار البدار ، وإن لم يمكن ذلك لاستظهاره بالشوكة إلا بإراقة الدماء ، ومصادمة الأهوال ، فالوجه أن يقاس ما الناس مندفعون إليه ، مبتلونَ به بما يعرض وقوعه ، فإن كانَ الواقع الناجز أكثر مما يتَوقَع ، فيجب احتمال المتوقع ، وإلا فلا يسوغ التشاغل بالدفع ، بل يتعين الصبر والابتهال إلى الله تعالى . انتهى قال ابن حزمٍ في ( الإجماع ) : ورأيت لبعض من نصب نفسه للإمامة والكلام في الدين ، فصولاً ، ذكر فيها الإجماع ، فأتى فيها بكلام ، لو سكت عنه ، لكان أسلمَ له في أخراه ، بل الخرس كانَ أسلمَ له ، وهو ابن مجاهد البصري المتكلم الطائي ، لا المقرئ ، فإنه ادعى فيه الإجماعَ أنهم أجمعوا على أنه لا يُخرج على أئمة الجور ، فاستعظمت ذلك ، ولعمري إنه لعظيم أن يكون قد علمَ أن مخالف الإجماع كافر ، فيلقي هذا إلى الناس ، وقد علمَ أن أفاضل الصحابة وبقية السلف يومَ الحرَّةِ خرجوا على يزيد بن معاوية ، وأن ابن الزبير ومن تابعه من خيار الناس خرجوا عليه ، وأن الحسينَ بن عليٍّ ومن تابعه من خيار المسلمين خرجوا عليه أيضاً ، رضي الله عن الخارجين عليه ، ولعن قَتَلَتَهم ، وأن الحسن البصري وأكابر التابعين خرجوا على الحجاج بسيوفهم ، أترى هؤلاء كفروا ؟ بل واللهِ من كفرهم ، فهو أحق بالكفر منهم ، ولعمري لو كان اختلافاً - يخفى - لعذرناه ، ولكنه مشهور يعرفه أكثر من في الأسواق ، والمخدَّراتُ في خدورهنَّ لاشتهاره ، ولكن يحق على المرء أن يَخطِمَ كلامه ويزُمَّه إلا بعد تحقيق وميزٍ ، ويعلم أن الله تعالى بالمرصاد ، وأن كلام المرء محسوب مكتوب مسؤول عنه يومَ القيامة مقلداً أجر من اتبعه عليه أو وزرَه . انتهى وممن أنكر على ابنِ المجاهدِ دعوى الإجماع في هذه المسألة : القاضي عياض المالكي ، فقال : وردَّ عليه بعضهم هذا بقيام الحسين بن علي رضي الله عنه ، وابن الزبير ، وأهل المدينة على بني أُميَّة ، وقيام جماعةٍ عظيمةٍ من التابعين ، والصدرِ الأول على الحجاج مع ابن الأشعث .. وتأول هذا القائل قولَه : ( ألا ننازع الأمرَ أهلَه ) على أئمة العدل .. وحجة الجمهور أن قيامهم على الحجّاج ليس بمجرد الفسق ، بل لما غير من الشرع ، وأظهر من الكفر . انتهى احتج البعض على جواز الخروج على الظَّلَمة مطلقاً ، وقصره الآخرون على من فحش ظلمه وغير الشرعَ ، ولَم يقل أحد منهم : إن يزيد مصيب ، والحسين باغٍ .. ولا أعلم لأحدٍ من المسلمين كلاماً في تحسين قتل الحسين رضي الله عنه ، ومن ادّعى ذلك على مسلم ، لَم يصدق ، ومَن صح ذلك عنه ، فليس من الإسلام في شيءٍ " [53]. انتهى وكما هو واضح جلي كلام العلامة محمد بن إبراهيم الوزير اليماني - رحمه الله – أن الخروج على الظلمة من أقوال أهل السنة لأنه منصوص عليه في كتب الفقه وقال به كبار الأئمة والفقهاء من المذاهب الأربعة. فالعجب كل العجب من كهنة حكام عصرنا أن يشنعوا على من يقول بالخروج على أولياء نعمتهم المبدلين للشرع ويصنفونه في خانة الخوارج والبغاة، وها هم أئمة السلف يقولون بالخروج على الحاكم المسلم الجائر. فما أصعب قول الحق والأستقامة عليه. قال الإمام ابن حزم - رحمه الله - : " وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكل من معه من الصحابة، وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وطلحة، والزبير، وكل من كان معهم من الصحابة. وقول معاوية وعمرو، والنعمان بن بشير، وغيرهم ممن معهم من الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين، وهو قول عبد الله بن الزبير، ومحمد والحسن بن علي، وبقية الصحابة من المهاجرين والأنصار القائمين يوم الحرة، رضي الله عن جميعهم أجمعين، وقول كل من أقام على الفاسق الحجاج ومن والاه من الصحابة رضي الله عن جميعهم كأنس بن مالك وكل من كان ممن ذكرنا من أفاضل التابعين، كعبد الرحمن ابن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، وابن البحتري الطائي، وعطاء السلمي الأزدي، والحسن البصري، ومالك بن دينار، ومسلم بن بشار، وأبي الحوراء، والشعبي وعبد الله بن غالب، وعقبة بن عبد الغافر بن صهبان، وماهان، والمطرف بن المغيرة، ابن شعبة، وأبي المعدو حنظلة بن عبد الله، وأبي سح الهنائي، وطلق بن حبيب، والمطرف بن عبد الله ابن الشخير، والنصر بن أنس، وعطاء بن السائب، وإبراهيم بن يزيد التيمي، وأبي الحوسا، وجبلة بن زحر وغيرهم، ثم من بعد هؤلاء من تابعي التابعين ومن بعدهم كعبد الله بن عبد العزيز ابن عبد الله بن عمر، وكعبيد الله بن عمر، ومحمد بن عجلان، ومن خرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن وهاشم بن بشر، ومطر الوراق، ومن خرج مع إبراهيم بن عبد الله، وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة، والحسن بن حي، وشريك، ومالك، والشافعي، وداود، وأصحابهم. فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث، إما ناطق بذلك في فتواه وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكراً. قال أبو محمد: احتجت الطائفة المذكورة أولاً بأحاديث منها: انقاتلهم يا رسول الله؟ قال: "لا ما صلوا". وفي بعضها: " إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان". وفي بعضها وجوب الضرب وإن ضرب ظهر أحدنا وأخذ ماله. وفي بعضها: " فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فاطرح ثوبك على وجهك وقل: إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار". وفي بعضها: " كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل". وبقول الله تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴿المائدة: ٢٧﴾ . قال أبو محمد: كل هذا لا حجة لهم فيه لما قد تقصيناه غاية التقصي خبراً خبراً بأسانيدها ومعانيها في كتابنا الموسوم بالاتصال إلى فهم معرفة الخصال، ونذكر منه إن شاء الله هاهنا جملاً كافية وبالله تعالى نتأيد. أما أمره عليه السلام بالصبر على أخذ المال وضرب الظهر، فإنما ذلك بلا شك إذا تولى الإمام ذلك بحق، وهذا ما لا شك فيه أنه فرض علينا الصبر له. فإن امتنع من ذلك بل من ضرب رقبته إن وجب عليه فهو فاسق عاص لله عز وجل، وإما إن كان ذلك بباطل فمعاذ الله أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر على ذلك، برهان هذا قول الله عز وجل: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿المائدة: ٢﴾. وقد علمنا أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالف كلام ربه تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴿النجم: ٣، ٤﴾ . وقال تعالى : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴿النساء: ٨٢﴾. فصح أن كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه وحي من عند الله عز وجل لا اختلاف فيه ولا تعارض ولا تناقض، فإذا كان هذا كذلك فبيقين لا شك فيه يدري كل مسلم أن من أخذ مال مسلم أو ذمي بغير حق وضرب ظهره بغير حق إثم وعدوان وحرام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم".فإذ لا شك في هذا ولا اختلاف من أحد من المسلمين فالمسلم ماله للأخذ ظلماً، وظهره للضرب ظلماً، وهو يقدر على الامتناع من ذلك بأي وجه أمكنه معاون لظالمه على الإثم والعدوان، وهذا حرام بنص القرآن. وأما سائر الأحاديث التي ذكرنا، وقصة ابني آدم فلا حجة في شيء منها، أما قصة ابني آدم فتلك شريعة أخرى غير شريعتنا، قال الله عز وجل : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴿المائدة: ٤٨﴾ . وأما الأحاديث: فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان، ليس وراء ذلك من الإيمان شيء". وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف، وعلى أحدكم السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمربمعصية فلا سمع ولا طاعة". وإنه عليه السلام قال: " من قتل دون ماله فهو شهيد، والمقتول دون دينه شهيد، والمقتول دون مظلمة شهيد ".وقال عليه السلام: " لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليعمنكم الله بعذاب من عنده ". فكان ظاهر هذه الأخبار معارضاً للآخر، فصح أن إحدى هاتين الجملتين ناسخة للأخرى، لا يمكن غير ذلك، فوجب النظر في أيهما هو الناسخ، فوجدنا تلك الأحاديث التي منها النهي عن القتال موافقة لمعهود الأصل، ولما كانت الحال عليه في أول الإسلام بلا شك، وكانت هذه الأحاديث الأخر واردة بشريعة زايدة وهي القتال، هذا ما لا يشك فيه، فقد صح نسخ معنى تلك الأحاديث ورفع حكمها حين نطقه عليه السلام بهذه الأخر بلا شك، فمن المحال المحرم أن يؤخذ بالمنسوخ ويترك الناسخ، وأن يؤخذ الشك ويترك اليقين. ومن ادعى أن هذه الأخبار بعد أن كانت هي الناسخة فعادت منسوخة فقد ادعى الباطل، وقفا ما لا علم له به فقال على الله ما لم يعلم، وهذا لا يحل. ولو كان هذا لما أخلى الله عز وجل هذا الحكيم عن دليل وبرهان يبين به رجوع المنسوخ ناسخاً، لقوله تعالى في القرآن: تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴿النحل: ٨٩﴾ .وبرهان آخر: وهو أن الله عز وجل قال: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ﴿الحجرات: ٩﴾ . لم يختلف مسلمان في أن هذه الآية التي فيها فرض قتال الفئة الباغية محكمة غير منسوخة، فصح أنها الحاكمة في تلك الأحاديث، فما كان موافقاً لهذه الآية فهو الناسخ الثابت، وما كان مخالفاً لها فهو المنسوخ المرفوع. وقد ادعى قوم أن هذه الآية وهذه الأحاديث في اللصوص دون السلطان. قال أبو محمد: وهذا باطل متيقن، لأنه قول بلا برهان، وما يعجز مدع عن أن يدعي في تلك الأحاديث أنها في قوم دون قوم، وفي زمان دون زمان، والدعوى دون برهان لا تصح، وتخصيص النصوص بالدعوى لا يجوز، لأنه قول على الله تعالى بلا علم، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سائلاً سأله عمن من طلب ماله بغير حق فقال عليه السلام: "لا تعطه" قال: فإن قاتلني؟ قال: " قاتله" قال: فإن قتلته، قال: "إلى النار" قال: فإن قتلني؟ قال: "فأنت في الجنة". أو كلاماً هذا معناه.وصح عنه عليه السلام: " أنه قال المسلم أخو المسلم، لا يسلمه، ولا يظلمه". وقد صح أنه عليه السلام قال في الزكاة: " من سألها على وجهها فليعطها، ومن سألها على غير وجهها فلا يعطها". وهذا خبر ثابت رويناه عن طريق الثقات عن أنس بن مالك، عن أبي بكر الصديق، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا يبطل تأويل من تأول أحاديث القتال عن المال على اللصوص، لأن اللصوص لا يطلبون الزكاة، وإنما يطلبها السلطان، فافترض عليه السلام منعها إذا سئلها على غير ما أمر به عليه السلام، ولو اجتمع أهل الحق ما قاومهم أهل الباطل، نسأل الله المعونة والتوفيق. قال أبو محمد: وأما ما اعترضوا به من فعل عثمان فما علم قط أنه يقتل، وإنما كان يراهم يحاصرونه فقط، وهم لا يرون هذا اليوم للإمام العدل، بل يرون القتال معه ودونه فرضاً، فلا حجة لهم في أمر عثمان رضي الله عنه.وقال بعضهم: إن في القيام إباحة الحريم وسفك الدماء، وأخذ الأموال، وهتك الأستار، وانتثار الأمر. فقال لهم الآخرون: كلا لأنه لا يحل لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر أن يهتك حريماً، ولا أن يأخذ مالاً بغير حق، ولا أن يتعرض من لا يقاتله، فإن فعل شيئاً من هذا فهو الذي فعل ما ينبغي أن يغير عليه، وأما قتله أهل المنكر قلوا أو كثروا فهذا فرض عليه.وأما قتل أهل المنكر الناس، وأخذهم أموالهم، وهتكهم حريمهم فهذا كله من المنكر الذي يلزم الناس تغييره. وأيضاً: فلو كان خوف ما ذكروا مانعاً من تغيير المنكر ومن الأمر بالمعروف، لكان هذا بعينه مانعاً من جهاد أهل الحرب، وهذا ما لا يقوله مسلم، وإن أدى ذلك إلى سبي النصارى نساء المسلمين وأولادهم، وأخذ أموالهم، وسفك دمائهم، وهتك حريمهم. ولا خلاف بين المسلمين في أن الجهاد واجب مع وجود هذا كله، ولا فرق بين الأمرين، وكل ذلك جهاد ودعاء إلى القرآن والسنة. قال أبو محمد: ويقال لهم ما تقولون في سلطان جعل اليهود أصحاب أمره، والنصارى جنده، وألزم المسلمين الجزية، وحمل السيف على أطفال المسلمين، وأباح المسلمات للزنا، وحمل السيف على كل من وجد من المسلمين، وملك نساءهم وأطفالهم، وأعلن العبث بهم، وهو في كل ذلك مقر بالإسلام، معلن به، لا يدع الصلاة؟ فإن قالوا: لا يجوز القيام عليه. قيل لهم: أنه لا يدع مسلماً إلا قتله جملة وهذا أن ترك أوجب ضرورة ألا يبقى إلا هو وحده وأهل الكفر معه. فإن أجازوا الصبر على هذا خالفوا الإسلام جملة، وانسلخوا منه. وإن قالوا: بل يقام عليه ويقاتل وهو قولهم. قلنا لهم: فإن قتل تسعة أعشار المسلمين أو جميعهم إلا واحداً، وسبي من نسائهم كذلك، وأخذ من أموالهم كذلك، فإن منعوا من القيام عليه تناقضوا. وإن أوجبوا سألناهم عن أقل من ذلك، ولا نزال نحطهم إلى أن نقف بهم على قتل مسلم واحد، أوعلى الغلبة امرأة واحدة، أو على أخذ مال أو على انتهاك نسوة بظلم، فإن فرقوا بين شيء من ذلك تناقضوا وتحكموا بلا دليل، وهذا ما لا يجوز، وإن أوجبوا إنكار كل ذلك رجعوا إلى الحق. ونسألهم عمن قصد سلطانه الجائر الفاجر زوجته، وابنته، وابنه، ليفسق بهم، أو ليفسق به بنفسه، أهو في سعة من إسلام نفسه، وامرأته، وولده، وابنته، للفاحشة، أم فرض عليه أن يدفع من أراد ذلك منهم؟ فإن قالوا: فرض عليه إسلام نفسه وأهله، أتوا بعظيمة لا يقولها مسلم. وإن قالوا: بل فرض عليه أن يمتنع من ذلك ويقاتل رجعوا إلى الحق، ولزم ذلك كل مسلم في كل مسلم وفي المال كذلك. قال أبو محمد: والواجب أن وقع شيء من الجور وإن قل أن يكلم الإمام في ذلك ويمنع منه، فإن امتنع وراجع الحق، وأذعن للقود من البشرة، أو من الأعضاء، ولإقامة حد الزنا والقذف والخمر عليه فلا سبيل إلى خلعه وهو إمام كما كان لا يحل خلعه. فإن امتنع من إنفاذ شيء من هذه الواجبات عليه ولم يراجع وجب خلعه وإقامة غيره، ممن يقوم بالحق لقوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿المائدة: ٢﴾. ولا يجوز تضييع شيء من واجبات الشرائع. وبالله التوفيق " [54]. انتهى كلام ابن حزم - رحمه الله - . والواضح الجلي من كلام ابن حزم ( لله دره من عالم جهبذ) جواز الخروج على الحاكم الجائر وقتاله. وقد كان استدلاله قوياُ جداً بقول أن السلطان قد يكون الطائفة الباغية التي يجب قتالها حتى تفيء لأمر الله، لأن الله تعالى قد أمر بقتال الطائفة الباغية وقد علق الحكم على وصف البغي ، وهو دليل بيـّن على أن السلطة إن تحقق فيها هذا الوصف ، يجــب أن تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله . والسلطة المنتمي لها البغاة، فهي طائفة باغية بدون شك داخلة في عموم الآية، فالواجب قتالها امتثالاً لأمر الله كما هو بين واضح جلي من ظاهر القرآن. وأما الذين قالوا إن قول الله تعالى : ( فإنْ بَغَتْ إِحْداهما عَلىَ الأُخْرَى فقَاتِلُوا التي تبْغي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ ) يدل على وجوب قتال الباغين من غير السلطـة حتى يرجعوا إلى أمر الله وحكم الشرع ، ألا يدل كذلك على قتال السلطة الباغية للغاية نفسها، هي الرجوع إلى أمر الله وحكم الشرع ؟ ومن المسلمات أن بغي السلطة أشد ضرراً ، وأكثر فساداً . قال الحافظ ابن حجر في ترجمة الحسن بن صالح بن حي رحمه الله : "وقولهم : كان يرى السيف، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه".[55] فهذا ابن حجر – رحمه الله – يصرح بأن الخروج هو مذهب السلف قديماً، ومما لا شك فيه أن السلف قالوا بالخروج مستندين إلى دليل من الكتاب أو السنة، وهم أكثر الناس اتباعاً للسنة . فبأي دليل تغير مذهب السلف، إذا كان بالإجماع، فالإجماع مشكوك فيه بعد الصحابة، وإذا كان بالمصالح والمفاسد، فهذه مسألة نسبية تختلف من شخص لأخر.وبهذا يكون القول بالخروج على الحاكم الجائر من مذهب أهل السنة والجماعة ولا يعتبر قولاً شاذاً او من أقوال الخوارج. ومن العلماء الذين خرجوا: أحمد بن نصر الخزاعي الذي ساءه ما رآه من انحراف الخلافة وإظهار الفسق فقام بدعوة سرية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والخروج على الخليفة لبدعته وفسقه. وقد قال الإمام أحمد في ابن نصر بعد مقتله: (رحمه الله.. ما أسخاه لقد جاد بنفسه له).[56] قال الشوكاني: نقل ابن التين عن الداودي قال الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب وإلا فالواجب الصبر وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء فإن أحدث جوراً بعد أن كان عدلاً فاختلفوا في جواز الخروج عليه والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه [57]. فكما هو واضح من كلام الشوكاني، بأن الخروج على الحاكم إذا أحدث جوراً بعد أن كان عدلاً، مسألة خلافية اختلاف فيها العلماء مع ترجيحه لمنع الخروج وهذا من اجتهاد الشوكاني - رحمه الله - لا يلزم الأمة الأخذ به. قال شيخنا محمد مصطفى المقرئ [58] – حفظه الله - " مسألة الخروج على الحاكم الفاسق او الجائر هي برأيي مسألة جدلية هي اليوم أشبه بالمسائل الفقهية الفرضية ، ذلك أنها لا تطابق واقع حكام المسلمين الماثل بين أيدينا ، وإسقاطها على هذا الواقع مغالطة كبيرة ، إذ لا سبيل إلى نفي تحقق الكفر و ظهوره في طرق الحكم المهيمنة على بلادنا ، وهذا هو مناط مشروعية الخروج على الحاكم كفر أو لم يكفر [خروجاً من جدلية تكفيره ] ونص الحديث النبوي واضح صريح في ذلك : " إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه ىبرهان " وقد يقع الكفر ولا يقتضي تكفير فاعله أو قائله – كما هو مذهب أهل الحق – والله أعلم. أما الإجماع المنقول بحرمة الخروج على الحاكم الفاسق أو الجائر فهو منتقض بموقف الإمامين مالك وأبي حنيفة ، وبكلام بعض من نقله كالإمام النووي ـ كما في شرح صحيح مسلم – حيث نص على جواز الخروج على الحاكم الفاسق بعد أن نقل الإجماع المذكور. وأيما كان الأمر فإن هذا الإجماع يخالف واقعة الحال عصراً وتكييفاً ، فإنه منعقد في عصر تالٍ لعصر كان عامة الفقهاء فيه على القول بالجواز ، بل تأكد ذلك بفعل كثير منهم [ ابن الأشعث ومعه من كبار التابعين ابن المسيب والشعبي وابن جبير – وقبلهم عبد الله ابن الزبير – والإمام الحسين – وبعدهم ذو النفس الزكية ] ." قال الشيخ حامد العلي – حفظه الله - : " أن الله تعالى أمر بإنكار الظلم وإزالته ، وشرع ذلك أولاَ باليد ، ولأنّ الجور سبب لفساد البلاد والعباد ، وفي دفعه تحقيق الصلاح والمصالح العامّة التي ماجاءت الشريعة إلاّ لتوفيرها للناس، وما مبنى هذه الشريعة ـ أصـلا ـ إلاّ على هذا الأساس . وإنها لجناية على دين الإسلام أعظم جناية ، وتشويه يصدّ عن سبيله أيّ تشويه ، أن يقال في هذا الزمان الذي تثور فيه الشعوب مطالبة بحقوقها فتحصل عليها ، وتكف يد الظالمين عن الأموال ، والأعراض ، والدماء ، وعن العبث بمقدرات الأمة ، أن يقال : إن شريعة الله تعالى تأمر المسلمين أن يكونوا عونا للظلم بسكوتهم عليه ، وإقرارهــم له . وكيف يحقّ لكم ـ أيها المحرمون خلع السلطات الجائرة بالقوة ـ لــوم الشعوب أن تطلب الخَلاَصات السياسية ، في غير هذه الشريعة ، إن كنتم تقولون لهم إنّ فقهها السياسي قائم على إقرار الظلم ، بل تشريع أسباب بقاءه بتحريم تغييره ؟!! إذا تبيّن أن القول بتحريم خلع السلطة الجائرة، ، معارض لمقاصد الشريعة ، وهو ذريعة لصدّ الناس عن اتباعها فيما هو من أعظم حاجاتهم الحياتية ، علم بطلان هذا المذهب وفساده ، وتناقضه ". الخاتمة : الترجيح بين المذهبين، وواقع حكام عصرنا كان من قيم العرب قديماً العيش بحرية وعزة وكرامة، وبذلوا النفوس رخيصة في سبيل هذه القيم، ولم يعدلوا عنها بشيء مهما كان الثمن، وهذا واضح متجل في شعرهم : لا تسقني ماء الحياة بذلة بل فاسقني بالعز كأس الحنظل ماء الحياة بذلة كجهنم وجهنم بالعز أطيب منزل وعندما جاء الإسلام زاد هذه القيم تعظيماً ودعى إلى التمسك بها، ويحض الإسلام المسلمين على عدم قبول الدنية في دينهم وعلى دفع الظلم وإزالته. فالواضح الجلي من النقول التي ذكرت في هذا البحث حول حكم الخروج على الحاكم الجائر، أن أهل والسنة والجماعة قد ذهبوا إلى مذهبين، الأول: يقول بعدم الخروج على الحاكم الجائر إلا إذا كفر. والثاني: يقول بالخروج على الحاكم الجائر لظلمه وفسقه. وقد ذكرت في هذا البحث آنفاً الأدلة التي استدل به أهل المذهبين، وكنت شديد الحرص على نقل أكثر عدد ممكن من أقوال العلماء لتعطى هذه المسألة الحساسة حقها في البحث ، وليكون الترجيح بين القولين مبنياً على مستوى عال من الوضوح، ومستنداً إلى الأدلة الشرعية وآراء جهابذة العلماء من السلف والخلف. بعد ذكر أقوال العلماء في هذه المسألة ومنافشة أدلة كل من المذهبين، فالمذهب الراجح والله أعلم هو المذهب القائل بالخروج على الحاكم الجائر، لقوة استدلال أهل هذا المذهب ورجحان أدلتهم. ولأن القول بالخروج يتماشى مع مقاصد الشريعة ويوافق روح دين الإسلام ، لأنه دين الحرية والعزة والكرامة، وقد جاء لنشر الحرية وتحرير الناس من الأستعباد، وترسيخ العدل وإرجاع الحقوق لأهلها. وكذلك دعى الإسلام إلى رفض الظلم ومحاربة الظالمين وكفهم عن ظلمهم، وقد حرم الله الظلم على نفسه وجعله محرماً بين عباده كما في الحديث القدسي ، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله، تبارك وتعالى أنه قال : " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ..." [59] . وهناك آيات وأحاديث كثيرة تحض على الآخذ على آيدي الظالمين ونفي العهد عنهم ونذكر منها: قول الله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴿البقرة: ١٢٤﴾. وفي هذه الآية قد نفى الله تعالى العهد عن الظالمين، فكيف نعطيهم العهد وندعوا إلى طاعتهم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم أخوف ما يتخوف على أمته الأئمة المضلين ، فكيف لا يكون من شريعته ما يدعي إلى إزالة ما يخاف على أمته منه؟ قال صلى الله عليه وسلم: " إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين : خرجه الترمذي ،وقال: " وإنما أتخوف على أمتي أئمة مضلين " خرجه أحمد أبو داود وابن ماجـــة ، وقال: " أشد الناس عذابا يوم القيامة ، رجل قتله نبي ، أو قتل نبيا ، وإمام ضلالة ". خرجه أحمد وقد قال أبي بكرالصديق رضي الله عنه بعد أن بايعه الناسُ بالخلافة، مبيّنا سنة هذه الأمة في تحقيق العدل وترسيخه، وإزالة الظلم والطغيان : " أما بعد، أَيُّها الناس فَإِني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإِن أَحسنت فَأَعينوني وإِن أَسأْت فَقوموني. الصدق أمانةٌ والكذب خيانة . والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع إليه حقه إن شاء اللّه، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء اللّه. لا يدع قوم الجهاد في سبيل اللّه إلا خذلهم اللَّه بالذل ولا تَشيع الفاحشةُ في قوم إلا عمهم اللَّه بالبلاء. أَطيعوني ما أَطعت اللَّه ورسوله فإِذا عصيت اللّه ورسوله فلا طاعة لي عليكم." [60]. رضي الله عنه رضاً واسعاً، لقد قال وأوجز، وحدد سياسته الشرعية في كلمات قليلة تدل على حدود طاعته التي قيدها بطاعة الله ورسوله. ومن الأسباب التي ترجح المذهب القائل بالخروج على الحاكم الجائر: • أن النصوص المحكمة من الكتاب والسنة في وجوب طاعة أولي الأمر والصبر عليهم والدعاء لهم، تتعلق بأئمة العدل لا بأئمة الجور، فقد يستساغ الصبر على إمام يُؤثر نفسه بشيء من الأمور الدنيوية الخاصة ( أو يفسق على نفسه) وهو مقيم للدين، حاكماً بالشرع، لا يظلم الناس ولا يأكل أموالهم ويهدر دمائهم بالباطل، أما تنزيل تلك النصوص على أئمة الجور فبعيد عن الحق. قال ابن حزم: أما أمره عليه السلام بالصبر على أخذ المال وضرب الظهر، فإنما ذلك بلا شك إذا تولى الإمام ذلك بحق، وهذا ما لا شك فيه أنه فرض علينا الصبر له. فإن امتنع من ذلك بل من ضرب رقبته إن وجب عليه فهو فاسق عاص لله عز وجل، وإما إن كان ذلك بباطل فمعاذ الله أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر على ذلك، برهان هذا قول الله عز وجل: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿المائدة: ٢﴾. أخذ مال مسلم أو ذمي بغير حق وضرب ظهره بغير حق إثم وعدوان وحرام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم".فإذ لا شك في هذا ولا اختلاف من أحد من المسلمين فالمسلم ماله للأخذ ظلماً، وظهره للضرب ظلماً، وهو يقدر على الامتناع
--
على الخراشى
الثلاثاء، 2 أغسطس 2011
السبت، 4 يونيو 2011
هكذا فعل هؤلاء
هكذا فعل هؤلاء
لفضيلة الشيح/ محمد صالح المنجد
( الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد
إن معرفة أخبار الماضين مما يحمس النفوس للعمل ويطرد عنها غبار الكسل انهم عرفوا قيمة الوقت رجال عرفوا الله وصدقوا المرسلين ، انهم اغتنموا أعمارهم وشبابهم و أموالهم وصحتهم انهم عرفوا قيمة هذه النعمة نعمة العمر ، كانوا يغتنمون أيام دهرهم في عبادة الله – عز وجل – فكيف كانوا ؟ وماذا فعلوا ؟ هكذا فعل هؤلاء سلفنا فما حالنا نحن ؟ ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته فلا يضيع منه لحظة في غير قربى ويقدم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل ونيته للخير قائمة إضاعة الوقت اشد من الموت لأن الوقت يقطعك إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة والموت يقطعك عن الدنيا هكذا كان أولئك السلف لو قيل لحماد بن سلمة : انك تموت غدا ما قدر أن يزيد في العمل شيئا ، كنت تراه دائما مشغولا إما أن يحدث و أما أن يقرأ وسبح أو يصلي وقد قسّم النهار على ذلك .
كانوا يقولون : افقد الساعات عليّ ساعة آكل فيها . أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة يباحث عند الموت فزاره بعض عواده فقال لتلميذه إبراهيم بن الجراح : يا إبراهيم ما تقول في مسألة قال : في مثل هذه الحالة وأنت في النزع ، قال : ولا بأس بذلك ندرس لعله ينجو به ناج ثم قال : يا إبراهيم أيهما افضل في رمي الجمار أن يرميها ماشيا أو راكبا؟ قلت : راكبا قال : أخطأت قلت : ماشيا ، قال: أخطأت ، قلت : قل فيها يرضى الله عنك ، قال : أما ما كان يوقف عنده للدعاء في الجمرة الأولى والثانية فالأفضل فيها ماشيا وأما ما كان لا يوقف عنده أي الجمرة الأخيرة الكبرى فالأفضل أن يرميه راكبا ، ثم قمت من عنده فما بلغت باب الدار حتى سمعت الصراخ عليه وإذا هو قد مات – رحمه الله - .
عبيد بن يعيش يقول : أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدي بالليل كانت أختي تلقمني وأنا اكتب الحديث . فهكذا كان يشغلهم كتابة الحديث عن الطعام . الطبري المفسر المحدث الفقيه حافظ الوقت كان يصلي الظهر يجلس يكتب في التصنيف إلى العصر ثم يجلس للناس يُقرئ ويقرأ عليه إلى المغرب ثم يجلس للفقه والدرس إلى العشاء الآخرة ثم يدخل منزله قد قسم ليلة ونهاره في مصلحة نفسه ودينه والخلق كما وقفه لله – عز وجل – مرت عليه أربعين سنة لا يمر عليه يوم منها إلا يكتب فيها أربعين ورقة . الخطيب البغدادي يمشي وفي يده جزء يطالعه حتى يستفيد حتى من مشوار الوقت في المشي . سليم الرازي أحد أئمة الشافعية – رحمه الله – نزل داره يوما ورجع فقال قرأت جزءا في طريقي . وهكذا كان بعضهم إذا أراد أن يبري القلم بعدما ذهب حده يحرك شفتيه بذكر الله وبمسائل العلم لن لا يمضي الزمان وهو فارغ .
يقول ابن عقيل : انه لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة أو مناظرة وبصري عن مطالعة أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح فلا انهض إلا وقد خطر لي ما اسطره و إني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين اشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة . وأنا اقصر بغاية جهدي أوقات أكلي اختصار أوقات الطعام حتى اختار سف الكعك وتحسيه بالماء على الخبز لماذا ؟ لأن الخبز يأخذ وقتا في المضغ أما سف الكعك على الماء فإنه يوفر وقتا وهكذا للمطالعة أو تسطير فائدة غنيمة يجب أن تنتهز أين هذا من أصحاب البوفيهات المفتوحة اليوم الذين يقضون الساعات الطوال فيها والتسالي والمشهيات والمقبلات قبلها وبعدها .
يقول ابن الجوزي – رحمه الله - : كتبت بإصبعي هاتين آلفي مجلد قال الذهبي : ما علمت أحدا من العلماء صنف مثل هذا الرجل كان يجمع برايات أقلامه فلما مات سُخِّن به الماء الذي غسل به ففاض منها من برايات الأقلام ، استعملت حطب لتسخين الماء الذي غسل به عند موته . وشيخ الإسلام تبلغ تصانيفه ثلاثمائة مجلد قال الذهبي : وما يبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلد وهكذا في سننه وكلامة وإقدامه وكتابته رأى طلابه أمرا عجبا رحمه الله شيخ الإسلام . وهكذا النووي كان لا يضيع وقتا لا في ليل ولا في نهار إلا بالاشتغال بالعلم وطلبه ست سنين متواصلة لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكله بعد العشاء الآخرة ويشرب شربة واحدة عند السحر وربما امتنع عن بعض الطعام قال : أخاف أن يرطب جسمي ويجلب لي النوم . ابن النفيس الذي اكتشف الدورة الدموية كان فقيه كان من أهل العلم إذا أراد أن يصنف تُوضَع له الأقلام مبرية جاهزة ليس واحد عدد ثم يولي وجهه إلى الحائط ويأخذ في التصنيف إملاء من خاطره فيكتب مثل السيل إذا انحدر يأخذ قلم ينتهي القلم يرميه ويأخذ الثاني والثالث وهكذا لأنه لا يريد أن يضيع وقتا في بري الأقلام .
همة السلف كانت في هذا العلم طلبه حفظه المحافظة عليه تدريسه التأليف فيه التصنيف كما سيأتي العمل والعمل هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل .
في العبادة قراءة القرآن والصيام والبكاء
كان علقمه يقرأ القرآن في خمس ليالي . الأسود صاحبه كان يقرأه في ست . عبد الرحمن بن يزيد في سبع . مسلم بن يسار كان إذا صلى كأنه وتد لا يميل يمينا ولا شمالا وهكذا عطاء كما صحبه ابن جرير ثمانية عشرة سنة لما كبر وضعف كان يقوم الليل بمائتي آية من البقرة فكيف أيام الشباب ؟! ونحن كيف يضيع ليلنا اليوم ، سلفنا ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومن مما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) . كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون يبيتون لربهم سجدا وقياما هكذا كان الحال فأي شيء صار الحال اليوم ؟! كانوا يحيون ليلهم بطاعة ربهم بتلاوة وتضرع وسأل وعيونهم تجري بفيض دموعهم مثل انهمال وابل هطال في الليل رهبان وعند جهادهم لعدوهم من أشجع الأبطال بوجوههم اثر السجود لربهم وبها أشعه نوره المتلالي قال محمد بن منكدر : ما بقي من الدنيا إلا ثلاث قيام الليل ولقاء الإخوان والصلاة في جماعة . باقي اللذات ما عاد لها طعم . يقول مخلد بن حسين : ما انتبهت من الليل إلا أصبت إبراهيم بن ادهم يذكر الله ويصلي فأغتم يعني كيف حالي بالنسبة لحاله ثم اعزي نفسي بهذه الآية ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) . قام أبو حنيفة ليلة بقوله تعالى ( بل الساعة موعدهم والساعة أدهى و أمر ) يرددها ويبكي حتى اصبح .يقول إبراهيم بن شماس : كنت أرى احمد بن حنبل يحي الليل وهو غلام .
يقول أبو بكر المرودي : كنت مع احمد نحوا من أربعة اشهر في العسكر رباط وجهاد وصلاة وعبادة لا يدع قيام الليل وقراءة القران فما علمت بختمه ختمها مع انه ختم كثيرا لكنه كان يسر بعمله . البخاري يقوم يتهجد من الليل عند السحر يقرأ ما بين النصف إلى الثلث من القرآن . ابن عبد الهادي يقول عن قيام ابن تيميه : إذا دخل في الصلاة ترتعد فرائصه وأعضاؤه . وهكذا يقول ابن حجر عن شيخة العراقي تربية جيل عن جيل هذا أبو الروح وذاك أبو النطف فأبو الروح مقدم قال : ابن حجر لازمته فلم أره ترك قيام الليل بل صار له كالمألوف . السلف كانوا في قيام الليل على أنواع المُقل والمستكثر منهم من كان يحيي الليل كله حتى ربما صلى الصبح بوضوء العشاء ، منهم من كان يقوم شطره نصفه ، منهم من كان يقوم ثلثه ،منهم من كان يقوم سدسه، منهم من كان لا يراعي تقديرا يصلي حتى يغلبه النوم فينام ، منهم من كان يصلي من الليل ركعات محدودة ،منهم من كان يحي بين العشائيين ويعسلون في السحر فيجمعون بين الطرفين . ألم يأتك نبأ عباد بن بشر الصحابي الذي رمى بثلاث سهام في جسده فينتزعها ويمضي في صلاته . وهكذا كان يحرص النبي – صلى الله عليه وسلم – و أصحابه . عامر لا يزال يصلي ابن عبد قيس من طلوع الشمس إلى العصر فينصرف فقد انتفخت ساقاه فيقول يا أمارة بالسوء إنما خلقت للعبادة . يقولون له أتحدث نفسك وأنت في الصلاة ، يقول أحدثها بالوقوف بين يدي الله . لم يكن ذلك مقتصرا على الرجال بل حتى النساء كنا نحضر أم الدرداء كما في الرواية تحضرها نساء عابدات يصلين عندها تنتفخ أقدامهن من طول القيام بل حتى الجواري والإماء . هذه جارية الحسن بن صالح لما باعها لقوم كانت إذا صلت العشاء افتتحت الصلاة تصلي وربما إلى الفجر وتقول لأهل الدار : يا أهل الدار قوموا يا أهل الدار صلوا ،فيقولون لها : نحن لا نقوم إلا إلى الفجر ، الناس الآن لا يقومون حتى إلى الفجر !! جاءت إلى الحسن بن صالح قالت : بعتني إلى قوم سوء ينامون الليل كله ما عندهم قيام ليل أخاف أن اكسد ردني ردني فرأف بها وردها . وهكذا كانت امرأة الهيثم بن حجاز لا تكاد تنام من الليل ولكن زوجها ما كان يصبر معها فكان إذا نعس ترش عليه الماء وتنبهه وتقول أما تستحي من الله إلى كم هذا الغطيط قال : فوالله أن كنت لأستحي بما تصنع .
ثالثا : نفقاتهم في سبيل الله
( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ) الإنفاق في سبيل الله يشمل الإنفاق في الجهاد في إعداد الغزاة في ترميم الثغور والحصون وهكذا في تغطية العلوم النافعة وجميع المشروعات الخيرية والمحتاجين والفقراء والمساكين وعلى أبواب الخير توزع الصدقات ولإقامة الطاعات تنفق . يأتي عمر بن الخطاب يريد أن ينافس أبا بكر الصديق فيأتي بنصف ماله ويقول : اليوم اسبق أبا بكر أن سبقته يوما يعني ما سبقته ولا يوم فجئت بنصف مالي فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك ؟قلت : مثله ، وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك ؟ قال : أبقيت لهم الله ورسوله ، فقلت : لا أسابقك إلى شيء أبدا . وهكذا ربما كان الواحد منهم يتصدق بإفطاره ويبقى جائعا ، تصدق ابن عمر بطعام إفطاره وقضى الليل جائعا . تصدق احمد بن حنبل بطعام إفطاره ، طرق الباب عليه مسكين قبل المغرب فقدم له إفطاره وبات طاويا . وكان بعضهم تُعِدُّ له زوجته طعام الإفطار في الصباح فينوي الصيام ويأخذ الطعام معه إلى الدكان يتصدق به في الطريق ثم يرجع إلى أهله عند المغرب فيفطر هنالك لا يظنونه إلا انه مفطر في النهار . ويطفئون السراج ليأكل الضيف وذلك فعل الصحابي وزوجته أبو طلحه حتى لا يُحْرَجَ الضيف على الطعام القليل الموجود فيأكله كله ويبقى أبو طلحة وزوجه وأولاده في جوع يتقلبون ولكن في رحمه الله – عز وجل – هم في الحقيقة ينقلبون ، ضحك الله من صنيع فلان و فلانة هكذا فعل هؤلاء . سعيد بن العاص كان يُجِلّ الفقير أو المحتاج أن ينظر إلى وجهه ووجهه يتغير عند الطلب والذل والمسكنة كان يعشي الناس في رمضان فتأخر عنده ليلة من الليالي شاب من قريش بعدما تفرق الناس فقال له سعيد : احسب الذي خلفك حاجة ؟ قال : نعم أصلح الله الأمير ، فضرب سعيد الشمعة بكمه فأطفأها ثم قال : ما حاجتك ؟ قال : تكتب لي إلى أمير المؤمنين أن علي دينا وأحتاج إلى مسكن وخادم ، قال : كم دينك ؟ قال : ألفا دينار وذكر ثمن المسكن والخادم ، فقال سعيد : نكفيك مؤونة السفر اغدوا فخذها منا ، فكان الناس يقولون : إن إطفاء الشمعة احسن من إعطائه المال ، لماذا ؟ لئلا يرى في وجهه ذل المسألة ، أطفأ الشمعة لئلا يرى في وجه الفقير ذل المسألة وهو يسأل . زين العابدين أصحاب صدقات السر علي بن الحسين كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به، لما مات غسلوه وجعلوا ينظرون لآثار سواد في ظهره قالوا : ما هذا ؟ فقيل : كان يحمل جرب الدقيق ليلا على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة ، كان أناس يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يُؤْتَوْن به في الليل . لك يكن ذلك خاص بالرجال حتى النساء لما دعا النبي – صلى الله عليه وسلم – الصحابيات إلى الصدقة امتلأ ثوب بلال من أقراطهن وخلاخيلهن وصخبهن و أسورتهن يلقينه في ثوب بلال . روى البخاري في الأدب المفرد وهو حديث صحيح أن عائشة كانت تجمع الشيء حتى إذا اجتمع عندها قسمته على الفقراء . أما أسماء فكانت لا تمسك شيئا للغد وزينب بنت جحش أم المساكين تعمل بيدها لأنه ما كان عندها تعمل بيدها وتكسب لتتصدق به في سبيل الله . وهكذا ذهبت حميدةً متعبدةً قالت عائشة عنها : مفزع الأيتام والأرامل . الهمة العالية في العمل هكذا كان هؤلاء .
رابعا : طلبهم للعلم
يكثر التعب في التحصيل عندما يكون الشيء نفيساً خطيراً العلم كان لا ينال بالراحة ولا بالنوم ولا بالذات ،قال بعض الفقهاء : بقيت سنين اشتهي الهريسة ولا اقدر لأن وقت بيعها كان وقت سماع الدرس ، وقت الدرس هو وقت البيع وإذا انتهى الدرس كان البائع قد ذهب . قال ابن القيم : أما سعادة العلم فلا يورثك إياها إلا بذل الوسع وصدق الطلب وصحة النية . من طلب الراحة ترك الراحة ، كيف ؟ من طلب راحة الآخرة ترك راحة الدنيا . ينبغي لطالب العلم أن يكون حريصا على التعلم في جميع أوقاته ليلا ونهارا سفرا وحضرا هكذا لا يقضي في نومه وطعامه إلا الضرورة استراحة يسيرة لإزاحة الملل وهكذا من أراد أن يكون على ميراث الأنبياء .ابن عباس ابن عم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يبلغه الحديث عن رجل يأتيه والرجل نائم في بيته في القيلولة يفرش ابن عباس ردائه ويتوسد على باب الرجل ، الريح تسفي عليه التراب فيخرج صاحب البيت ويراه ويقول يا ابن عم رسول الله ألا أرسلت إلى فأتيك فأقول : أنا أحق أن آتيك فأسألك . ابن معين خلف له أبوه ألف ألف درهم يعني مليون أنفقها كلها في تحصيل الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسه .
هكذا لقاء الشيوخ والسماع لئلا يفوت عندما دخل على عبد بن حميد وسأله عن حديث حماد قال : لو كان من كتابك فقام الشيخ ليأتي بالكتاب ليحدث به فقبض يحي على ثوبه وقال : أمليه علي الآن فإني أخاف أن لا ألقاك فأمليته عليه ثم أخرجت كتابي فقرأته عليه . يخاف أن يقبض أحدهما في هذه البرهة . مكحول كان عبدا لما اعتق بمصر قال : لم ادع بها علما إلا حويته فيما أرى ثم أتيت العراق ثم المدينة فلم ادع بهما علما إلا حويته ثم أتيت الشام فغربلتها . شعبة وما أدراك ما شعبة قال : إني لا اذكر الحديث يفوتني فامرض أمير المؤمنين في الحديث . سعيد بن المسيب يسير الأيام والليالي في الطلب . وهكذا يرحل سعيد بن جبير إلى شيخه ابن عباس ليسأله عن قراءة في قوله تعالى ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) هل هي منسوخة ؟ قال : ما نسخها شيء . رحل في تفسير آية واحدة من الكوفة إلى المدينة . عكرمة يقول : طلبت العلم أربعين سنة وكنت أفتي بالباب وابن عباس في الدار . حتى توزيع المهمات قائم . وكان ابن مسعود يفتي في صف وتلميذه في صف على أبواب كنده في الحج . الناس ماسكين ( ؟؟ 20:53) وهم يفتونهم ويعلمونهم . وهكذا الحسن البصري رحل إلى كعب بن عجرة الصحابي قصته معروفة في قضية الحج عندما ملأ القُمَّل شعره فالنبي – عليه الصلاة والسلام – رحمه وأذن له بحلق شعره و إخراج الفدية . لماذا رحل الحسن البصري إلى كعب بن عجرة في الكوفة ؟ سافر قال له : ما كان فداؤك حين أصابك الأذى ، قال : شاة ، هذه كلمة واحدة . رحل فيها ولذلك كان للعلم بركة لأنه كان ينال بالطريق الصعب . اليوم أقراص الليزر معبأة بمائة ألف حديث ، عشرات الآلاف من الأحاديث لكن أين البركة ؟ هذه المعلومات قد جمعت والبحث بالجذر والكلمة و اللواصق والعبارات والمعاني ومع ذلك أين العلم الذي رسخ ؟ كان نفس المشايخ يظهر بالطلاب ، كان هناك تربية تعليم وتربية وليس فقط تحفيظ وتلقين و إنما معه تربية ، كل واحد يأخذ عن شيخة وعن شيوخه أنواعا من الأدب بالإضافة إلى العلوم والمعارف . عبد الوهاب الأنماطي كان بكاؤه أثناء مجلس الحديث يعمل في نفس تلميذه ابن الجوزي العمل العظيم في بناء قواعد الإيمان في نفسه قال علي بن الحسين : قمت لأخرج مع ابن المبارك في ليلة باردة من المسجد يعني بعد العشاء فذاكرني عند الباب بحديث أو ذاكرته فما زلنا نتذاكر هذا يقول حديثا وهذا يقول حديثا قال : حتى جاء المؤذن للصبح ، يصبرون على العلم . أما الرحلة في طلبه أبو حاتم الرازي يقول : أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ ، الفرسخ خمسة كيلومترات يعني خمس آلاف كيلو هذه مشاها على قدميه وليس رحله بالتذاكر الجوية ، يقول : لم أزل أحصى حتى لما زاد على ألف فرسخ تركته ، الإحصاء . قال : أما ما سرت أنا من الكوفة إلى بغداد فما لا أحصى كم مرة ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة وخرجت من البحر بالقرب من مدينة سرى من المغرب الأقصى إلى مصر ماشيا ومن مصر إلى الرملة ماشيا ومن الرملة إلى بيت المقدس ومن الرملة إلى عسقلان ومن الرملة إلى طبرية ومن طبرية إلى دمشق ومن دمشق إلى حمص ومن حمص إلى انطاكيا ومن انطاكيا إلى طرسوس ثم رجعت من طرسوس إلى حمص وكان بقي علي شيء من حديث أبي اليمان أحد الرواة فسمعته ثم خرجت من حمص إلى بيسان ومن بيسان إلى الرقة ومن الرقة ركبت الفرات إلى بغداد وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل ومن النيل إلى الكوفة كل ذلك ماشيا . هذا سفري الأول وأنا ابن عشرين سنة أجول سبع سنين وخرجت المرة الثانية وكان سني في هذه الرحلة سبع و أربعون .
ما تركوا طلب العلم ولا الرحلة في جمعه لا شبابا ولا كهولا ولا شيبا لا صغارا ولا كبارا . كان النهم لمعرفة فقه الكتاب والسنة حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مسائل العلم التي يجمعونها لكن هذا التعب كان يرسخ العلم في نفوسهم يمشون على فقرهم ربما لا يملكون اجره الدابة وهذه الأسفار كم تكلف ومن الذي يطيق أن يدفع النفقات . لذة العلم كانت تنسيهم تعب طلبه . قيل للشافعي كيف شهوتك للعلم ؟ قال : اسمع بالحرف مما لم اسمعه من قبل فتود أعضائي أن لها سمعا تتنعم به مثل ما تنعمت به الأذنان . فقيل له : كيف حرصك عليه ؟ قال : حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال ، قيل : كيف طلبك له ؟ قال : طلب المرأة المظلة ولدها ليس لها غيره . هكذا فعل هؤلاء فماذا فعلنا نحن ؟ لا نكاد نصبر في الدرس وهكذا إذا حضرنا درسا في الأسبوع رأيناه كثيرا جدا ولكن بعضنا لا يحضر حتى درسا في الأسبوع وإذا أردنا قراءة كتاب مللنا من أول الصفحات وهكذا . إذا كيف والكتاب الإلكتروني موجود والوسائل المختلفة موجودة والتعليم بالشبكات قائم وسماع الدروس موجود في شبكة نسيج العنكبوت كل الوسائل متوفرة و أشرطة التسجيل والكتب والطبعات الفاخرة المذهبة الملونة وهكذا هي أحاديثها مخرجة كتب مخدومة مشكولة ، أولئك كانوا يقرؤون مخطوطات يفكون رموزها يفرح الواحد منهم جدا إذا عثر على نسخة من حديث فلان الراوي وفلان الراوي ، العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كله . لا يُسْتَطاع العلم براحة الجسد . يقول محمد بن عبدون : انه كان يصلي الصبح بوضوء العشاء ثلاثين سنة ، خمسة عشر سنة في الدراسة وخمسة عشرة سنة في العبادة يقسم الليل نصفان نصف دراسة ونصف عبادة .
قال ابن أبي حاتم : كنا بمصر سبعة اشهر لم نأكل فيها مرقه نهارنا ندور على الشيوخ وبالليل ننسخ ونقابل فأتينا يوما أنا ورفيق لي شيخا فقال هو عليل اليوم الشيخ مريض فماذا فعلوا ؟ رأينا سمكة أعجبتنا اشتريناها لما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس بعض الشيوخ ، الدرس الذي بعده صار وقته فمضينا ولم تزل السمكة ثلاثة أيام وكادت أن تنتن فأكلناها نيئة لم نتفرغ أن نشويها . دببت للمجد والساعون قد بلغوا جهد النفوس والقوا دونه الازرى وكابدوا المجد حتى مل أكثرهم وعانق المجد من أوفى ومن صبرا لا تحسبن المجد تمرا أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا الكير الراسي – رحمه الله من الأئمة الكبار في مدرسة سرهنك بنيسابور كان فيها قناة لها سبعون درجة يقول : كنت إذا حفظت الدرس أنزل القناة و أعيد الدرس في كل درجة مرة في الصعود والنزول وهكذا افعل في كل درس . يعني مائة و أربعين مرة يعيد كل درس . فمن أين ينسى مثل هذا ؟ وبهذا صاروا أئمة يُقتدى بهم ، هكذا فعل أولئك القوم . شعبة بن الحجاج ممكن يطوف المدن من اجل حديث واحد ، سمع حديثا فاستغربه شعبه ، سمع عن إسرائيل عن أبي إسحاق حديثا يقول لأبي إسحاق : من حدثك بهذا ؟ قال : حدثني عبد الله بن عطاء عن عقبة ، طيب عبد الله بن عطاء سمع من عقبه فأين عبد الله بن عطاء ؟ يريد شيخ الشيخ ، فقال له : عبد الله بن عطاء بمكة ، قال : فرحلت إليه بمكة أردت الحديث ، فسألته الحديث الفلاني من الذي حدّثك ؟ قال : سعد بن إبراهيم ، يقفز مالك بن انس يقول لشعبة : سعد موجود بالمدينة لم يحج هذه السنة ، قال : فرحلت إلى المدينة فسألت سعدا عنه من الذي حدثك ؟ فقال : الحديث من عندكم من زياد بن مخراق هو الذي حدثني فقال شعبة : أي شيء هذا الحديث بينما هو كوفي إذ صار مكيا إذ صار مدنيا إذ صار بصريا فأتيت البصرة فسألت زياد بن مخراق من الذي حدثك؟ قال : ليس هذا من بابتك لا يعجبك من الذي حدثني قلت : لابد أن تخبرني به قال : حدثني شهر بن حوشب ، شهر – رحمه الله – كان قد اخترطوا فيه ضعف فقال شعبة : دمر علي هذا الحديث والله لو صح لي هذا الحديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان احب إلى من أهلي ومالي ومن الناس أجمعين . ناس ينقدون يتعبون ليرتاح من بعده في معرفة صحة السند وهل الحديث صحيح أو لا ، وما هي آفة السند . كل حديث ليس فيه حدثنا واخبرنا فهو خل وبقل كما يقول شعبة يعني لا يساوي شيئا . وهكذا كانوا يحجزون الأماكن في الدروس حتى لا تفوت كان جعفر بن دروستوية : كنا نأخذ المجلس عند علي بن المديني وقت العصر اليوم لمجلس الغد نقعد طول الليل مخافة أن لا نلحق من الغد موضعا نسمع فيه . الآن عالم كبير في مسجد يلقي درسا عنده ثمانية !! اثنين يشخرون عند الأعمدة وواحد يكلم بالهاتف الجوال لأن الشيخ لا يبصر !! أيها الاخوة الوضع مزري ونحتاج إلى نفضة ننفض بها غبار النوم عنا والكسل . البخاري كان يقوم في بالليل إذا أراد أن ينام من خمسة عشر إلى عشرين مرة يأخذ القداحة فيوري نارا ويسرج ثم يُخْرج أحاديث ويعلم عليها يكتب فوائد ثم يضع رأسه يتذكر فائدة يقوم مرة ثانية يوقد السراج يكتب الفائدة يرجع لينام يتذكر فائدة يوقد السراج ويكتب الفائدة .. عشرين مرة في ليلة ممكن ؟ ممكن معه واحد خادم شاب مع ذلك كان يصلي وقت السحر ثلاثة عشر ركعة فقال له الشاب : انك تحمل على نفسك ألا توقظني قال : أنت شاب ولا احب أن افسد عليك نومك .
قال البخاري : لما طعنت في ثمان عشرة يعني صار عمري ثمانية عشرة عاما جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم وفي الليالي المقمرة يكتب وهكذا كان ثلاثون من علماء مصر فيما سبق في وقت يقولون حاجتنا من الدنيا ما نشتهي من الدنيا ولا شيء إلا النظر في تاريخ محمد بن إسماعيل لأن البخاري ألف كتاب التاريخ . وهكذا أملى عليهم أحاديثه و أملى عليهم كتبا – رحمه الله – يحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتا ألف حديث غير صحيح واختار كتابة الجامع الصحيح البخاري من ستمائة ألف حديث ما وضع فيه حديثا إلا اغتسل وصلى ركعتين يستخير الله أن يضع هذا الحديث في كتابه ، فليس بغريب أن يكون لكتابه هذا القبول وهذه الصحة وهذه الشهرة . هكذا كان قد تخلّف عنه نفقته مرة فجعل يتناول الحشيش الأخضر من الأرض يأكله ولا يخبر بذلك أحدا . أسد الفرات المجاهد الذي مات شهيدا في جزيرة صقلية الذي حفظ القرآن والموطأ وتفقه على مذهب مالك وكان أمير المجاهدين في جيش صقلية الذي كان استشهد وفي يده اللواء يقرأ سورة يس . هذا لما انقطع لقراءة القرآن وعلومه حضر عند محمد بن الحسن الشيباني فقال له : أني قليل النفقة والسماع منك نذر والطلبة كثير فما حيلتي ، فقال له محمد بن الحسن لما رأى حرصه ، كانوا يهتمون بالطلاب النجباء قال : اسمع مع العراقيين مع الطلاب من أهل العراق بالنهار وقد جعلت لك الليل وحدك فتبيت عندي وأسمعك أي الحديث قال أسد : وكنت أبيت عنده وينزل إلي ويجعل بين يديه قدحا فيه الماء ثم يأخذ في القراءة فإذا طال الليل ونعست ملء يده ونضح وجهي بالماء فأنتبه فكان ذلك دأبه ودأبي حتى أتيت على ما أريد من السماع . الشافعي – رحمه الله – يقول : كانت نهمتي في الرمي ، تعلم الرماية لأن هذه سنة ومن تعلم الرماية ثم نسيها فهي نعمة كفرها ، كان يتعلم الرماية وطلب العلم ، قال : فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من عشرةٍ عشرةً وسكت عن العلم فقال عمرو بن سواد : أنت والله في العلم اكبر منك في الرمي . الشيخ محمد أمين الشنقيطي – رحمه الله – كان يجيد الرمي وهكذا قال بعض أصحابه كنا معه مرة في الفلا فطار طائر فأخذ الشيخ البندقية فصاده والطائر في الهواء هكذا بدون التدقيق الذي يكون عند الرماة ، وكان يخرج لأجل هذه الرماية ليس للصيد ليس به هم الصيد ، الشنقيطي كان يلبس فردة خضراء و فردة لون ثاني لأنه لم يكن أصلا يهتم بالثياب ولا بالنعال من زهده بالدنيا – رحمه الله - .
الشافعي جزء الليل ثلثه الأول يكتب وفي الثاني يصلي وفي الثالث ينام . وهكذا لما أُشْكٍل على بعض النحويين باب من النحو انفق ثمانين ألف درهم حتى حذقه . الإمام احمد – رحمه الله – رئي ومعه مجرة ومحبرة هذه من شأن الطلاب وليست من شأن الشيوخ الكبار فقال له قائل : يا أبا عبد الله أنت قد بلغت هذا المبلغ وأنت إمام المسلمين يعني معك المحبرة فقال : مع المحبرة إلى المقبرة . وقال : أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر . كانت همم عند هؤلاء في الدراسة والتدريس ، الطبري يقول لطلابه : هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا ؟ يقولون: كم قدره ؟ فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة ، قال نكتب نكتب يا طلابي ، قالوا : هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه ، قال : إنّا لله ماتت الهمم فاختصر نحو ذلك ثلاثة آلاف ورقة ولما أراد أن ينهي التفسير قال لهم نحوا من ذلك ثم أملاه على نحو من قدر التاريخ . ممكن يجوعوا في طلب العلم ؟ ممكن يضطروا للسؤال في طلب العلم ؟ محمد بن خزيمة ومحمد بن جرير ومحمد بن هارون الرويناني ومحمد بن مصر المروزي جمعت بينهم الرحلة في طلب العلم بمصر جمعوا نفقاتهم حتى فنيت النفقات وليس عندهم ما يقوتهم وأضر بهم الجوع اجتمعوا ليلة في منزل كانوا يأوون إليه يتناقشون في الجوع الذي مسهم فاتفق رأيهم على أن يستهموا ويضربوا القرعة فمن خرجت عليه القرعة سأل لأصحابه الطعام لأنهم لا يريدون واحد منهم يخرج ويسأل لكن الآن يهلكون من الجوع خرجت القرعة على ابن حزيمة، فقال: لأصحابه أمهلوني حتى اصلي صلاة الاستخارة فاندفع في الصلاة فإذا برجال من قبل السلطان والي مصر احمد بن طولون يدقون الباب ففتحوا الباب قال : أيكم محمد بن نصر قيل هو ذا فدفع إليه صرة فيها خمسين دينار يعني من الذهب ، قال : أيكم محمد بن جرير فأعطاه خمسين دينارا وكذلك للرويان ولابن خزيمة ثم قال لهم : إن الأمير كان قائلا ، نائم نوم القيلولة فرأى في المنام خيالا أو طيفا يقول له أن المحامد جياع أن المحمدين الأربعة هاذول نايمين في بلدك جياع وأنت نائم قم فقام ، سأل من هم المحمدون ؟ هل يوجد مكان فيه مكان واحد محمدون مجموعة ؟، قالوا: نعم دخلوا البلد أربعة هؤلاء فأنفذ إليكم هذه الصرر واقسم عليكم إذا نفدت أن تبعثوا إليه ليزيدكم . الهمم في قراءة المطولات لما قال عز الدين بن عبد السلام : ما رأيت في كتب الإسلام مثل المحلل لابن حزم والمغني لابن قدامه قال الذهبي : صدق الشيخ عز الدين وثالثهما السنن الكبرى للبيهقي و رابعهما التمهيد لابن عبد البر فمن حصّل هذه الدواوين وكان من أذكياء المفتين و أدمن المطالعة فيها فهو العالم حقا . ممكن تكون حادثة غريبة هي السبب أن تجعل واحد عامي تجعله عالم من كبار العلماء أصلا ابن حزم كيف صار عالم ؟ هو كان شخص عادي جدا شهد جنازة دخل المسجد فجلس ولم يركع يعني لم يصلي ركعتي تحية المسجد فقال له رجل : قم صلي تحية المسجد كان عمرة ستة وعشرين سنة فقام وصلى ركعتين لما رجعوا من الصلاة على الجنازة دخل المسجد فأراد أن يصلي ركعتين قام وقال : اجلس ليس هذا وقت صلاة هذا كلام قبل المغرب قال : فانصرفت وقد حزنت وقلت للأستاذ الذي رباني دلني على دار الفقيه أبي عبد الله بن داحون فقصدته فأعلمته بما جرى فدلني على موطأ مالك ، فبدأت عليه وتتابعت قراءتي عليه وعلى غيره نحوا من ثلاثة أعوام ،قصة ممكن تبدو قصة عادية واحد دخل مسجد ماهو وقت نهي من جهله جلس قال له واحد قم صلي تحية المسجد دخل مرة ثانية في وقت النهي أراد أن يصلي على ما علمه الأول جبذه واحد قال : ليس ذا وقت صلاة ، طبعا الراجح أن تحية المسجد من ذوات الأسباب وأنها تُفعل حتى في أوقات النهي وهذا مذهب الشافعي – رحمه الله تعالى - . الفيروزابادي لا ينام حتى يحفظ مائتي سطر . النووي كل يوم كان يقرأ اثني عشر درسا على المشايخ شرحا و تصفيحا في الوسيط في المهذب في الجمع بين الصحيحين صحيح مسلم في ( ؟؟ 40:59) في إصلاح المنطق في اللغة لابن السكير في التعريف في أيصول الفقه في اللمعة لأبي إسحاق في المنتخب لفخر الدين درس في أسماء الرجال والدرس في العقيدة وهكذا .
هؤلاء كيف صاروا علماء ؟ كيف صاروا كبارا ؟ هؤلاء ممكن الواحد يكون حلاق أتى شخص يحلق عنده الحلاق هذا كان يسمع أشياء يعني من بعض الزبائن كان من زمان الحلاقين ممكن يجيه زبون شيخ مثلا طالب علم دكتور في الجامعة نحوي مفسر فقيه محدث أديب لغوي فهذا كان يصيد فوائد وهو ذكي فجاءه أحد الشيوخ مرة ليحلق رأسه عنده فانتبه لذكاء الحلاق وأنه يسأل أسئلة ويثير أشياء فلم يزل به حتى سجله في الجامعة وهكذا خرج هذا الرجل واحدا من المشايخ من الكتاب المعاصرين في هذا الزمان في واحد شيخ من قديم كان مناديا في دار البطيخ يحرج على البطيخ ولكن لما صدقت نيته في طلب العلم صار عالما من كبار العلماء . وهكذا كان الشيخ الحكمي حافظ يرعى الغنم في جيزان لما وهبة الله سرعة في الحفظ والذكاء وقيض الله له الشيخ عبد الله القرعاوي مصلح اخذ بيده فصار الحكمي من العلماء ومات وعمره خمسة وثلاثين سنة وهناك كتب له لم تطبع إلى الآن لازالت مخطوطة .توفي قريبا العالم الفقيه ابن بسام – رحمه الله – من تلاميذ الشيخ السعدي ومن أصحاب ابن عثيمين قال لي : كنت أنا وابن عثيمين نتناوب في تسميع القران فيبدأ مثلا بالثمن الأول من أول القرآن يسرد علي ثم أنا اسمع له الثمن الثاني ثم يسمع لي الثمن الذي بعده وهكذا إلى نهاية المصحف الختمه التي بعدها إذا كان هو الذي بدأ أنا الذي أبدا حتى الأشياء التي أنا ما قرأتها اقرأها والتي لم يقرأها يقرؤها وهكذا . في كان مساعدة لبعضهم ولذلك يهون الطلب عندما يقيض الله رفقة صالحة . كانت الرحلة في طلب العلم على صعوبتها قائمة كما تقدمت أمثلة ومن قبلهم موسى – عليه السلام – نبيا ورحمة عندما رحل إلى الخضر في طلب العلم وقطع المسافات الطويلة . عقبة بن الحارث الصحابي سافر من مكة إلى المدينة ليسأل عن مسألة واحدة في الرضاع .
جابر بن عبد الله سار إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد من المدينة إلى الشام طرق الباب خرج إليه اعتنقه قال حديث بلغني لم اسمعه خشيت أن أموت أو تموت وأنا لم اسمعه . ويُرْحَل في طلب العلم كما تقدم من المسافات الطويلة الكثيرة . أما الهمة في قراءة الكتاب الواحد وليس الكتب الكثيرة فقط ، الكتاب الواحد كم مرة كان يُعاد ربما يتخرق من كثرة الإعادة يقول القيرواني : وجدوا في كتب عباس أبو عرب القيرواني يقول وجدوا في آخر كتاب آخر أحد كتب عباس بن الوليد الفارسي أنه درسه ألف مرة وهكذا قال أبو محمد بن عبد الله بن إسحاق بن التبان أنه درس المدون لمالك ألف مرة . وهكذا قال أبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح الابهري قال : قرأت مختصر ابن عبد الحكيم خمسمائة مرة و الأسدية خمسة وسبعين مرة والموطأ خمس و أربعين مرة والمختصر البرقي سبعين مرة والمبسوط ثلاثين مرة والبخاري أكثر من ستين مرة ومسلم نحوا من عشرين وهكذا ، همة عالية سواء في القراءة أو في التأليف
رابعا : في الدعوة في طلب الحق في السعي في الوصول إلى الحق
همتهم في هذا كيف كانوا زيد بن عمرو بن نوفيل الذي أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – عنه أنه يأتي أمة وحده الرجل هذا كان موحدا يسند ظهره إلى الكعبة يقول لقريش : ما أعلم أحدا على دين إبراهيم غيري ، وهكذا لما عرف بأن إبراهيم الخليل حنيفا مسلما سار على دينه كان قد خرج إلى اليهود زيد بن عمرو فلقي عالما منهم قال : إني أريد أن أكون على دينكم أخبرني عنه قال : إنك لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله ، قال : أنا فررت من غضب الله أنا ما أتحمل غضب الله خرج لقي نصرانيا قال : أريد أن أكون على دينكم قال : لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من لعنة الله قال : أنا فررت من لعنة الله أنا لا أتحمل لعنة الله ، فماذا دلني على شيء آخر ، قال : إلاّ أن تكون حنيفا ما بقي إلا دين الحنيفية ، قال : ما الحنيف ؟ قال : دين إبراهيم الخليل ، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان يعبد الله فلما رأى زيد ذلك رفع يديه وقال : اللهم أني أشهدك أني على دين إبراهيم ، فكان موحدا مع أنه ما كان يعرف شعائر التعبد التفصيلية ما كان يعرفها لكن على دين إبراهيم الخليل على التوحيد . فذهب يطلب الحق ويبحث عن الدين الصحيح .
وهكذا سلمان الفارسي – رضى الله عنه – كان لرجل لأب من المجوس من عباد النار يحش النار يوقدها ليعبدها مع قومه لكنه بفطرته عرف أنه لا يمكن أن تكون هذه النار هي الآلهة هي الإله الذي خلق فيستحق العبادة ، فسمع بقوم من النصارى فأتاهم وهرب من أبيه وهرب من البيت وذهب للشام ودخل الكنيسة هناك ليتعلم دينهم وكان الأسقف رجلا فاسقا سيئا مات وهو يخزن غلال الفضة والذهب فدل القوم على ثروته فأخذوه صلبوه رجموه قالوا لا ندفنه أبدا ، وجاءوا برجل بدلا منه وضعوه لازمة سلمان رآه يصلي زاهد في الدنيا يقوم الليل أحبه فكان معه إلى أن مات لما حضرته الوفاة قال : إلى من توصي بي قال : أي بني والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا اكثر ما كانوا عليه إلّا رجلا بالموصل فلان الحق به ذهب سلمان إلى ذلك الرجل من بعد ما مات صاحبه الأول وقال : إن فلان أوصى بي إليك وأمرني باللحاق بك بقي عنده إلى إذ أوشك على الموت قال : من توصي بي قال : يا بني والله ما اعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان فالحق به ، لما مات وغيبه ودفنه ذهب إلى نصيبين فأخبره بالخبر ولزمه و أقام عنده فكان خير رجل ما لبث أن نزل به الموت فلما حضر قلت له: يا فلان إن فلان كان أوصى بي إلى فلان ثم إلى فلان ثم إلى فلان إليك فإلى من توصي بي قال : يا بني والله ما اعلم بقي أحد على امرنا آمرك أن تأتيه إلاّ رجل بعمورية من ارض الروم فإنه على مثل ما نحن عليه فإن أحببت فائته فإنه على امرنا فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية وبقي عنده حتى صار عند سلمان بقرات وغنيمة لما نزل أمر الله بهذا الرجل الأخير وطلب منه أن يوصي به إلى شخص آخر،قال : أي بني والله ما اعلم اصبح اليوم أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك أن تأتيه ولكن قد أظل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب يهاجر إلى أرض مهاجرة بين ارض بين حرتين بينهما نخل وهذه علامة المدينة فيها حرتان شرقية وغربية صخرية سوداء ونخل في الوسط يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة فإذا استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل . ثم مات وغيب ومكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث ثم مر بي نفر من كلب قبيلة تجار فقلت لهم : احملوني إلى ارض العربي و أعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي قالوا : نعم ، فأعطيتموها وحملوني معهم حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني وباعوني لرجل يهودي عبدا ، فكنت عنده ورأيت النخل فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ، فبينا أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من المدينة فابتاعني منه وحملني إلى المدينة فوالله ما هو إلا أن رأيتها إلا عرفتها بصفة صاحبي لها الذي وصف لي هذه نفسها ، فاقمت بها وبعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وسلمان لا يدري و أقام بمكة وسلمان لا يدري وهاجر إلى المدينة وسلمان لا يدري فوالله إني لفي راس عذق لسيدي أعمل فيه بعض العمل وسيدي جالس تحتي إذ اقبل ابن عم له يهود في يهود حتى وقف عليه فقال : يا فلان قاتل الله بني قيلة والله إنهم مجتمعون الآن بقباء على رجل قدم من مكة اليوم يزعمون انه نبي ، قال سلمان : فلما سمعتها أخذتني الرعدة حتى ظننت أني ساقط على سيدي فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه : ماذا تقول ؟ ماذا تقول ؟ فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة ثم قال : مالك ولهذا أقبل على عملك ، فقلت : لا شيء و إنما أردت أن أستثبته عن ما قال . وكان عندي شيء قد جمعته يعني من تمر من رطب فلما أمسيت وأخذته ثم ذهبت إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو بقباء فدخلت عليه فقلت له : انه قد بلغني انك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذووا حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم قال : فقربته إليه فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لأصحابه : كلوا وامسك فلم يأكل ، فقلت في نفسي هذه واحدة ، ثم انصرفت فجمعت شيئا وتحول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة يعني من قباء إلى المدينة ثم جئته فقلت له : إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها ) ( بها ، قال : فأكل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – منها و أمر أصحابه فأكلوا معه ، فقلت في نفسي هذه اثنتان ، ثم جئت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدبرته انظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي ، فلما رآني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – استدبرته عرف أني استثبت في شيء وصف لي فألقى ردائه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأكببت عليه اقبله وابكي فقال لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تحول فتحولت بين يديه فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس . هكذا كانت الرحلة في طلب الحق ، البحث عن الحق وهكذا كانوا يفعلون . كذلك المؤمن في سورة آل ياسين عندما خرج وجاء من أقصى المدينة رجل ممتلئ رجولة يسعى مجتهدا في الدفاع عن الأنبياء وهكذا تثبت ماشطة بنت فرعون على الحق حتى يلقي فرعون أولادها أمامها في القدر الذي يغلي بالزيت فتلوح عظامهم البيضاء على سطح ذلك القدر ثم لما أراد أن يلقيها قال : لك حاجة ؟ قالت : إن لي إليك حاجة قال : وما حاجتك ؟ ، قالت : أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا ، قال : ذلك لك علينا من الحق . وهكذا أمر بأولادها فألقوا واحدا واحدا إلى أن انتهى إلى صبي لها مرضع فكأنها تقاعست فقال : يا أم اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة . قال ابن كثير إسناده لا بأس به .
خامسا : كيف كانوا في إنكار المنكر وجرأة الموقف في إيضاح الحق والجهر به والصدع ولو كان على الكبار والولاة ، قصة مروان مع أبي سعيد الخدري لما خرج مروان يريد أن يخطب قبل صلاة العيد ليه قال : الناس لا يسمعون لنا ، قال : أنت تغير السُّنَة ، الخطبة بعد الصلاة ، قال : الناس لا يسمعون لنا إذا خطبنا بعد الصلاة ، أبو سعيد آخذ بثوبه فجبذه فشد مروان الثوب وعاند وطلع،فقال أبو سعيد: غيرتم والله فقال: أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقال: ما اعلم والله خير مما لا اعلم . وهكذا كان أحمد بن حنبل في درس مرة فسمع حس طبل فقام من الدرس حتى أرسل إليهم فنهاهم. أبو مسلم الخولاني – رحمه الله – لما قام مرة إلى الأمير قال : السلام عليك أيها الأجير ،فقال الحاشية: السلام عليك أيها الأمير ،فقال أبو مسلم: السلام عليك أيها الأجير، فقال الأمير: دعوا أبا مسلم فانه اعلم بما يريد، فقال له: اعلم انه ليس من أجير استرعي رعية إلا رب الرعية سائله عنها فإن داوى مرضاها وجبر كسراها وهنأ جرباها أي طلاها بالزفت لتبرأ ، الجرب مرض في الإبل هكذا يعالج ورد أولها على أخراها ووضعها في انف من الكلأ وصفو من الماء وفاه اجره وان كان لم يداوي مرضاه ولم يهنأ جرباها ولم يجبر كسرها ولم يرد أولاها على أخراها ولم يضعها على أنف من الكلأ وصفو من الماء لم يؤته اجرها ، لم يؤته الأجر فانظر أين أنت يا فلان، قال : يرحمك الله يا أبا مسلم و أذعن . حبس معاوية – رضى الله عنه – مرة العطاء أخره عن الناس مرتبات من بيت المال وصعد المنبر قام إليه أبو مسلم قال : لما حبست العطاء يا معاوية انه ليس من كدك وكد أبيك ولا من كد أمك حتى تحبس ، فغضب معاوية غضبا شديدا ونزل عن المنبر وقال للناس : مكانكم ، وغاب عن أعينهم ساعة ثم رجع فقال : إن أبا مسلم كلمني بكلام أغضبني و إني سمعت ( الغضب من الشيطان والشيطان خلق من النار و إنما تطفأ النار بالماء ) و إني دخلت فاغتسلت وصدق أبو مسلم إنه ليس من كدي ولا كد أبى فهلموا إلى عطائكم . هكذا سعيد بن المسيب – رحمه الله – يقوم بالحق فيُضرَب ستين سوطا فلا يجيد . سعيد بن جبير يبحث عنه الحجاج ويلقى عليه القبض ولما جيء به إليه قال الحجاج ائتوني بسيف عريض وكان الحجاج إذا أتي إليه بشخص قال : أكفرت بخروجك علي ، فإن قال : نعم ، خلى سبيله فقال لسعيد : اكفرت بخروجك علي ، قال : لا ، قال : اختر أي قتله أقتلك قال : اختر أنت فإن القصاص أمامك . يعني بعد الموت . أما حطيت الزيات والمواقف الجريئة عند الحجاج فإن حطيطا كان صواما قواما عرف الحجاج عنه أخذه استدعاه فقال حطيط لمن معه إني قد عاهدت الله لئن سئلت لأصدقن وان ابتليت لأصبرن ولأن عوفيت لأشكرن و لأحمدن الله على ذلك فقال له الحجاج : ما تقول في ؟ قال : أنت عدو الله تقتل على الظنة بدون دليل وبرهان قاطع ، قال : فما قولك في أمير المؤمنين قال أنت شرر من شراره هو شرر و أنت شرارة من الشرر وهو اعظم جرما قال : خذوه ففظعوا عليه العذاب ففعلوا فصبر ولم يصح فأتوه فأخبروه قال : قطعوا لحمه وصبوا عليه الخل والملح فصبر ولم يصح فأتوه فأخبروه فقال : اخرجوا إلى السوق فاضربوا عنقه – رحمه الله - ، كم عمره ثمانية عشر سنة بس . ابن أبي ذئب– رحمه الله – لما حج أبو جعفر المنصور دعاه قال نشدتك الله الست اعمل بالحق ؟ ألا تراني اعتدل قال : أما إذا ناشدتني بالله فأقول ما أراك تعدل وانك لجائر وانك لتستعمل الظلمة وتدع أهل الخير . ولما دخل المنصور المسجد النبوي قام الناس إلا من أبي ذئب فقيل له : قم قال إنما يقوم الناس لرب العالمين . سفيان الثوري يقول إني لأرى المنكر فلا أتكلم فأبول دما . أتى المهدي بسفيان الثوري لما دخل عليه سلم سفيان ولم يسلم بالخلافة وسياف المهدي قائم على راس المهدي بسيفه متكئ عليه ينتظر متى الأمر فأقبل المهدي على سفيان قال : يا سفيان تفر منا هاهنا وهاهنا تظن أن لو أردناك بسوء لم نقدر عليك فقد قدرنا عليك الآن أمسكناك والقينا عليك القبض أفما تخشى أن نحكم فيك بهوانه ؟ قال سفيان : إن تحكم فيّ يحكم فيك ملك قادر يفرق بين الحق والباطل ،فقال السياف : يا أمير المؤمنين ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا أتأذن لي أن اضرب عنقه ، المهدي كان فيه خير قال : اسكت ويلك وهل يريد هذا و أمثاله إلا أن نقتلهم فنشقى لسعادتهم يعني هو يذهب شهيدا ونحن نذهب إلى جهنم ، اكتبوا عهدا لسفيان بقضاء الكوفة و ألا يعترض عليه أحد في حكم ، سفيان اخذ الخطاب وخرج رماه في نهر دجلة وغاب عن أنظار الناس فلم يُعرف أين هو . الاوزاعي لما فرض عبد الله بن علي هذا من دعاة بني العباس الذي وطؤوا له في أول الأمر وكان سفاكا للدماء لما فرغ من قتل بني أميه بعث إلى الاوزاعي وكان قد قتل يومئذ نيفا وسبعين من بني أميه قال الاوزاعي : دخلت عليه والناس صفان قال : ما تقول في مخرجنا وما نحن فيه ؟ فتفكرت ثم قلت لأصدقن واستبسلت للموت ثم رويت له عن يحيى بن سعيد حديث الأعمال بالنيات وبيده قضيب ينكت به ثم قال : ما تقول في قتل أهل هذا البيت يعني بني أميه فرويت له قول النبي – صلى الله عليه وسلم – ( لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا اله إلا الله و أني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ) قال : اخبرني عن الخلافة وصية لنا من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نحن آل البيت فقلت : لو كانت وصية من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما ترك علي رضى الله عنه أحدا يتقدم ، قال : فما تقول في أموال بني أمية ؟ قلت : إن كانت لهم حلالا فهي عليك حرام وان كانت عليهم حراما فهي عليك أحرم ، فأمرني فخرجت فقمت فجعلت لا أخطو خطوة إلا قلت أن رأسي يقع عندها . وهكذا كان ذلك الرجل سفاكا للدماء صعب المراس لكن الله نجى الاوزاعي بصدقه . وابن النابلسي – رحمه الله – لما أخذه جوهر هذا العبيدي هذا الكافر الباطني قال له : بلغنا أنك قلت إذا كان مع الرجل عشرة أسهم وجب عليه أن يرمي في الروم سهما وفينا تسعه ، قال – رحمه الله - : ما قلت هذا بل قلت إذا كان معه عشرة اسهم وجب أن يرميكم بتسعة وان يرمي العاشر فيكم أيضا ، قال : لماذا ؟ قال : لأنكم غيرتم الملة وقتلتم الصالحين وادعيتم نورا إلهيه ، فأمر جوهر أن يسلخ من جلده فطرح على وجهه في الأرض وشق السلاخون عرقوبيه ونفخ كما تنفخ الشاه ثم سلخ وهو يقرأ القرآن بصوت قوي ثم غشى عليه ومات – رحمه الله – كان الدارقطني إذا ذكره يبكي ويقول : كان يقول وهو يسلخ ( كان ذلك في الكتاب مسطورا ) . شمس الدين القاضي في عهد الدولة العثمانية لما حضر بايزيد محمد أحد سلاطين العثمانيين إلى المحكمة الشرعية بين يدي الشيخ ليشهد في قضية رد الشيخ شهادة السلطان ولم يقبلها قال السلطان : ولما؟ قال : لأنك تارك لصلاة الجماعة ، فابتسم السلطان ولعل الله أراد به خيرا ثم أمر بناء مسجد أمام داره ولم يترك صلاة الجماعة بعدها . وهكذا كان أهل العلم على الحق ثابتين لا يلينون ولا يتزلزلون .شيخ الإسلام الهروي إسماعيل الأنصاري يقول : عرضت على السيف خمس مرات لا يقال لي ارجع عن مذهبك لكن يقال لي اسكت عن من خالفك فأقول : لا اسكت . القاضي المنذر بن سعيد البلوطي قاضي قرطبة لما عمل أمير المؤمنين في الأندلس قبة بالذهب والفضة وبعد ما تم الإنجاز العظيم هذا ودخل الأعيان وأخذوا مجالسهم جاء منذر بن سعيد فقال له الخليفة كمن قال لمن قبله : هل رأيت أو سمعت أحدا من الخلفاء قبلي فعل مثل هذا ؟ فبكى القاضي وأَقْبَل ودموعه تتحدر ثم قال : والله ما ظننت يا أمير المؤمنين أن الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ أن أنزلك منازل الكفار ، قال : لما ؟ قال : قال الله عز وجل ( ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة و معارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا – يعني ذهب – وان كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين ) فنكس الخليفة رأسه ثم قال : جزاك الله عنا خيرا وعن المسلمين الذي قلته هو الحق و أمر بنقض سقف القبة . هذا من بيت المال بأي حق يوضع يرد إلى بيت المال .
سادسا : فيما فعله أولئك القوم الجهاد في سبيل الله ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) دافعوا عن بيضة الإسلام وغزوا في سبيل الله ودخلوا نحور العدو ، دانت لهم البلدان لما أراقوا الدماء في سبيل الله ( من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق ) هذه البسالة والبطولة التي كان يبديها سلفنا – رحمهم الله – شيء عجب ، فكان انس بن النضر لما مات في بدنه ثمانون ضربة ورمية وطعنه ، كذلك جعفر الطيار في بدنه في مؤتة تسعون ضربة ما بين طعنة ورمية وضربة بسيف . الزبير يوم اليرموك قال له أصحابه : ألا تشد فنشد معك قال : إن شددتم كذبتم قالوا : لا نفعل ، فحمل حتى شق الصفوف فجاوزهم وما معه أحد ثم رجع فأخذ الروم بلجامه ضربوه ضربتين على عاتقه بينهما ضربة ضربها يوم بدر فهناك ثلاث آثار في عاتق الزبير ، اثنتين في اليرموك عن يمين وشمال وواحدة بينهما في بدر قال عروة ولده : كنت ادخل أصابعي في تلك الضربات العب وأنا صغير ، لما يتربى عبد الله بن الزبير عند هذا الرجل كيف يكون ؟ لذلك كان فارسا وعمره عشر سنين حتى أن الزبير وكل به رجلا لا يقتحم الأعداء فكان عبد الله يجهز على جرحى الروم يطوف على جرحى الروم ( الشيخ يحدث فتىً من الحضور يقول له : سمعت أنت ؟ كم عمرك ؟ الشيخ يستمع لإجابة الفتى ، إحدى عشر سنة يعني أنت اكبر بسنة ،فهذا عبد الله بن الزبير كان يطوف على جرحى الروم بعد المعركة والذي يجد فيه نفس يجهز عليه ، فجهز نفسك ) . يقول خالد بن الوليد – رضى الله عنه – لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية ، ما صبرت في يدي إلا صفيحة لي يمانية سيفٌ يمانيٌ هو الذي صمد في يده ، تقطعت أسيافه الستة – رضى الله عنه - . وهكذا كانت البطولات والشجاعات وبراءة بن مالك يوم اليمامة لما تحصن بنو حنيفة في بستان مسيلمة الذي كان يعرف بحديقة الموت ، يقول لأصحابه ضعوني على الترس والقوني فيلقونه من فوق السور فينزل كالصاعقة على رؤوس الكفار يقاتلهم وحده ويقتل عشرة ويفتح الباب ، جرح يومئذ بضعا وثمانين جرحا . وهكذا كان جليبيب – رضى الله عنه – لما قال – عليه الصلاة والسلام – بعد المعركة ( هل تفقدون من أحد ؟ قالوا : نعم فلانا وفلانا و فلانا ، قال : هل تفقدون من أحد ؟ قالوا : نعم فلانا وفلانا و فلانا ، ثم قال : هل تفقدون من أحد ؟ قالوا : لا ، قال : لكني افقد جليبيبا ، فطلبوه ، فَطُلِبَ في القتله فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه فأتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فوقف عليه فقال : قتل سبعة ثم قتلوه هذا مني وأنا منه ، هذا مني وأنا منه ثم حمله النبي – صلى الله عليه وسلم – ليس له سرير إلا ساعدي رسول الله – عليه الصلاة والسلام – فحفر له ووضع في قبره ) . في واحد من المحدثين كان من شيوخ البخاري اسمه أحمد بن إسحاق هذا الرجل عجيب في شجاعته يقول البخاري : ما بلغنا أنه كان مثله ، يعني في الشجاعة يقول : مرة وقد أخرج سيفه أعلم يقينا أني قتلت به ألف كافر وإن عشت قتلت به ألفا أخرى ولولا خوفي أن يكون بدعة لأمرت أن يدفن معي . أرسل الكفار يوما في عمل كمين لهذا الرجل خمسين فارسا انتقاء لما خرجوا حاصروه هجم عليهم وقاتلهم فقتل تسعة و أربعين وأمسك الخمسين وقطع بعض أعضائه و أرسله رسولا ليخبر قومه بما حصل . طارق بن زياد لما دخل الأندلس في ألف وسبعمائة رجل و تذفير هذا نائب اللذريق الذي صار قتال ثلاثة أيام ثم جاء الملك بنفسه بفرسان وجيش عرمرم . قال طارق : انه لا ملجأ لكم بعد الله غير سيوفكم أين تذهبون وانتم في وسط بلادهم والبحر من ورائكم محيط بكم و أنا فاعل شيئا إنما النصر و أما الموت ، قالوا : وما هو ؟ قال : أقصد طاغيتهم الآن الهدف القائد فإذا حملت فاحملوا بأجمعكم معي ففعلوا ذلك فقتل ملكهم وجمع كثير من أصحابه وهزمهم الله تعالى وتبعهم المسلمون ثلاثة أيام يقتلونهم قتلا ذريعا ولم يقتل من المسلمين إلا النفر اليسير . وهكذا كان على بن أسد – رحمه الله – كان رجل في البداية غير متدين كان صاحب معاصي ومن الذين أسرفوا على أنفسهم ، سمع واحد يقرأ في الليل ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمه الله ) قال : أعد ، أعاد ، قال : أعد ، أعاد ، قال : أعد ، أعاد ، ثلاث مرات رسخت وقعت اغتسل ثم غسل ثيابه ذهب في العبادة حتى عمشت عيناه من البكاء وصارت ركبتاه كركبتي البعير من كثرة الصلاة غزا البحر فلقي الروم فارتبطوا بمراكب العدو قال اليوم أطلب الجنة لا أطلب الجنة بعد اليوم أبدا . فاقتحم بنفسه في سفينة من سفنهم فما زال يضربهم وينحازون ويضربهم وينحازون حتى مالوا في شق واحد كلهم فانكفأت السفينة فغرق وغرقوا جميعا .
أما أبو الفادية الذي كان يوما من الأيام مع المسلمين في المعارك البحرية بقيادة معاوية – رضى الله عنه – كان الروم جهّزوا طنجر مملوء بمادة مشتعلة ليقذفوه على سفن المسلمين تحترق بمن فيها ، فنظر أبو الفادية إلى رجل من الروم قد أمسك بالطنجر ليقذفه فرماه أبو الفادية بسهم فقتله وخر الطنجر في سفينة الروم فاحترقت بأهلها وكانوا ثلاثمائة فكان يقال : رمية سهم أبي الفادية قتلت ثلاثمائة نفس . أما أبا الفتحون – رحمه الله – الذي خرج إلى علج رومي كان قتل من المسلمين ثلاثة يطلب البراز يخرج مسلم يقتله يخرج مسلم يقتله ثلاثة ، جعل النصراني يمشي متبخترا يقول : هل من مبارز واحد لاثنين واحد لثلاثة ثلاثة من المسلمين لواحد من الفرنج، فتضايق المسلمون جدا وقالوا للمستعين ليس لها إلا أبو الوليد ابن فتحون فخرج أبو الوليد بقميص كتان واسع الأكمام وركب فرسا بلا سلاح وأخذ بيده سوطا طويل الطرف وفي طرفه عقدة معقودة ثم برز إليه فتعجب النصراني منه ، كيف ما يخرج إلا بسوط وحمل كل منهما على صاحبة فلم تخطيء طعنة النصراني سرج ابن فتحون فتعلق برقبة فرسه ونزل الأرض لا شيء منه في السرج ثم استوى على سرجه وضرب النصراني بالسوط على عنقه فالتوى السوط على عنقه فأخذه بيده فاقتلعه وجاء به إلى المسلمين فألقاه بين أيديهم .
وهكذا كان البَطّال رأس الشجعان والأبطال من أعيان أمراء الشاميين كما يقول الذهبي هذا الرجل بعث سرية إلى ارض الروم فغابت واختفت واختفى جندها ، ما درى ماذا صنع أصحابه المسلمون ، فركب بنفسه وحده على فرس حتى جاء إلى عمورية وكان فيها النصارى فطرق بابها ليلا فقال له البواب : من هذا ؟ قال البَطّال : أنا سياف الملك ورسوله إلى البطريق فأخذ لي طريقا إليه فلما دخلت على البطريق إذا هو جالس على سرير فجلست معه على السرير إلى جانبه ، يعني انه شخصية مهمة مثله وهو أصلا أهم منه ثم قلت له : إني قد جئت في رسالة فأمر هؤلاء فلينصرفوا فأمر من عنده فذهبوا ثم قام فأغلق باب الكنيسة علي وعليه . الآن يظن أن رسالة من ملك النصارى . ثم جاء فجلس فاخترطت سيفي وضربته يعني ليس بحده لكن بعرضه وقلت أنا البطال اصدقني عن السرية التي أرسلتها إلى بلادك وإلا ضربت عنقك الساعة . فأخبرني ما خبرها ، قال : هم في بلادي وهذا كتاب قد جاءتني يخبر انهم في وادي كذا وكذا والله لقد صدقتك ، فقالت : هات الأمان فأعطاني الأمان فقلت ائتني بطعام ، شوف الشجاعة ، فأمر أصحابه فجاءوا بطعام فوضع لي ، فأكلت فقمت لأنصرف فقال لأصحابه أُخرجوا بين يدي رسول الملك فانطلقوا يتعادون بين يدي وانطلقت إلى ذلك الوادي فإذا أصحابي هنالك فأخذتهم ورجعت . هذا الرجل كان يسأل الله الشهادة قد شُغِلَ بالجهاد عن الحج فكان يسأل الله الحج فكان يسأل الله الحج قبل أن يستشهد وفعلا حج في السنة التي استشهد فيها – رحمه الله تعالى – وكان من المسلمين أيضا كان من انتضب للقاء الإفرنج في البحر وكان غزوات عظيمة من المسلمين والنصارى في البحر ، حسام الدين لؤلؤ العادلي الذي لما خرج الإفرنج في البحر خرج و أدركهم و أحاط بهم واستسلموا وقيدهم وكانوا اكثر من ثلاثمائة مقاتل وأقبل بهم إلى القاهرة وكان يوما مشهودا .
و أما بطولات صلاح الدين ونور الدين وعماد الدين فإنها مشهورة معروفة كثيرة ومن الأشخاص الذين مروا في تاريخ الإسلام عندما وصل الإنسان إلى جزر الفليبين بقيادة ماجلان مُكتشف راس الرجاء الصالح هذا النصراني ماجلان قاد جيشا من النصارى إلى الفليبين وكان أهل الفليبين من المسلمين عام 927 م نزل الأسبان على ارض الفليبين يظنون أن أهلها على الوثنية لكنهم لاحظوا انهم فوجئوا بالمسلمين بصوت واحد فانهزم الصليبيون وكان قائدهم ماجلان قد جاء إلى ناحية الجزر الجنوبية ودخل على ملكها المسلم لابو لابو وقال له ماجلان يقول للمسلم : إنني باسم المسيح أطلب منك التسليم ونحن العرق الأبيض أصحاب الحضارة أولي منكم بحكم هذه البلاد ، فرد عليه الأمير المسلم : إن الدين لله وإن الإله الذي اعبده اله جميع البشر على اختلاف ألوانهم ثم اخذ لابو لابو المسلم الفليبيني ماجلان بيده وقتله ودمر فرقته ورفض تسليم جثته للأسبان فانسحبوا خائبين . وهكذا غزا الأسبان بعد ذلك الفليبين واستولوا عليها بعدما جاهدهم المسلمون جهادا كبيرا ، لقد كان للمسلمين صولات وجولات كثيرة فهذه الصحراء وهذه البحار وهذه الأدغال شاهده على جرأتهم وشجاعتهم الأمثلة كثيرة لم تكن فقط في الرجال و إنما حتى النساء فأم سليم التي كانت تحمل الخنجر أيام حنين فرآها النبي – صلى الله عليه وسلم – معها الخنجر قال : ما هذا يا أم سليم ؟ قالت : اتخذته حتى إذا دنا مني من المشركين بقرت بطنه فجعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يضحك فقالت : يا رسول الله اقتل من بعدنا من الطلقاء الذين انهزموا بك فقال لها : يا أم سليم إن الله قد كفى واحسن . رواه مسلم .
وكانت المقاتلة الشجاعة أم موسى اللخمية مع زوجها باليرموك وجال الرجال جوله فأبصرت عِلْجاً يجر رجلا من المسلمين رومي نصراني أسر مسلما فأخذت هذه المرأة عمود الفسطاط ثم دنت من ذلك النصراني فشدخت به رأسه وأقبلت على أخذ سلبه – رحمها الله –.
وهذه الأمة فيها خير عظيم والتاريخ يعيد نفسه في أشياء، وسنن الله الكونية ثابتة تجري وإذا كان لنا من مثل هذه الوقفات دروس وعبر أن نأخذها فإن علينا أن ننظر اليوم أيها الاخوة في حالنا ونقارب بأولئك القوم ونقول لأنفسنا هلم إلى العمل ولنذهب لنأخذ بكتاب ربنا وسنة نبينا – صلى الله عليه وسلم – فإن الأيام التي تمر بنا الآن أياما صعبة تحتاج إلى عمل سريع والله أيها الاخوة والى إغاثة عاجلة نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكشف الضر فإنه ليس لها من دون الله كاشفة ، ولنعلم بأن المسلمين قد آتاهم الله من الخيرات والإمكانات والعقليات والقوة ما لو اجتمعوا على دينهم لا يمكن أن يهزمهم الكفار وينبغي أن نشحذ هممنا وعزائمنا بأخبار سلفنا فإن المواجهة آتية ولابد مع معسكر أهل الشرك نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبت أقدامنا وان ينصرنا على القوم الكافرين ونسأله أن يلهمنا رشدنا وان يقينا شر أنفسنا ونسأله أن يعلمنا ما ينفعنا وان ينفعنا بما علمنا ونسأله أن يدخلنا برحمته في عباده الصالحين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين .
موقع الصوتيات والمرئيات الإسلامي
|
الثلاثاء، 10 مايو 2011
أنقذوا الليبرالية من الليبراليين
| |
السبت، 26 مارس 2011
وائل غنيم هل هو ماسونى ؟
وائل غنيم مدير تسويق شركه جوجل في الشرق الاوسط هل هو شخص وطني وثوري أم انه يتم تحريكه من قبل قوي خارجيه وربما داخليه وهي من قامت بحمايته وخصوصا ان الجهات الامريكيه تدافع وتبحث عنه كأنه أحد رجالهم
وائل غنيم من أحد نشطاء الفيس بوك وفي يوم مظاهرات ثوره الغضب في يوم 25 يناير كان وائل في مقر عمله في شركه جوجل الامريكيه في مكتبها في الامارات العربيه المتحده وهي في نفس الوقت محل ولادته وقد سافر الي مصر حسب قوله في اليوم التالي للاشتراك في مظاهرات الجمعه في 28 يناير بعد أن بدي للجميع ان المظاهرات قد أزدادت حميتها
سفره كان فجأه وبسريه كامله دون ان يقول لزملائه في العمل ودون حتي ان يتصل بوالده الذي يعمل في السعوديه ويخبره أنه سيشترك في المظاهرات يبدو ان المهه كانت سريه للغايه لدرجه أنه لم يقول لزملائه في العمل او حتي لاهله وهذا مايضع علامات أستفام كتيره عمن يحركه
هل تعتقدون ان شخصا ما سيترك وظيفته وزوجته (أمريكيه) ثم يذهب الي دوله أخري للاشترك في مظاهره دون أن يعلم احد من زملائه في العمل أو حتي أهله الا أذا كانت هناك جهه معينه تخطط له وهذه الجهه هي اول من بحثت عنه عندما أختفي ثم أطلاق سراحه بدون ان يصيبه أي سوء او خربوش في الوقت الذي تم ضرب كتير ممن أشتركوا في المظاهرات بالرصاص الحي ومات العديد ؟؟؟
هذا الشاب أعترف ان قوات الامن المصريه لم تصيبه بسوء ولم يضربوه أو يعذبوه وأن التحقيق كان فقط عن محاوله معرفه من يقف ورائه مع العلم ان في الحالات المشابهه يتم تعذيب كل من يتم التحقيق معه ولكن في حاله وائل فانه في النهايه تم أطلاق سراحه ثم الدفع به الي وسائل الاعلام الحكوميه والعربيه وحتي الامريكيه وكأنه البطل القومي الجديد وتحويله ايلي بطل قومي وشخصيه مشهوره بين ليله وضحاها
السؤال هو من أعطاه الاوامر للتحرك وترك زوجته الامريكيه في الامارات ووظيفته في جوجل ثم يذهب الي مصر للاشتراك في مظاهره كما صرح وهل قبضت عليه قوات الامن المصريه بغرض أخافته أم بغرض حمايته لمده 12 يوما بينما كان الرصاص الحي ينهمر علي الجميع في الخارج ولماذا تدخلت الحكومه الامريكيه وشركه جوجل للافراج عنه وكأنه واحد منهم وكأنهم يعلمون انه في أيدي قوات الامن المصريه
والسؤال هو لماذا تم التحفظ عليه في مكان آمن لمده 12 يوما بينما الرصاص الحي كان ينهمر علي الجميع في الشوارع ثم أطلاق حمله تزعمتها جوجل ووكالات الانباء الامريكيه للبحث عنه وكأنه أهم شخص في مصر ثم أطلاق سراحه لتتلفقه وسائل الاعلام ووكالات الانباء
السؤال الاخر لماذا أهتمت به وسائل الاعلام الامريكيه وأخذوا يبحثون عنه وكأنه أحد رجالهم مع ان هناك المئات من الشباب المصري الذين تم ضربهم بالرصاص الحي في جميع أنحاء الجمهوريه ولماذا تبرزه وسائل الاعلام الحكوميه والمحليه والاجنبيه كأنه محرك الثوره المصريه وكأنه من الهم الملايين بثوره الشعب
هل هناك جهه أمريكيه تخطط له وتدافع عنه وتقف ورائه لدفعه الي مركز معين؟
وما هي علاقه تأييد جماعه 6 أبريل للبرادعي وما دور الاداره الامريكيه؟
لماذا أهتمت كل وسائل الاعلام الحكوميه والغير حكوميه والمحليه والدوليه بوائل غنيم بينما لم يصيبه أي خدش ولو صغير بينما سقط وأختفي مئات الشباب الاخرين؟
ولماذا يدافع عنه نجيب ساويرس الذي لايطالب بتنحي مبارك ولم نسمع له صوت جراء أطلاق الرصاص الحي علي شباب مصر؟
نجيب ساويرس من قال ان سقوط مصر يعني أنتصار أيران وسوريا وحزب الله وستكون بدايه هلاك الشرق الاوسط ولاندري لماذا كان يدافع ساويرس عن وائل غنيم ويظهره ويشهره في قناوته كأنه محرك الثوره ولماذا كان يبحث عنه كأنه أحد رجاله
مايحير فعلا ان هذا الشخص قد تم دفعه بقوه أشهاره في وسائل الاعلام الاجنبيه والعربيه والمحليه في ظرف أسبوع واحد فقط فتحول من شخص لايعرفه أحد الي شخص تتكلم عنه جميع وسائل الاعلام الامريكيه والغير أمريكيه وتبحث عنه الجهات والشركات والمؤسسات ثم دفعه بعد ذلك الي مسرح الاحداث وأعطاؤه الميكروفون بعد نجاج ثوره الشعب
والان لماذا تقف أمريكا وراءه ولماذا يحاولون أن يظهروه كأنه صوت شباب الثوره وممثلهم؟
الادراه الامريكيه تحاول دائما ان يكون لها موطأ قدم وصوت يمثلهم في كل الاحداث
الثوره الشعبيه المصريه الان أكبر حدث في الشرق الاوسط وهذا الشاب يمثل صوتهم ووجهه نظرهم في وسط شباب الثوره
أمريكا لها أجندات معينه مثل الدفع بأشخاص معينين في أماكن سياسيه ومراكز خاصه مثل دفعهم للبرادعي لتولي الرئاسه في مصر و وائل غنيم هو حصان طرواده الذي سيستخدمه الامريكان لرفع شأن البرادعي
أذا كنتم تريدون كشف هذا الشاب في دقيقه واحده أسألوه عن وجهه نظره من السياسه الامريكيه في الشرق الاوسط وستجدون أنه لايتجرأ علي التكلم عنهم بسوء بل ربما سيمتدحهم ويمتدح مواقفهم والعجيب انه لحد الآن لم يذكرهم لا من قريب او بعيد فى هتافاته او احاديثه
للعلم يا شباب برامج نت وائل خريج الجامعه الامريكيه ويعمل بشركه أمريكيه وزوجته أمريكيه ويدعم البرادعي الذي عمل لمصلحه أمريكا في السابق كما ان هناك أقاويل بأنه قد حضرعده مؤتمرات نظمتها الاداره الامريكيه بشأن الحريه والديمقراطيه في مصر
نضيف الى ذلك الحظاظات الى حط صورها ابو حمزة والوانها هى الاهم
فلنراجع كل صورة على حدها لكى نفهم تورط الماسونية فى الموضوع ونظرية المؤامرة
نبدا بالقائد المحرك
نلاحظ انة يرتدى درجة لونها بنفسجى وهى بالانجليزية تكتب Purple او Violet
ولكن عند البحث عن الالوان المستخدمة فى الماسونية كدرجات فالماسونية لها 33 درجة ولكن هناك ايضا درجات حسب الالوان
فنجد النص التالى
Purple, being a mixture of blue and red, is, to the Mason, the symbol of fraternal union because it is composed of the color adopted for the Master Mason's Lodge and that adopted for the Chapter of Royal Arch Companions, these two Masonic bodies being indissolubly connected since the Royal Arch is an essential and component part of the present-day mutilated Master Mason's degree. For this reason purple is adopted as the proper color for the Mark, the Past, and the Most Excellent Master degrees, to symbolize the fact that those degrees connect the Master Mason's degree with the Royal Arch
وعندما نترجمة نجد المعنى كما هو
ان اللون البنفسجى او الارجوانى هو خليط بين اللون الاحمر والازرق وهو بالنسبة الى الماسونية علامة اتحاد الاشقاء لانة يتكون من الالوان المعتمدة لما يسمى درجة ماجستير اللودج الماسونى وهما اى اللونين معتمدة من ابطال القوس الملكى وهذين اللونين الماسونيين المنفصمين لهما علاقة بالقوس الملكى الذى هو ضرورى ومكون لمايعرف فى عصرنا اليوم بدرجة الماجستير الماسونى المشوة ولهذا السبب اعتمد اللون البنفسجى كلون مناسب للعلامة فى الماضى واهم درجات الماجستير الماسونى الممتازة ويرمز الى حقيقة ان هذة الدرجات متصلة بالقوس الماسونى الملكى
وهذا هو الرمز الذى يؤكد درجات اللونين المكونين للون البنفسجى
وبالمناسبة نجد ان الحاجة جوجل تستخدم نفس اللون فى اكبر برنامج يستخدمة الملايين من الناس منها نحن
هل تعلم ماهو انه الجى ميل يا شباب انظروا الى لوجو الجى ميل وقارنوها بهذا الشعار
ولاننسى ان الماسونية تستخدم حرف ال G
فى شعارها الاساسى التالى
وعليه هذا يوضح الدور الذى قامت بة جوجل المتمثلة فى حرف الجى والماسونية المتمثلة فى حرف الام فى تسخير امكانياتها عندما اعلنت مصر قطع النت
ولاننسى ان جوجل وفيسبوك هما علامتان لوجة واحد
مصدر رابط الالوان للتاكد من شرح الوان الماسونية التى تم تحديدة عام 1919 بواسطة بيلدرجروب اكيد سمعنا هذا الاسم من قبل
Masonic Dictionary | Masonic Colors | www.masonicdictionary.com
الان نأخذ الزعيم الوطنى وائل غنيم
هذه صورة وائل وحظاظاتة لونها الاخضر كما نرى
ولنرى مايعنى اللون الاخضر فى السلك والرتب الماسونية
Green, being the unchanging color of the various evergreen trees, shrubs, and so forth, is, in the symbolistic system of Masonry, the color symbolic of the unchanging immortality of all that is divine and true. This conception Masonry has received from the ancients, more particularly the Egyptians. For example, with the Egyptians, as noted above, Ptah was pictured as having green flesh. Also, the goddess Pascht, the divine preserver, and Thoth, the instructor of men in the sacred doctrines of truth, were both painted with green flesh. So the Mason, adhering once more, as he so often does, to the conceptions of the Egyptians, chooses for his symbol of the immortality of the soul which he knows to be divine and true an object, the acacia, whose color is unchanging green
والترجمة هى
الاخضر وهو يشير الى اللون الثابت للاشجار دائمة الخضرة والشجيرات وهكذا دواليك وفى النظام الماسونى للرموز فان اللون الرمزى يعنى الثبات الخالد لكل ماهو معروف وحقيقى وتم استنباط هذا المفهوم من القدماء وخاصة القدماء المصريين على سبيل المثال عند المصريين كما ذكر اعلاه
كانت الالهة بتاح المصورة بأنها اللحم الخضراء أيضا وكذلك الالهة باشت وحافظة الالوهية وكذلك الالهة توت المدربين من الرجال في المذاهب المقدسة الحقيقة وكلاهما ملون بلون اللحم الأخضر ولذلك يتمسك الماسون مرة اخرى ودائما بالمفاهيم المصرية ويختارون لها رمز خلود الروح والمعروف بانها حقيقة والاهية والتى لايتغير لونها الاخضر
وهكذا نجد ان اختيار اللون الاخضر للسيد وائل غنيم مرتبط بكونة مصرى وان الماسونية اختارت اللون المناسب لة وهو الخلود والالوهية طبقا لمعتقدات المصريين القدماء
وبالفعل تم تركيز الضوء علية وحده من وسائل الاعلام دون الاخرين وتم جعلة بطلا ومشهورا ولاننسى انة متزوج من امريكية وكونة ماسونى جعلة يتالق فى جوجل التى حجم مبيعاتها السنوية فقط يتعدى ميزانيات دول مجتمعة بالمليارات
والعجيب ..
فقد قال على حسابه في تويتر
Ghonim Wael Ghonim
Khaled Said name in Arabic translates to Eternal Happiness in English. #Jan25
12 Feb Favorite Retweet Reply
وهو يترجم اسم "خالد سعيد" الذي قتلته الشرطة كما قيل, إلى كلمة "سعادة خالدة" !!
وقد ظهر في مقابلته مع برنامج العاشرة مساء أن أتباعه المنظمين للحركة كانوا لا يعرفونه إلا باسمه الكودي : خالد !
حتى أن احدهم يغلط دائما ويناديه بخالد حتى بعد معرفة هويته كما جرت العادة
بالله عليكم فى حد بيبكى كدة وبيعصر وشه بدون دموع علشان الشهداء وبعدين يرجع يرقص بعد ساعات فقط فى
المكتب بالمنظر ده
ويستمر فضح الاراجوز
وائل غنيم
هذا تعليق العقيد عمر عفيفى فى امريكا على صفحتة الراجل اللى جوه المعمه وعارف كل اللى بيحصل من تحت الترابيزة
اثناء المظاهرات كلما كنت تستخدم جوجل للترجمة وتكتب كلمة
مصر تحتل اسرائيل نجد الترجمة للانجليزية هو
اسرائيل هى مصر !!!
وهذة الصورة اللى تؤكد الكلام طبعا بعد نشر هذة الصورة تم تحذير جوجل اللى عدلت الترجمة وصلحت الامر
وائل بيشتغل فى جوجل الشرق الاوسط طبعا كدة يبقى الكلام كلة مدروس ومتخطط من اول يوم
واخيرآ يا شباب
الواحد ممكن يلبس فانلة واحدة او اتنين من نفس الماركة مش تكون كل فانلاتة نفس الماركة ونفس الشعار؟
نفس العشار وكرر وكرر وكرر حتى يصبح الشعار مألوفا ويكون قدوة للشباب وخصوصآ فى الثورة النبيلة
اليكم فانلات الزعيم المزيف وائل افندى كعب الغزال
حتى التزامه وصل بان ألبس جميع اولاده بنات واولاد نفس الشعار !!
شعار الماسونية
اى نوع من الولاء لدية لمصر وهو الذى ولد وتربى فى دبى
بالله عليكم ان لم يكن الموضوع لة تخطيط عالى وكبير اكبر من مجرد الشباب اللى زى الورد الطيب اللى خرج فعلا يوم 25 الى يوم 28 فقط
ويطلع ويثور وبعدين يركب على الموجة اصحاب المشروع الاكبر والتخطيط الماسونى البرادعى وغنيم افندى كعب الغزال وتدعمهم امريكا بكل قوة وتأييد وتلمعهم بكل قوتها وتمهد لهم الطريق ليعتلى البرادعى العرش ويكون الأفندى المنسق لحملته على العلن وعلى الفيسبوك الذى اعلن هو بنفسه ان رئيس مصر سيتم انتخابه من الفيسبوك
للأهميه تم نقله
اللهم قد بلغت اللهم فأشهد
مشكلتنا اننا شعب متلقى فقط لا بنبحث
ولا بندور على اطول وجذور الأشياء
والمواقف ونقلبها يمين وشمال
عشان نعرف الحقيقة
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)